07 مارس, 2010


عبدالهادي سعدون:



ـ هذه التركة الثقيلة المسماة الوطن
ـ تفجيرات مدريد أعادت الصورة النمطية للعرب
ـ باولو كويلهو لا يمتلك الخيال الواسع



أجرى الحديث: عزمي عبدالوهاب



فور تخرجه في الجامعة من قسم اللغة الأسبانية‏,‏ خرج القاص والمترجم عبدالهادي سعدون من العراق‏,‏ نهاية عام‏1993.‏ وفي أسبانيا كانت تلازمه هواجس المغترب‏,‏ ويطارده الماضي‏,‏ فكتب مجموعتين‏:‏ انتحالات هائلة‏,‏ واليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر‏,‏ وأشرف علي إصدار مجلة ألواح وترجم الكثير من قصائد الشعر الأسباني إلي العربية‏,‏ إضافة إلي أنطولوجيا للشعر العراقي‏.‏عبدالهادي سعدون كان ضيفا علي القاهرة لمناقشة مختاراته المترجمة للشاعر بيثنته ألكساندر‏,‏ التي صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر‏,‏ ودار معه هذا الحوار فإلي التفاصيل‏.‏

*‏ في مجموعتك القصصية انتحالات عائلة تكتب‏:‏ منذ أن وضعت قدمي في مدريد وأنا أشعر في كل لحظة ثمة ثور سيباغتني وينبت قرنين في خاصرتي‏,‏ لماذا هذا التوجس؟

- هل مازالت لديك تلك الهواجس بعد عشر سنوات من الإقامة هناك؟الإنسان يشعر بالاغتراب بشكل دائم‏,‏ حين يمضي إلي بلد مختلف‏,‏ يحاول أن يوطن نفسه فيه‏,‏ لكنه في كل الأحوال يجد الوطن مغيبا‏,‏ حتي لو عاد إلي وطنه الأصلي يصبح ممزقا بين عالمين‏,‏ فوطنه الوحيد وهو ما يريد أن يصبح عليه‏,‏ وليس هناك وطن مجسد بأرض معينة‏,‏ بطل النص الذي أشرت إليه نموذج للمغترب المتوجة الخائف‏,‏ فالماضي يطارده‏,‏ حتي لو وصل إلي أرض جديدة‏,‏ أو عاش حياة أخري مختلفة‏,‏ وهو في نهاية النص‏,‏ بعد أن زال عنه الخوف‏,‏ يتصادف وجوده مع الثور من جديد‏,‏ ما يعني أن الخوف متجذر في نفسه‏,‏ قد ينساه قليلا‏,‏ لكنه موجود‏,‏ ومن الممكن أن يخرج في أية لحظة‏.‏


‏*‏ تبدو في المجموعة ذاتها وكأنك أحرقت كل المراكب التي تربطك بالعراق‏..‏ لماذا؟

- البطل لديه إحساس قوي بالتخلص من الوطن‏,‏ بسبب التركة الثقيلة لهذا المسمي الوطن لذلك هو يهرب دائما من ماضيه‏,‏ لكن الماضي يتبعه أينما سار‏,‏ وفي كل الأحوال فإن الحرق هنا غير حقيقي‏,‏ إنما فكري‏,‏ لأن الراوي بشكل أو بآخر يصادف أشياء تذكره بذلك الوطن‏,‏ لذلك يتحدث عن الـ هنا والـ هناك‏,‏ وقد يكون هذا الشئ له علاقة بالوطن متمثلا في ذكري حكاية معينة‏:‏في قصص هذه المجموعة حاولت أن أرسم شخصية العراقي المعاصر‏,‏ الرافض لما يحدث في بلاده‏,‏ إنه غير متكيف مع الوضع الجديد‏,‏ الذي يعيشه في المنفي أو الدولة الجديدة‏.‏


‏*‏ هل تتابع الحركة الأدبية في العراق؟

- منذ أن أصدرنا العدد الأول من مجلة ألواح سنة‏1997,‏ كنا حريصين علي متابعة الوضع الثقافي داخل العراق‏,‏ فأصدرنا أعدادا خاصة عن أدب التسعينيات‏:‏ شعرا وقصة ونقدا‏,‏ من أجل فهم وضعية المثقف العراقي في تلك الفترة‏.‏رغم أن المجلة لم تكن تصل إلي العراق إلا بشكل سري‏,‏ لكن هذا الوضع أتاح لنا فرصة قراءة الأدب العراقي منذ أن فرض الحصار علي أدبائه إلي اليوم الآن‏,‏ هناك نوع من الحرية في طرح أية فكرة‏,‏ لذلك تعددت الموجات والأصوات الأدبية‏,‏ فهناك أكثر من نمط كتابة يصور فترة الرئاسة والموت في زمن الديكتاتورية‏,‏ ولاتزال هذه الموجة مستمرة إلي الآن‏,‏ وما يصلنا من كتب يصور المأساة والوضع في العراق في زمنه الأمريكي الجديد‏.‏علي أية حال الكاتب العراقي يحاول في هذه الفترة كتابة نص توثيقي لما يحدث‏,‏ أي نص مهجن بعيد عن التصنيف الأدبي‏,‏ والغرض منه تجميع كل ما يجري في العراق حتي لا تضيع فرصة أرشفته‏.


‏*‏ وهل تختلف الصورة في أدب الخارج‏,‏ حيث شهد العراق أكبر هجرة أدبية في تاريخه علي مدي السنوات الأخيرة؟

- هناك أدب جديد في المنفي يتناول موضوعات العراق‏,‏ ربما أصبح المكان أمكنة متعددة‏,‏ بمعني آخر فالموضوعات والشخصيات عراقية‏,‏ لكنها تتحرك في مكان غير العراق أغلب القصص تدور في مدريد‏,‏ وهناك نماذج كتبها آخرون في بلدان عربية أو أوروبية أو أمريكية‏,‏ لم نكتب نصا ليس له علاقة بالعراق‏.‏إضافة إلي ذلك لايزال الخط الكلاسيكي ممتدا في روايات فاضل العزاوي وجنان جاسم جلاوي وعلي بدر‏,‏ هذه الأسماء مستمرة في كتابة روايات تدور أحداثها في العراق‏,‏ لكن المنفي منحهم حرية تناول ما يجري هناك‏.‏ولدينا نماذج تناولت الوضع في المنفي من خلال حكايات عراقية‏,‏ ويمثل هذا الاتجاه نجم والي‏,‏ ومحسن الرملي‏,‏ وبتول الخضيري‏,‏ بعض الروايات تدور في مناخ عراقي‏,‏ والأخري خارجه‏,‏ لكنه لا تغفل انعكاسات ما يدور في العراق‏.‏


‏*‏ وأين موقع محمد خضير من هذه التقسيمات؟

- خضير حافظ خط جيل الستينيات الكلاسيكي‏,‏ ففي بصرياشا يتناول تاريخ البصرة قديما وحديثا‏,‏ من خلال تقنية التشظي‏,‏ أي أن الرواية ليس لها موضوع مركزي‏,‏ ولم يحدث الاختلاف لديه إلا عبر روايته الأخيرة دفاتر كانون‏,‏ فقد كتبها أثناء أيام الحصار‏,‏ قبل الحرب الأخيرة‏,‏ ويتناول فيها ضمن متخيل ذهني ما يحدث في العراق من خلال لوحة جرنيكا لبيكاسو‏,‏ وفي هذه الرواية لم يخرج خضير عن الإطار الكلاسيكي لأدب الداخل‏,‏ كان الخروج فقط في استلهام لوحة بيكاسو عن الحرب الأهلية الأسبانية‏,‏ يبقي أن خضير علامة من علامات القصة في العالم العربي‏,‏ وليس العراق فقط‏.‏


‏*‏ ما المعايير التي حكمت اختياراتك لأنطولوجيا الشعر العراقي المترجم إلي الأسبانية والكاتلانية التي قمت بإعدادها ؟

اخترت نصوصا لثلاثين شاعرا عراقيا‏,‏ وكان يحكم اختياري لهم العثور علي قصائد لها نفس محلي وتتحدث عن تفاصيل عراقية‏,‏ حتي لا تكون نمطا شعريا مشابها لأي شعر في أسبانيا‏,‏ وهذه الانطولوجيا الشعرية هي الأولي في اللغة الأسبانية‏,‏ وحاولت بها تمثيل الأصوات الشعرية منذ الستينيات حتي أواخر الثمانينات‏,‏ لتبيان التطور والفرق بين جيل وآخر‏,‏ وقد راعيت التنوع العرقي بقدر كبير‏.‏


‏*‏ وهل تلقي مثل هذه الترجمات رواجا شعبيا بعيدا عن مراكز الدراسات والمعاهد البحثية؟

- أغلب الترجمات العربية تصدر في طبعات محدودة‏,‏ باستثناء الأسماء المعروفة مثل نجيب محفوظ أو أمين معلوف‏,‏ فأعمالهما تطبع في كبريات دور النشر‏,‏ ولهما قراؤهما‏,‏ يبقي أن هناك ترجمات حتي وإن صدرت في دور نشر معروفة فإن جمهورها محدود‏,‏ وينحصر في دارسي اللغة العربية‏,‏ ومحبي الآداب المشرقية عموما‏,‏ لكن الأدب العربي لا يزال متوقفا عند عتبة دور النشر الأسبانية ولا يلقي الرواج المطلوب‏.‏


‏*‏ وأين المراكز الثقافية العربية في هذا الإطار؟

- دورها ضعيف في مجمله‏,‏ بسبب تبعية هذه المراكز للحكومات العربية‏,‏ ما يجعل منها مراكز غير مستقلة‏,‏ وبالتالي تصبح نشاطاتها تابعة لسياسة الحكومات‏,‏ حتي لو أقدمت هذه المراكز علي نشاطات معينة‏,‏ فهي تدخل ضمن دائرة الحلقة الأكاديمية للجامعات الأسبانية وحركة الاستعراب‏,‏ أي لا جمهور لها من خارج هاتين الحلقتين‏,‏ وهذه الآفة موجودة في كل المراكز العربية‏,‏ حتي ما يقع ضمن المركز المصري العريق‏,‏ ففي الفترة الأخيرة أغلقت مكتبته وتقلصت أنشطته‏,‏ فعلي مدي سنتين لم يقدم نشاطا ثقافيا حقيقيا‏.‏المشكلة أن أغلب الأشخاص الذين يديرون هذه الأماكن يؤسسون لأدوارهم الشخصية أكثر من الاهتمام بدور ثقافي يخص بلدانهم أو ثقافتهم العربية‏.‏


*‏ ألم تؤثر أعمال العنف في مدريد وفرنسا علي أوضاع العرب في أسبانيا؟

منذ وجود المسلمين هناك حتي اندلاع حروب أسبانيا مع الريف المغربي‏,‏ تشكلت رؤية فانتازية سلبية للشخصية العربية‏,‏ كانت الصورة النمطية للعربي أنه القبيح‏,‏ الدموي‏,‏ غير الوفي‏,‏ ومع تطور الحياة والمعرفة المباشرة بالبلدان العربية‏,‏ تغيرت الصورة بشكل جزئي وبعد تفجيرات مدريد أصبح الوضع أسوا‏,‏ وينظر إلي العرب نظرة ريبة وشك وتساؤل‏,‏ رغم أن الشعب الأسباني ليس عنصريا‏,‏ لكن الاتجاهات اليمينية استغلت هذه الأوضاع لترويج الكثير من الصور النمطية واستعادتها حول العربي المسلم‏.‏


‏*‏ ما الذي يجعل من رواية دون كيخوته لثربانتس الأكثر مقروئية في العالم بعد الكتاب المقدس؟

- ثربانتس صنع في دون كيخوته ما يسمي بالرواية المعاصرة‏,‏ لأنه كتب روايته في فترة كانت تكتب فيها روايات تقليدية مثل الروايات الرعوية والتاريخية وروايات الفروسية‏,‏ وهو في دون كيخوته خلق رواية واقعية‏,‏ دخل في صلب المجتمع الأسباني بجميع شرائحه‏,‏ إضافة إلي أنها رواية دينامكية متعددة الشخصيات والأمكنة‏,‏ مليئة بالمتعة الحكائية‏,‏ وتكاد تتبني كل الأنماط القصصية آنذاك بمزيج قل نظيره في زمنه وإلي الآن‏.‏


‏*‏ هل كان متعصبا ضد العرب كما يتضح من روايته‏.‏


- دون كيخوته رواية تكشف خلفية المجتمع الأسباني في ذلك الوقت‏,‏ بمعني أن ثربانتس كان ممثلا حقيقيا لصوت الشعب‏,‏ لذلك حاول في روايته تصوير المجتمع وأبنيته الداخلية‏,‏ ومنها ما كان متداولا عن العدو المسلم المتربص بأسبانيا‏,‏ لكن من يقرأ الرواية كاملة سيجد أكثر من نمط لمعالجة الشخصية العربية‏,‏ فهناك النمط التقليدي لأدب تلك الفترة من سب وتحقير شخصية المسلم والعربي‏,‏ وهذا في رأيي لم يكن إيمانا من ثربانتس بذلك‏,‏ بل إنه كان خاضعا لمحاكم التفتيش آنذاك‏,‏ ولتجربته الشخصية حين وقع أسيرا في أيدي قراصنة من الجزائر‏.‏وفي مواضع أخري يطري ثربانتس إطراء كبيرا علي العرب‏,‏ الشئ بسيط وهو أنه لم يكن ليستطيع متابعة التفاصيل والأحداث والوقائع التي تعرض لها بطله دون كيخوته إلا بفضل الشخصية الخيالية التي ابتكرها كمؤلف حقيقي للرواية‏,‏ وهو ما يصفه بالعالم الفاضل العربي سيدي حامد‏,‏ لذا فإن الرواية متعددة القراءات‏,‏ وبها أكثر من نموذج ورأي حول العربي المسلم‏.


‏‏*‏ تري أن أعمال باولو كويلهو مونتاج ذكي للحكاية مع معالجة هابطة علي أي أساس بنيت رأيك هذا؟

- كويلهو يستغل حكايات موجودة ويطورها بحشو حكائي‏,‏ قد يقضي علي الحكاية الأصلية نفسها‏,‏ يضاف إلي ذلك أنه ليس لديه خيال واسع‏,‏ بديل أنه لم يبتكر حكاية خاصة به‏,‏ بل يبني علي أنقاض نصوص عالمية معروفة‏,‏ ثم إنه ينجح بذكاء في صبغ حكاياته بصبغة فلسفية أو تأملية أو تصوفية‏,‏ حسب نمط الرواية التي يكتبها‏,‏ و هو ما يجعلها من روايات الرواج‏,‏ بدلا من البحث عن جماليات أدبية حقيقية‏,‏ لذا فإن نصوصه تباع بالملايين‏,‏ لكنها لا ترقي إلي مستوي روائع الأدب العالمي المعروفة والتي لا تبيع إلا آلاف النسخ بالكاد.

(نشرت في الأهرام العربي، القاهرة، 14/1/2006)
http://arabi.ahram.org.eg/arabi/Ahram/2006/1/14/CULT1.HTM

Poemas



Abdul Hadi Sadoun






POEMAS



Del poemario (Siempre Todavía)/ Premio Antonio machado de creación literaria, . Ed. Olifante (Estará en librerías en Mayo 2010.




Las nubes

Corzos disolutos
barbas canosas a tiempo
lechoso matorral sin guardián
besos de primer encuentro
del primer amor o del primer lamento

Son las nubes
que contemplo desde mi silla
invadiendo las ventanas de mis ojos
una y otra vez
como lluvia insalvable

Barbas
corzos
matorrales
y yo
contemplándolos
desde mi silla de confesión.




Te digo

Te digo
que los caminos no son mi profesión
ya que soy por excelencia
un hombre de casa
no me gusta plagiarme
mis pies no aguantan el viaje
se tropiezan desde la eternidad
pero cada vez
me marcho más lejos
no me seduce el deseo de desaparecer
tampoco el gusto de vigilar los paisajes que pasan
gasto mi tiempo como un viajero en su habitación
contemplando la guía turística
y sonriendo sin apenas despeinarme

Te digo
que no soy Virgilio
no soy el dueño del ligero equipaje
soy una vista cansada
y la sonrisa ligera
de una imagen en color sepia.


Pino

Torcido
este pino
como el destino
de mis pasos en la tierra
aguantando largos caminos
y peores aires

Pero aquí estamos
simplemente para acariciarnos la sombra

Torcido pero en pie
a pesar de lo que nos esconde
el único bosque pausado

Torcida mi costilla
igual que tu postura



Torcidos sin espacio
Torcidos sin quimera.

قصائد


قصائد *

شعر : عبدالهادي سعدون *

في القطار
(إلى ماتشادو)

في قطار الضواحي
أو في الدرجة الثالثة
نفس القطار الذي نقلك قبل قرن تقريباً
أمضي أنا
ولكن بمتاع مكتظ بالذكريات
تاركاً مدريد خلفي
وبغداد أبعد مما تتصور.

أنا لا اتأمل شيئاً
ولكنك تعرف أن الكراسي
تختارك بالصدفة.

بجواري ثلاث صبايا، يخبرنني أنهن من الخضرا
قرية ضائعة
و يتصفحن باهتمام كبير
مجلات تافهة،
هناك ايضاً امرأة كبيرة وابنها
مازالت تحتفظ للآن ببريق شباب
و طراوة شاردة من تلك التي سنفقدها كلنا
ذات يوم.

أطلال بيوت، أرى من نافذتي
و حقول زيتون
يافطات و إشارات
ألوان كالأخضر، الأصفر والأحمر
وأخرى بلا تمييز
علامة الهذر المتطاول
بلا توقف.

أحاول أن أغلق أذني
أحاول أن انسى، بلا نجاح،
الأصابع التي تذكرني
أن لا أنسى.

الشمس هي نفسها
على الرغم من أن الشاعر العراقي ذاك
يصر على أنها الأجمل،
هناك
حيث تركت.

مكتفياً
أن لا أفتح
مصاريع الروح.

القطار يسير كعادته
بينما ما أزال ملتصقاً بحرارة النافذة
أو حرارة القصائد الحميمة.

كل شيء يحتاج لبداية
إلا نحن،
فالحياة تكرمنا أن نستمر
ولا تقرضنا
غير هذا السيرك.

أنت تعلم، دون أنطونيو
بأنه ليس هذا الذي نتأمل
كلانا يدرك ذلك
ما أفكر به في رحلتي
كما فكرت به في رحلتك
ما يشغلنا
هو أن نرى الحياة تمر
ـ بسرعة خارقة ـ
أمام أعيننا
مثل هذه الأشجار
التي نراها تتقافز عبر النوافذ
ولا حيلة لنا باللحاق بها.


أسفل شجر الكستناء

مثل بنلوب
أمضي المساءات
أخيط ثوب خيباتي
كي لا أهلك في الفراغ؛
أو مثل شهرزاد
أخيط كل ليلة على منوالي
حكاية لا تخلص
كي لا أموت بالرغبة.

ها أنا هنا
أسفل شجرة كستناء
في حديقة لا دهيسا،
أراجع أيامي الخاوية
مجذراً مغامراتي في المدينة
على الرغم مما يهرب من أيامي.

بلا ألم ولا مجد
متشبثاً بحظوظ متذبذبة
رغم أن كل شيء قد قيل سابقاً
قرون قبل ذلك
أجدادي قد كشفوا عنه
بأن النار
ـ كل النار ـ
لن تخلف بعدها
غيرهذا الرماد.


لا يمس

وجهنا لا يمسْ
بينما مثقوبون تماماً في الصدر،
كحمامة غرنيكا المستوحدة
ـ وسموها بالسذاجة ـ
ذلك أن المطر يتقاطع معنا
مرات عديدة
ولا يرمينا
سوى بالفضيلة.



إعتياد الموت

تنحاز للميتافيزيقيا
على هذا التعود غير المجدي للموت.

هكذا ولا شيء أكثر
شيء ما يجعلك تراقب
خفة الأشياء
وهروبها الطبيعي.

السكون الخافت
للكائن المرتحل
بينما نصر على نسيان
هدير السوط المتنامي.

حصار رومانسي
حراكنا الثابت الوحيد.

في مكان ما
و تشعر بنبض
الزمن المهلك.

نعتذر بالطبع
حتى لا نكرر اللغو.

كل يوم
أعتاد أكثر على الموت
هذا الجوال الأعرج، السليم
الذي يروض أقدامه
بهدوء
في ساحة قريبة
و لا يمنحك الوقت
لتأمل المشهد
ولا هدنة
لرهبة مرتقبة.


http://alketaba.com/index.php?option=com_content&view=article&id=892:2010-03-05-09-07-38&catid=1:vedio&Itemid=107
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قصائد من الديوان الفائز بجائزة أنطونيو ماتشادو العالمية لعام 2009
* شاعر عراقي يقيم في إسبانيا

27 يناير, 2010

قصة قصيرة: كيس سكر فان كوخ



عبدالهادي سعدون


كيس سكر فان كوخ



( قصة أيروتيكية من كتاب سكر الباه غير المنشور)

نشرت في العدد الخامس/ من مجلة "جسد www.jasadmag.com/ بيروت/ 2010



هذا الكيس ليس له علاقة بمدينة وإنما بفندق، والفندق يسمى فان كوخ. ولكن لم لا، له علاقة ايضاً بمدينة ساحلية لا أجرؤ على ذكر إسمها هنا، لأسباب خارجة عن إرادتي. كنت قد أمضيت صيفاً بطوله عند ساحل تلك المدينة الإسبانية، ليس كسائح مثلما يمكن تصور الأمر، بل بسبب من بحثي عن عمل فيها. كنت قد طردت من عملي السابق في محل لبيع الملابس النسائية، والسبب لم يكن لتحرشي بإمرأة، بل لنقص في خيال صاحب المحل الذي ظن بأنني كنت أعاكس كل نساء المحل وأجرهن لفراشي، لمجرد أن يراني أمزح معهن. لكن هذا الأمر كان لا يعنيه بالضرورة ـ وإن كان يزعجه ـ لطالما أن المهم بالنسبة له هو دخل كل يوم. ولكن الحدث الأكبر هو عندما دخل يوماً من الأيام ووجدني أمزح مع زبونة دخلت تشتري، وقد احتفيت بها أكثر من أية امرأة أخرى، فقد كانت جميلة وخفيفة الظل، إضافة إلى أنها حدثتني عن سفراتها للبدان العربية وعشاقها العرب وهو ما جرنا لحوار طويل ومزاح أطول. الحقيقة أنني لم أتبين وجه صاحب المحل الغاضب وهو يدخل من بوابة المحل إلا في تلك اللحظة التي شرحت فيه للفتاة ما لدينا من حمالات صدر جديدة، فلم يتركني أكمل جملتي حتى أنقض علي وهو يسبني ويكيل لي كل التهم مما لم أسمعه بحياتي كلها. طردني من المحل وأراد الإتصال بالشرطة إلى أن رأيت الفتاة تمنعه من فعله. فهمت قبل أن اختفي دون أن أقبض أجري بالطبع، هو أن الفتاة هي شقيقته الصغرى التي لم أتعرف بها سابقاً ولم أرها تدخل لمرة إلى المحل. وقد تحقق بخياله المنطلق من أنني كنت أغازلها، وربما فكر أنني سأجرها هي الأخرى لفراشي.
في تلك المدينة كنت قد تعرفت على صاحب فندق ـ الأصح هو نزل، لطالما غرفه لا تتجاوز العشر ـ أمضيت فترات مطولة نزيلاً عنده في مواسم قطف الفراولة، والمواسم الأخرى التي لا أجد فيها غرفة في شقة مشتركة، فكان لزاماً علي تمضية الإقامة في النزل، والذي كان الأرخص في المدينة كلها. لذا لجأت له كي أسأله عملاً لطالما أخبرني بحاجة لي لأكثر من مرة، ولكنني لم أوافق لأنه لم يكن يدفع مرتباً مناسباً. عدت له هذه المرة على أمل أن يأويني لفترة في نزله، إذا كان غير قادر على تشغيلي معه. وجدته منشرحاً ووافق أن اعمل معه، ولكن في الفترة الليلية. وافقت فوراً، وهكذا كنت أشتغل ليلاً وأمضي أغلب فترات الصباح بالنوم حتى المساء، لأغتسل وآكل وأصعد للعمل في النزل نفسه الذي أنام في إحدى غرفه الجانبية المخصصة للعمال، والتي هي في الحقيقة حمام و مبولة عامة حولهما صاحب النزل لغرفة باضافة سرير فردي في الوسط.
في إحدى ليالي عملي في النزل حدثت معي هذه الحكاية التي لها علاقة بهذا الكيس.
لم أنم صباح اليوم بشكل كافي لذا كنت مشوشاً طوال عملي الليلي، ولكنني كنت منشرحاً قليلاً فالنزل كان مشغولاً بنسبة قليلة، مما يعني إزعاجاً أقل، وها قد مرت الساعة الثانية عشرة ولم يطرق باب النزل زبون جديد، مما يعني أنني ساغفو في الكرسي دون أي إزعاج. ولكن ما أن مرت ساعة حتى سمعت من يستعلم إن كان هناك غرفة شاغرة. كانت واحدة من تلك السيدات اللواتي لا يمكن تقدير عمرهن، ولكنها ما تزال تحتفظ ببريق شباب، لا أعرف إن كان طبيعياً أم مفبركاً في صالة عمليات. طلبت البقاء لليلة واحدة ودفعت الحساب مقدماً، وقبل أن تصعد إلى غرفتها، طلبت مني " أن كان ممكناً قنينة ماء" فأخبرتها أنها في المخزن ولا نخدم في ساعات الليل، فكان ردها التالي: " أتمنى لو تتعب نفسك من أجلي وتجلب لي قنينة المياه من المخزن، وأنا أنتظرك في الغرفة لأكافئك على صنيعك".
في الحقيقة فكرت في كل الحلول الممكنة إلا أن تلميح السيدة كان يعني مكافأتي مشاركتها الفراش، لسبب بسيط هو أنني لم أتمعن فيها بشكل كافي، وكنت قد فكرت انها ليست من النساء اللاتي يمكنهن شفائي في الفراش، ثم أن وصولها المفاجئ ليللاً واختيارها نزلنا الرخيص، يعني مما يعنيه أنها لم تكن واحدة من تلك الشهيرات اللاتي يبحثن عن رفيق ليلة واحدة. ولكن حدسي أخطأ هذه المرة. ما أن صعدت لها بقنينة الماء، حتى وجدتها قد خلعت ملابسها وأرتدت روب من الموسلين أسود اللون أظهرها كأمرأة جديرة بالحب المتفاني. طلبت مني أن أجلس وأشاركها الغرفة. قبل أن أفكر بماذا أجيبها، أمرتني قائلة: " أنزل واغلق البوابة الرئيسية وأصعد عندي، على أية حال لن يأتي نزيل آخر في هذه الساعة من الليل".
كانت على حق، إضافة إلى انه يمكنني سماع الجرس أو الطرق على البوابة الرئيسية من غرفتها في حال أي طارئ معين.
عندما أصبحت في غرفتها أمهلتني لحظات وكانت أن دخلت الحمام وخرجت علي بحلة ما رأيت مثلها سوى في صور كابريهات فرنسا إثناء الحرب العالمية الثانية. لم ترتد سوى لباس شفاف طرحت فوقه شالاً من القماش الوردي والأزرق بهيئة ورود كبيرة غير متناسقة، كان يغطي جزءاً بسيطاً من لحمها المكشوف تماماً.
قالت لي أن أجلس على الفراش، بعد أن أصرت على أن تخلع عني كل ملابسي بنفسها. ثم تحدثت وكأنها زوجة تقدم جرد يومها المعتاد: " لا تظن بي الظنون، فأنا فنانة معروفة، كنت نجمة تعري معروفة في أفلام الثمانينات، في تلك الموجة من السينما المسماة (ديستابي) التي إجتاحت إسبانيا بعد رحيل فرانكو، وكان لي شعبية كبيرة، وقد شاركت في أكثر من ثلاثين فيلماً، يمكنك التأكد من ذلك بنفسك، ولكني بالطبع كنت أشارك بإسمي الفني (لولا غراندي) وليس هو نفسه المدون في بطاقة هويتي.. إبحث وستجدني في أكثر من دور.. اليوم خدعني خطيبي، وتركني وحيدة وسط المدينة ولم يرغب برؤيتي، لذا قررت المبيت في النزل، وغداً أرجع إلى برشلونة مدينة إقامتي.. إذن يمكنك القول بأنك محظوظ، فكل ما هيأته لخطيبي المأفون، أصبح من نصيبك أنت وحدك.. هل أنت سعيد؟".
كانت من تلك السيدات اللاتي يعرفن قيمة الجسد، ولم تكن تضيع فرصة لحوار تافه. ولأنني كنت قد صعدت لغرض مطارحتها الفراش ليس إلا، فقد تركت لها حرية التصرف بما تشاء. قالت لي ما أن صعدت فوقي:" دعني أشاهدهما؟".
استغرابي لم يكن له محل في خيالها ما أن أمسكت قضيبي بيدها، فصرخت بتهذيب شديد :" ليس لديك سوى واحد، كيف ذلك؟ لقد نمت مع مغربي مثلك، وكان له قضيبان.. إذن أنت من أصحاب الواحد فقط؟". الحقيقة أنني لم أجبها بشيء، فأن تصفني بالمغربي، فهذا ليس جديداً، لطالما أن كلنا مغاربة بنظر الإسبان، والثاني أن أغلب الإسبان رجالاً ونساءً يعتقدون بأن العرب لدينا قضيبان وليس واحداً مثلك خلق الله، فهذا خيطه طويل، ليس له علاقة سوى بالخيال بالطبع. ولكنني لست هنا بمؤرخ كي أشرخ التاريخ الطويل من النعوت والصفات التي أطلقت علينا، ولست بجارح لشعور أية امرأة تصر على أنها نامت مع عربي له قضيبان، لربما كان حلماً أو حقيقة لم أطلع عليها بنفسي، وهذا ليس بمهم في حالتي الآن.
المهم أنها كانت أمرأة وفية لجسدها، وكريمة لأبعد حد مع رفيق فراشها. وإضافة لذلك، كانت هي نفسها لولا غراندي، تذيقني كل فنون أدوارها السينمائية التي مثلت. تمددني وتصعد فوقي، ثم تستكشفني شبراً شبراً، وهي تمثل شخصيتها كاملة، تقول لي:" والآن أنت الممثل الفلاني في فيلم صعود بلا نزول 1980... الآن أمثل دور راهبة وأنت لص دخل إلى غرفتي في فيلم مضجع الراهبات 1982... والآن أفضل دور كدت أحصل بفضله على جائزة غويا لأفضل ممثلة ثانوية مصاصة الدماء العارية 1983.. مثلت الدور كله دون أية قطعة من الملابس، وكل المشاهد كانت طبيعية بما فيها الإغتصاب والدماء..". لم أفهم عليها إلا بعد أن شعرت بأسنانها تنغرز في خلفيتي، وظهري ويداي، وعندما اقتربت منه وأرادت قضمه صرخت وطفرت من الفراش، قائلاً: إلا هذا، فما تزال أمامي وامامه أدواراً نؤديها.
ضحكت وهدأتني ثم انطرحت على الفراش فاتحة فخذيها ونادتني أن أؤدي دوراً أشتهيه معها. مثلت معها دوري الحقيقي والذي لم أتوقف فيه لمراجعة أية لقطة حتى أنطرحنا متعرقين منهكين لأكثر من ثلاث ساعات في شد و توتر و صراخ لا أول ولا آخر له.
ساعة واحدة قبل أن أهبط حتى إستعلامات الفندق، لأن الصبح قد قدم، ولأنني لم أرد أن يفاجأني صاحب النزل وأنا في غرفة زبونة، طلبت مني لولا غراندي أن أسمح لها بتصويري. وافقت على شرط أن لا تظهر وجهي كاملاً. ضحكت واخبرتني أنها في الحقيقة تريد تصوير قضيبي فقط لتحتفظ به كذكرى مثلما تفعل مع كل عشاقها. وكان أن بدأت تقود خطواتي وكيفية الجلوس والنوم، وهي منشغلة بتصويري عصاي التي انتصبت من جديد، وهو ما ذكرني بفيلم كنت قد شاهدته منذ فترة طويلة لمخرج أسباني أحبه جداً هو برلانغا، إذ يظهر في فيلمه (البندقية الوطنية) شخصية ماركيز مولع بقص شعر عانات السيدات اللاتي نمن معه، ويحتفظ بها في أنابيب زجاجية ويعرضها في صالة قصره، ملصقاً ورقة على كل أنبوبة تشير إلى إسم السيدة وتاريخ المناسبة.
لكن سيدة نزل فان كوخ ما أن انتهت من تصوير قضيبي، حتى تركت الكاميرا جانباً و أقعت على الأرض أمامي وأمسكته بكلتا يديها وبدأت تمرغ وجهها به، ومن ثم تقربه من شفتيها، تريق عليه اللعاب وتمسده بلوعة وهي تناديه بكل الأسماء التي سمعت ولم أسمع:
ـ آه يا قاتلي، يا حبي، يا عيني، يا مقطعي، يا سيف، يا خنجر، يا بتار، يا شقاق، يا بلاق، يا ممزق، يا دموي، يا رقيق، يا صلب، يا جلمود... يا ... يا.. وانهت توصيفاته بـ: يا الذي تخرجني الليالي بلا رشد.
وهي تعدد دون أن تتركه بين لطع ومص و تقبيل، تدخله كله في فمها وتخرجه بمطقة وآهة لم أسمع لها من قبل. وعندما أردت أن أخلصه من يديها كي أطرحها على الفراش وأعلوها.. أمرتني بيدها أن لا، واستمرت في المص إلى ما لا نهاية، وهي تصرخ " الآن في فمي.. أريده كله في فمي.. أريد أن أرتوي من ماءك". فما كان مني وأنا الذي كنت في رمقي الأخير، إلا أن أنهض وأدسه بتهيج وسرعة بالغة من دخول وخروج، حتى صببته كله في فمها، ولم أسمعها سوى وهي تتهدج وتنتحب وتولول ولا تتركه يخرج حتى بقي بحجم النواة. وكنت قد أصبحت بلا حيل ولا قوة منطرحاً على الفراش، ألمحها بطرف عيني منتشية ومنطرحة على أرضية الغرفة بفم مفتوح على آخره ووجه مشرق لا مثيل له مع خيط نحيف يمتد من حافة شفتها التحتية حتى حلمة ثديها الأيسر.

قبل دقائق من وصول صاحب النزل، كنت في الإستعلامات، مشوش الفكر بلا اغتسال. مخدراً، ناعساً وبوجه ذابل. وصل صاحب النزل حاملاً معه قدحي بلاستيك من القهوة الساخنة وجلس خلف المنضدة يجرد دخل النزل. بعد نصف ساعة نزلت لولا غراندي بكامل أناقتها، تحمل حقيبتها الصغيرة، وهي تتوجه حتى باب النزل للمغادرة. شكرت لي حسن الضيافة ـ كلمتني بالمفرد ـ وكأنها لم تر صاحب النزل معي، ثم تركت لي كيساً كهدية وغادرتنا بعد أن ارتدت نظاراتها الشمسية دون أن تلتفت أو تنتظر أية كلمة مني.
فتحت الكيس ووجدت في داخله، كاسيت فيديو وعنوانه (مصاصة الدماء العارية) وفيها تظهر لولا عارية تماماً وإشارة لإسمها باللون الأحمر.

03 يناير, 2010

El poeta iraquí Sadoun Concluye la II Beca internacional Antonio Machado


El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun
concluye la II Beca Internacional Antonio Machado


S.A
3/1/2010
Han sido cinco meses intensos que le han hecho desprenderse de 15 años de "nostalgias", un 'exilio' poético en el que, entre siestas en el Duero y paseos por las calles de la ciudad, ha empezado a escribir sobre el amor y "paisajes coloridos", temas que creía perdidos. El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun puso fin en diciembre a su estancia en la capital soriana dentro de la II edición de la Beca Internacional Antonio Machado de Poesía, tiempo en el que ha estado componiendo una serie de diarios o cuadernos de viaje y el poemario 'Asirio en Soria'. A la ciudad en la que llegó en agosto del año pasado ha logrado, asegura el autor, recuperar "el presente", desprendiéndose de "las pesadas noches que dejé atrás".La obra es una reflexión sobre su condición de exiliado (llegó a España durante la primera Guerra del Golfo) y sus vivencias en la ciudad en la que, por espacio de cinco años, vivió su admirado Antonio Machado. Conocía la ciudad desde hacía algunos años, incluso había participado como ponente en la primera edición de la Feria del Libro Expoesía que organiza la Concejalía de Cultura del Ayuntamiento de Soria, pero su beca en la ciudad le ha servido para comprender mejor a sus gentes y sentirse, desde el primer momento, como un soriano más. "Este iraquí de nacimiento siente de ahora en adelante que Soria y sus tierras sellarán una gran huella igual en su obra literaria como en su persona", declara el escritor y traductor. Cinco meses viviendo en la capital han servido para 'abonar' los lazos que ya le unían a antiguos amigos sorianos y también para hacer nuevas amistades. A todos ellos y "también a los que me ayudaron durante mi estancia y me facilitaron el trabajo de conocer la ciudad y sus historia antigua" Hadi Sadoun agradece el apoyo recibido y "la magnífica acogida" obtenida. No en vano, ya durante su estancia en la ciudad, el poeta iraquí se definía sin reparos como un soriano más, tal había sido el grado de afinidad con el paisaje y el paisanaje de la ciudad. "Siento que ya es una parte de mi vida. Me ha dado mucho: tranquilidad, descanso y conocer gente y sitios maravillosos. Ha sido un descubrimiento muy agradable. Agradezco al propio Antonio Machado y al premio esta oportunidad", explicaba a HERALDO DE SORIA en una entrevista el pasado mes de noviembre. En 'Asirio en Soria', el poemario que ha compuesto durante sus cinco meses de residencia en la capital ha querido realizar un homenaje a la jarcha, un género lírico que surgió en la España medieval musulmana. "Es una manera de reivindicar este género poético muy interesante, corto como el haiku, que merece la pena recuperar", comentaba en aquella entrevista. Aunque la beca ha llegado a su fin, Abdul Hadi Sadoun promete volver a Soria. "Aquí mi sombra se merma/ sombra de tentativas crudas./ Nos une el miedo, no el amor, querida/ por eso nos abrazamos", reza uno de sus poemas que compondrán su libro
'Asirio en Soria'.

19 ديسمبر, 2009

رواية (أجساد طرية) الجزء الأول

عبدالهادي سعدون
رواية (أجساد طرية)
الجزء الأول
"إلى أجسادهم الطرية...عجمي في متون الجبال و شاهين خلف أرنبه المبقع،لأن الأول لم أعرفه ولأن الثاني أجهله تماماً ... "

عليك أن تسمعها بهذه الصورة، فأنا لا أعرف عنها شيئاً لأنها وصلتني هكذا.يسمونها الجملة الأولى، لذلك حذروني من تبديلها. يحكون إن منها يبتدئ الكلام، يبتدئ التاريخ، تاريخ العائلة، هناك عند لوح نهاية العالم، وكأنها أول جملة نطقت على الأرض. بيني وبينك ـ يا صاحبي ـ فكرت بجملة أكثر فرحاً كبداية للتاريخ، للحكاية، للقصة، أو لهذه الرواية التي أظن بها رواية، رغم اعتقادي بأن من سيقرأها سيرجمني بألف حجر. بداية مفرحة تفتح لها الطريق، وتتعلق للأبد بأذهان من يعلم بها لاحقاً، رغم ثقتي بأن مصيرها لن يكون أفضل من تلك الأجساد الطرية التي صممت عائلتي الحفاظ عليها وكأن لا شيء غيرها يحفظ إرثنا من الضياع.مع هذا أنا لا أدعي الحزن وإن كنت أتحدث عنهم، هم لا غيرهم، حتى وإن كانت أجسادهم، الطرية، تشير لك وكأنك الوحيد المعني بها.ثم كيف أبتدئ بغير ذلك طالما كانت الجملة الأولى، حتى وأنا أقص عليك كي لا تجزع من بعد المسافة ولا تخشى الحديث بغير الفرح. رأسي لا يميز غيرها حتى وإن جازفت بحديث غير مترابط مثل حديثي الآن، أن أحكي وحسب، ذلك أنني بلا بداية مثل أي كاتب لا تسعفه الملائكة بجملة جاهزة تعينه على بياض الورقة الشاسع، فأتذكر ما قالته أمي نفسها عندما طلبت منها أن تسرني بما سمعت عن أبي والآخرين، بما يساعدني بعد حين أن ابني لي تاريخاً، أي تاريخ عائلتي، لأنني أجهل الأشياء والأماكن منذ فكرت بالهرب، فالهرب لا غير حكايتي التي أمط وأكرر في كل ما سردت سابقاً أو ما أقوله الآن.. تقول أمي: لا شيء آخر أبعد مما تعرف، لأنها تبتدئ من هناك، كأنها الجملة الأولى المنذورة لنا جميعنا، الأولى التي خلقها الرب لنا، لأن لا أصل للحكاية دون هذه الجملة الأولى، لا وجود لها أصلاً، لا وجود لنا.. هيا لا تتباطأ، قلها الآن وابتدئ تاريخك..قرب أذنك و أسمعها كيف ترن.. ها هي تخرج برأسها:فأقولها لك كي ابتدئ تاريخي.
ـ 1 ـ
لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد ، هي التي ستكون جدتي،عندما وجدوا عمها الخصي مدقوقاً من عنقه على الحائط مثل صور الملوك، فأصبح شكهم أنها ستحتفظ بذاكرة نقية، يقيناً مؤكداً.
لعلها كانت كذلك، ذاكرة بلون الحليب لا تفرق بين شجرة وظلها عندما أحضرها أبوها من طرف الحدود الآخر ظهيرة صيف، ملفوفة كالقرنبيط بعباءة سوداء، خيوطها تلصف، و تغطيها كلها سوى من ثقبي عينين. تركها عند عتبة دار الجد، قائلاً لهم: هي كابنتكم، أتركها بعهدتكم.ثم اختفى . ولم تره بعد ذلك.
ـ 2 ـ
لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد، وما كانت تفقه من ثرثراتهم غير نعم مرفقة بهزة رأس.لكن جدي الأول قد قرر بسره أن يزوجها من أبنه البكر، الذي كان قد فهم الفرق بين أن يبول الرجل واقفاً ولا تستطيع المرأة إلا وهي مقرفصة.آنذاك كان جدي الأول مستمراً بمهنة العائلة: تحنيط الجثث.كان ابنه البكر يساعده ليلاً، ويحلم النهار بطوله، حتى بعد أن تزوج وأنجبت له من لا تعرف غير كلمة نعم أحد عشر بطناً، اختفى عشرة منهم وراء نداء كلاب شجيرات الخرنوب .كان ذلك العام الذي تلى فيضان دجلة المائة، منذ طوفان زيو سودرا السومري.لم تكن أجاثا كريستي قد ولدت بعد، لتزور ميزوبوتاميا برفقة زوجها الآثاري بنظارتيه البلاستيكيتين، لتكتب بعد حين روايتها جريمة في قطار الشرق السريع.كانت كلمة سياسة تعني كل شيء إلا السياسة .
ـ3 ـ
لكنها احتفظت بصفاء ذهنها.هي التي علقوا عمها المخصي من ذكره الذي لا يرتعش. ثم دقوه على الحائط كصور الملوك، من عنقه الرقيقة.استطاع أبوها أن يخرج بها، الليلة ذاتها، دون أن يراه الحرس.قال لهم: هي ابنتكم و افعلها معها ما تشاءون.كان الحد الفاصل بين الدارين، خيط لا يُرى يسمونه الحدود، له علامة تميزه من التشينكو المزنجر كتب عليها: نهاية العالم.عندما ماتت بعد أعوام ،وهي ما تزال لا تفقه غير كلمة نعم، لم تستطع أن تحقق حلمها بعبور الخط حتى الجهة الثانية. جهة دار الأب التي لا تبعد كثيراً. ولا بالطبع أسرت به أحداً، ذلك أنها لا تعرف غير هز الرأس بـ نعم، وليس لي علم بذلك لولا أنني أخمنه.دقوا عنق أبيها على الحائط مثل عمها، عند الطرف الآخر، ولم يعلمها أحد.ماتت أمها بعده كمداً وهي تلوك لقمة خبز يابسة، فغصت بها، فبهتت و مالت إلى الأرض.هي التي لم تتورد حلمتاها بعد، تهز رأسها وتقول: نعم. الكلمة الوحيدة التي تعرف. بينما استمر جدي بعمله في تحنيط الأجساد الطرية.كان ما يزال أمامنا أربعة أعوام لتولد أجاثا كريستي.و خمس وخمسون عاماً لتكتب روايتها: جريمة في قطار الشرق السريع.في ذلك العام "... ابتلع الحوت قمرنا العالي".
ـ 4 ـ
ما أن توردت حلمتاها، هي التي جلبها أبوها ظهيرة صيف، حتى أحست بحليب اللوز يطفر منهما بغزارة غريبة، احتاجت معها لقمعين يشدان على نهديها بـتكة مطاطية حتى لا تلجأ لتبديل ثوب بعد آخر. لم تعلم عجوز الدار سبباً له. قالت لهم: عليكم بتزويجها.رغم إن جدي كان يعمل مساعداً لأبيه، في مهنة العائلة الوحيدة:تحنيط الجثث، و يحلم كل نهاره بسر العائلة المتوارث، إلا إنهما وجدا خلوة لتعارك الساقين و التفاف الساعد بالساعد، واندلاق بطن على الأخرى، وطقطقة الظهر بقوة النخير واتساع الأنف للشخير. فأنجبا عاماً وراء آخر، أحد عشر إبناً، عشرة أولاد مفلطحي الرؤوس بغزارة في شعر الوجه، و صبية عملاقة لم تكن بحاجة لسلم كي تقطف ثمر التوت أو تثقب أوكار الزنابير بعصاها المدببة،العصا نفسها التي تسوق بها أشقائها من طرف إلى آخر قبل أن تفترسهم كلاب شجيرات الخرنوب.كل حبوب الخروع الشائكة التي يستخدمونها بتحنيط الجثث، كانت تجمعها البنت العملاقة بخضة جذع واحدة، لتدق وتنشر و تخلص من قشها وحشراتها، ثم تطحن و تخبأ في أواني تنكية يحتفظون بها في سرداب الجثث الطرية مع أعشاب و حقق دهون و خلطات عطور ونثار عظام حيوانات مفترسة، حملها لهم تجار طريق الحرير، عندما اختفى أسمه ولم تبق سوى بضائعه، التي تصلهم بطرق سرية لا يعلم بها أحد.
- 5 -
الآخرون الذين يلجئون لهم من جهات بعيدة ـ بعضها لم تكن لها أسماء تعرف بها ـ لم يكشفوا عن طرقهم السرية في الوصول.أشخاص يحملون جثث آبائهم أو أبنائهم ـ إن كانوا سيئوا الحظ ـ على مطايا وبغال أكلها الهزال، يخبرونهم أنهم أتوا من بلاد أشجارها ملتفة لا تمكنهم من رؤية شمس أو التمتع بحرق أشعتها، ويتلفظون بأسمائها وكأنهم على وشك العطاس. كلما اشتدت الحراسة عند لوح نهاية العالم، كانت البغال تزداد بحملها لجثث من بلدان بعيدة، يضعونها عند مدخل بيت الجد وهم يتأملون أن يجدوا قريباً قبراً لائقاً للجسد الذابل. لأنهم يرتضون بكل شيء سوى أن يدفنوا بعيداً عن هذه الأرض. " نبتعد ونتشرد ولكن لنحصل على كرامة الرقاد في أرض مباركة "؛ يقولون. يسمونها هكذا، بينما يهزون رؤوسهم وهم يؤكدون: هذه أمنية المرحوم و أمنيتنا أيضاً. ثم يناولونهم كيساً تخشخش بجوفه دنانير فضية، ويرجونهم أن يحفظوا الجثة طرية في سرداب البيت حتى العام القادم.العام القادم قد يطول إلى أعوام .أحدهم عاد ليطالب بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً.
ـ 6 ـ
الذي عاد مطالباً بجثة أبيه، سيكون جدي هو الآخر. لأنه سيتزوج بالعملاقة جدتي، بعد أن قطعوا لها كعبي قدميها الاثنتين، إذ تورمتا وهي تلبس حذاءين من طين مفخور.لقد خشيت أن تكبر قدماها وهي نائمة، فصنعت من طين الأرض حذاءين ولبستهما. جلست يوماً بأكمله تجففهما على حرارة الشمس.لم تكن تعرف من الحياة غير مراقبة أخوتها الذين تفترسهم همهمة كلاب الخرنوب واحداً واحداً ما أن تلتفت إلى مكان آخر، أو أن تقيس طول قدميها المخيف.افترست الكلاب حسيس أخوتها، و لم تشعر بقدميها تصغران حتى وهي تلبس حذائي الطين المفخور.كان ذلك قبل أن يقف الهندي ذو العمامة الملونة بأحجارها المزيفة قرب دار الجد مطالباً بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً من حفظها طرية في سرداب البيت.كان جدي قبلها بأيام من فقده آخر أولاده، قد قطع للعملاقة أبنته قدميها الاثنتين بفأس محمي.لأنها نامت والنار تأكل بلحمها، فانتفختا و سال دهن أصفر من مسامات الطين المفخور، له رائحة حيوان في سباته. أنتزع قدميها الفخاريتين بضربة واحدة وسمع لصوتها تهشم إبريق.صنع لها مقعداً خشبياً تتحرك عليه، بعجلات طين مفخور كذلك.
- 7 -
قال الهندي بكلمات مفككة: أبي... جثته... أريد!ضحك جدي للمرة الأولى بعد فقده عشرة صبيان، وانتقلت اهتزازاته إلى أطراف الخط الوهمي للحدود، فتحرك لوح "نهاية العالم" بإيقاعات تشبه الأنين.ولكن الهندي لم يشاركه الضحك، ولم يفهم سبباً له. بل كرر كلماته: ـ الجثة...أبي...أريد. لأنه لم يتعلم غيرها.بحث الاثنان في سجلات الورق المحفوظة في صندوق الجد، واكتشفا إن سرداب جثة أبيه قد انطمر منذ أعوام عشرة وجرفه السيل حتى أطراف الذي ما زال يسمى بعد بالبحر. تناثرت الجثث الطرية وتفسخت في بحر البطيخ الأحمر. تربة بحر من البطيخ الأحمر.لأنهم استغلوا انحسار المياه الأبدي وزرعوا البحر من بدايته حتى دار الجد قرب سراديب الأجساد الطرية ببطيخ حلو. حيث جلس الهندي يتذوقه للمرة الأولى مندهشاً بأذان منتصبة، و نسي نثار أبيه.أقنعه جدي أن يبقى ليساعده في مهنته.بينما أشار الهندي إلى العملاقة بلا قدمين. ولعله ابتسم هو الآخر.
ـ 8 ـ
مهنة عائلتي بتحنيط الأجساد ليس لها تعريف في أي قاموس.يسمونهم الناس (حفظة) دون أية إضافة.الكل يرون بعائلتي أملهم الوحيد، حيث يحتفظون لهم بالجثث طرية حتى يستطيعوا يوماً الانزلاق عبر الحدود والدخول حتى بقعة الدفن.أسم عائلتي لا يسقط عن أي لسان.قرر جدي أخيراً بطبع أعلان يروج لمهنته و تصل شهرتهم حتى أطراف الصين.كان ذلك الإعلان الأول في البلد، عندما دخلت أول مطبعة حديد بحروفها الثقيلة و بصقة حبرها الأسود الذي يترك أثراً لا ينمحي ، جاء في الإعلان بما يلي وسط الصفحة:بسم الله وبه نستعينإعلان عن تحنيط الأجساد الطريةالعبد الفقير إلى ربه يستجير برحمته لخدمة الناس المؤمنين على المعمورة.عميد (الحفظة) وعائلته تستقدمكم لأفضل خدماتها في تحنيط الأجساد. حفظ أمين وخدمة سريعة في أفضل سراديب المنطقة، حتى يأذن الباري بوصولها للتربة الشريفة. فسارعوا دون إبطاء ..والجزاء من الله، إذ لا نرجو حمداً ولا شكورا.وللناس النظر والدراية.ملاحظة باللون الأحمر: الإتفاق على الأسعار بعد أخذ و رد بين الطرفين.العميد و أبنائه مؤرخة بهجرة سيدنا محمد من عام 1317و بسنة سيدنا المسيح، الأولى من القرن العشرين .
البقية في:

27 نوفمبر, 2009

انتحالات عائلة و أسطورة الكائن العراقي المعاصر!




-انتحالات عائلة - لعبدالهادي سعدون واسطورة الكائن العراقي المعاصر !!



(( إنتحالات:عبد الهادي سعدون أو محروق إصبعه .. ! ))وبعض من حيل ووصفات أخرى


جلال نعيم
ـ كاتب عراقي يعيش في الولايات المتحدة ـ





( 1 )


(( ألفنّ لعب .. في أغلبه .. ))غونتر غراس


هي دعوة .. لا خلاص منها ( هل قلتُ فيها ؟ ) ..أن تدخل اللّعبة معناه أن تدخل .. ها .. أو إبقَ بعيداً .. ستكون أسعدَ منّا حالاً .. فقط تذكّر بأنّ ( مَن يخشى الإبحار .. يموت على الشاطيء ) كما قال الصديق إسماعيل خليل مجيد ، بمنفلوطيّة عذبة وراح يردّدها ويكتبها على الدفاتر والموائد ومحطّات الباص و مقاعد السينما ووصفات الأطبّاء ، وعلى حيطان القصر الجمهوري والمقبرة الملكيّة وخدود حبيبته و .. لكن ، ما كان له ولاحتّى نصف حبيبة .. ! أووووه .. إن هو إلا تأثير ( إنتحالات عائلة ) للكاتب العراقي عبد الهادي سعدون التي لا خلاص منها أو فيها .. وما علينا سوى أن ندخُل اللعبة .. (لُعبته هو ..)التي أدعوكم لأن نلعبها معاً ..


( 2 )


.. و لأنّه عبدالهادي سعدون فقد سبقنا لكتابة ( اليوم يرتدي بدلة مُلطّخة بالأحمر ) المجموعة والقصّة التي حملت المجموعة عنواناً لها ، حيث تحضر ( الثورة ) ( المدينة المُتنازَع على أسمائها .. ! ) و ( الخوشيّة أو الفتوّات أو القبضايات أو الزعران ..! ) و ( سوق مريدي) وغيرها .. وحيث يجيء العراق بهيئة رائحة مُدوّخة وإمرأة تشمّ رائحة البخور ممتزجةً برائحة ملابسها الداخليّة المحترقة ، بينما يُحضرون جثّة زوجها ( الخوشي ) ، القاتل والقتيل ، وقد ثقّبتها السكاكين والخناجر ..وفي الوقت الذي إستحوذ فيه العراق ، كبيئة وشخوص وأجواء ، على مجموعته الأولى ( اليوم يرتدي .. ) فإن ( إنتحالات عائلة ) تستوحي تجربة الخروج ألمليوني ، والأدق ّتجربة (درب) هذا الخروج الذي لوّح للبعض ك(خلاص) ولآخرين ك(منفى) و الإثنين معاً بالنسبة للأغلبيّة !!


( 3 )


من الصعب فصل قصص ( إنتحالات عائلة ) فهي مُتراكبة ، متداخلة ، وُيكمل بعضها بعضاً ، ولكنّها رُ غم ذلك تمتلك وحدتها العضويّة الخاصّة ، إستقلالها و تكاملها ، وهي في ذلك تشبه السيناريّو السينمائي ذو التتابعات المتزامنة ، المتوازية وغير المُتقاطعة .. ( هي رواية في قصص .. و قصص في رواية ) كما قال عنها كاتبها ورحمنا من لذّة الإعتراض على ذلك بالقول انّها رواية أكثر منها قصصاً أو قصصاً أكثر منها رواية !! ، وهو في ذلك إنّما يسجّل إنتحاله ( ألمزدوج ) الأوّل : قصص تنتحل شخوص وثيمة رواية .. ورواية تتبرّأ من ثقلها ، فتبدو على هيئة قصص ..!ربّما هي مُراوحة مابين ( الإرتباك ) و ( الإرتكاب ) .. أو لُعبة – غير- مسرحيّة يتبادل فيها الجميع الأقنعة ، يتركنا فيها المُخرج (ا ألكاتب هنا ) وحيدين في دهشة ذهولنا ..


( 4 )


يفتتح " عبدالهادي سعدون " إنتحالاته ب ( حراكة ) ويُعرّفها في متن نصّه كالتالي " كنتُ في قارب وسط البحر ، هكذا من لا شيء – بلا بداية ولا وسط ولا أعرف حتّى اللحظة لها نهاية – وصاحب القارب يُسمّونه ألمُنقذ ، وزبائنه كلّنا يُسموننا حراكه ، أعني تسميتنا نحن الجالسين الآن وسط القارب في حكايتي التي أبتكر .. " ( ص 13 ) .وهو ( يبتكر ) لنفسه حكاية لأنّه كما قال مُفتتحاً القصّة : " لأنني بلا حكاية مُقنعة ، فإنني أبتكر امامكم حكايتي الخاصّة " ( ص13 ) .و ( حراكة ) ، كما هي المجموعة كلّها ، هي لُعبة (إفتراضات) أو ( إنتحالات ) ، يمتزج فيها ألواقع بالإبتكار لأن ألحقيقة غير مُقنعة ، والواقع ( أضرب ) من الخيال : " فأنا لا أعرف مَن انا كما يُردّدون " ( 13 ) إنّهم يفترضونه ، ولذا عليه أن يبتكر حكاية لإنّه ليس " بمُغترب ، و لا هارب ، ولا حادّ الأسنان ، ولا منفعة لمسح الأكتاف ، ولا منفيّ ، فلا أنت أبيض ولا أنت أسود ، فمن تكون بعد أكثر من باب و أكثر من بحر ؟ " ( 13 ) .و هكذا يُصبح مثل قبطان ( مظفّر النوّاب ) يرسمون بحرا من الحبر _ ويا غافل يا أنت لكَ الله .. !! الآ إنّه لا يطلب منهم او يأمرهم بأن يدفعوه ، و إنّما فقط يفوز بقبولهم ، أن يعبر الى ضفّة أخرى لا يعرفها .. ولكنّهم يأخذونه في عرض البحر ، يدورون به لُيعيدونه الى نفس الوجوه نفس الضجيج ونفس المكان .. هو إفتراض آخر إذن ، إفتراض العالم الذي تتغيّر أسماءه دون أن تختلف ملامحه .. وحيث (المُنقذ) يشبه (رئيس الوزراء) .. كلاهما يطرح السؤال نفسه : " ما هو الشيء الذي يحيطنا ولا نحيطه ، مثقوب بلا ثقب ، أسود ولو كان بلا لون ؟ " (ص 16) . وبينما يُسوّد (رئيس الوزراء) أعمدة كلماته المُتقاطعة دون أن ينبس بشفة ، فان (المنقذ) _ الذي يحلّ محلّه _ يُذكّرهم بالمصير / مصيرهم " إنّه البحر يا اذكياء ، وليس لكم غيره ، أنتم حراكه ولا مهنة لكم غيرها ، وانا المُنقذ . مُنقذكم . موعدنا مُنتصف الليلة . "وحالهم في البحر مع (المنقذ) كحال البلاد تحت سلطة (رئيس الوزراء) ، المنشغل بالكلمات المتقاطعة ، وأشباهه حيث ( صوت الماطور يذكّرني ببحر لا أرى من موجه غير الرّعب في وجوه المُتراصّين ببعضهم " (ص18) . و " الكلّ متشابه ، فهو شبيه بلحظتي " (ص19) وكذلك تتطابق حال البلاد مع البحر " .. أقدام تغادر .. إلى اين والبحر بلا موطىء " (ص19) . و يتطابق (الخروج) مع (الدخول) و(المُغادرة) ب (الوصول) : " أراقب أين أنا ، فأجدني محاطاً بالوجوه نفسها التي تركتها منشورة كأجنحةقبّعة عريضة تُراقب أفقاً لا يتحرّك . إنّها محطّة الترانزيت نفسها " (ص19) .أهوَ العالم ، يوم يفقد الإنسان ( مركز ) وجوده ، فيُصبح دوّامة لا حدود لها ..؟!


( 5 )


و إذا ما كان بطل " حراكة " ، أو مَن إنتحلَ دوره ، كان مربوطاً في قارب أو عليه ، فإن ( تزوير أو محروق إصبعه ) نجده مربوطاً إلى بغل : " أجرّ جسدين في آنٍ واحد ، البغل و أنا ، والبغل ألذي يجرّني .. " (ص24) هكذا يستبدل (رئيس الوزراء) و (المُنقذ) ب(البغل) الذي سرعان ما يصبح مرشده : " أتركه يمضي بجسدينا إلى الأمام لأنّه يعرف الدروب الموصلةأفضل منّي . " (ص24).ها هو ذا يبدأ رحلته مُجرّداً ، عارٍ من كلّ شيء ، حتّى من إسمه وملابسه بحثاً عن " الأمام " و " هو الأمام دائماً ، " لإنّ الخلف مطروح ومنسي ومتروك ، ما أن تضع أوّل خطوة بعد أسياخ القفص " (ص22) ولإنّ هذا ال( إلى أين ؟ ) هو ( إلى اللا أين ؟ ) في الوقت نفسه ف" تشد ّأوتادكَ إلى ريح وترحل" (ص22) ، وتُصبح " فحولة القدمين " ملاذه الأوحد :" جرّبت الجبال المتناثرة مثل القار ، والوديان التي تحصر اراضٍ اخرى. حملت أمتعة وإجتزتُ حدوداً لم يتعرّف عليّ حرّاسها . نقلت أوعية تنبعث منها روائح تبغ و شاي وقالوا لي إنّكَ كالكردي لا تهدأ له قدم ، فإمضي إلى ألامام حتى تصل " (ص22) . و " تصل ولا تلمس الأمام .. " (23) " الأمام لم أره إلإ بالكلمات ، كلمات المُرشد ، كلماتهم " (ص23) .ويبدو إنه ، هنا ، قد خاض بعيداً في دوّامة إغترابه ، فهو ليس بلا حكاية مُقنعة فقط ، مثلما كان في "حراكه" ، وإنما هو بلا إسم ايضاً ، وبينما كان (هناك) ينتحل الحكاية تلو ألأخرى ، مُستعيضاً بها عن حكايته ، فإنّه هنا لا يقوى حتّى على (إنتحال) إسمٍ له :" أصبح مُرشدي يناديني محروق إصبعه ، تعال يا محروق وإمض يا محروق ، ولِمَ لا تطبخ لنا محروق إصبعه يا محروق .. " (24) . ومحروق إصبعه كما يعرفها العراقيّون هي أن :" نجمع ما خبّأناه من كسرات خبز مع ما تبقّى من مُعلّبات ومرق وخضروات ذابلة فما نجد ، بالزيت أو بدونه ونطهيها كلّها معاً ، نأكل ونحترق في ألمعدة وأصابعنا تنشوي لأننا لا ننتظرها تبرد ، فاذا بردت تصبح أكلة أخرى ، باردة ، غير طيّبة ، إسماً آخر " (ص23).أي بلا إسم ، مثله بعيداً عن ال(هناك) ، الذي إنّما كان (هنا) ، وعندما يخرج من ال(هنا) ، يتزوّر ويحتاج إسماً آخر .. تعريفاً آخر لروحه وجسده وهوّيته ككائن ، ولكن ، ولإنّه كان مُصادراً في ال(هناك) و لإنه ساهم في ذلك ، كما سنرى ، فإنّه ، وبعد أن عاش (إغترابه) تحت سلطة " رئيس الوزراء " ، فها هو يمخر في عباب(إستلابه) ، ذلك ألإستلاب ألمُطلَق ألذي عليه أن يحياه في حمّى إنطلاقه (إلى الأمام ) و(إلى الأمام دائماً) ..!هكذا (يستعمله) " المرشد " الجديد ، مع البغل ، في تهريب الآثار .." حجر .. هذا لوح .. لوح لا أهمّية له يقول المرشد لوح غير مهم ؟ .. " (ص26) . ويمضي كالثور (إلى الأمام) .. " وحتّى وأنت تصل ال(هناك)، في هذه المرّة ، لا تفتح فمك وتقول أنا ... مرشدكَ الجديد يبتكر إسمك الجديد ، يهزّ رأسه كذلك ، وأنت ترضى لأنّك أردت أن تخلع جلدك لو تطلّب الأمر " (ص30) .بعدها بزمن عصيّ على التحديد ، وبعد ان يضيف إستلاباً إلى إغترابه ، وينتحل له مرشده إسماً آخر له Abdulhadi (إذ ليس هناك من إسم أكثر تزييّفاً منه ، إسم مُنتحلَ بدقّة)(ص30) ، يبتاع له مرشده بطاقة للذهاب إلى المتحف ، حيث يتعرّف على المسروقات ألتي ساهم بتهريبها ، ولكنّه يراها بعينيه و يحسّها وكأنّها كائنات حيّة هذه المرّة :" أمرّ بإحتراس كأنني لا أريد لها أن تتعرّف على خطواتي .. " (ص31) و " ثمّ تبرق عيناك أيضاً ، وتلمس الحروف ، تحني رأسك وتسمع نبضها ، الحروف ، الصخرة، الحجر ، اللوح ، فيرتجف لإرتجافك " (ص32).وفي لمحةٍ رمزيّة نراه مدفوعاً للتعرّي مرّة أخرى ، كمافي بداية مشواره : " تنتفض وتشعر بالحرّ ، تخلع قميصك وتشعر بالحرّ ينساب على جبينك .. فتخلع كلّ شيء " (ص32) . ثمّ يحمل مهرّبات بلاده حيث ينطلق مُهرولا " تدلّ الاسهم على ألأمام .. تجري الآن إليه ولو أنّك لا تراه ولا تلمسه . تجرّب فحولة القدمين التي لا تشكّ بها أكثر من الآن ، وهي التي يعنونها حتماً . " (ص32) . تُلوّح (النهاية) هنا تقليديّة كاملة ، حتّى برمزيّتها ، وكأنّه سيصحّح جريمته ويعيدُ المسروقات إلى أماكنها ، لولا ان القاص يفخّخها ب ( ولو إنّك لا تراه ولا تلمسه .. ) أي إنه ينتزعها وينطلق بها الى اللامكان أو (اللا أين) الذي (لا يراه ولا يلمسه) ، ربما لإنّه مطعون بإغترابه هناك ، وقد لُعن بإستلابه هنا ، فإنّه في النهاية إنّما يتمرّد على نفسه وعلى عالمه برمّته ، لأنه لم يبقِ لا (أمام ) ولا (خلف) ، وإنّما (اللا أين..) الذي ينطلق إليه مجرّباً (فحولة القدمين) مرة أخرى ..!


( 6 )


في (طيران بالمقلوب) يدخل "عبد الهادي سعدون" في إنتحالات (العائلة) .. حيث يحاول (عمّه) المُفترَض إنتحال جناحي طائر .. فيسقط صريعاً ، بينما "ينتحل" ، بطلنا نفسه ، حلم أو إفتراض السقوط من أعلى بناية ، بناية حقيقيّة مُعاصرة ( وحيداً الآن إلا من فتوقات الريح وأنا أخترقها بإنزلاقي البطيء .." (ص38) وهو ، هنا ، إنما يتهاوى إلى الأسفل ، ربّما مُفترضاً أو يائساً ، من (الأمام) ألذي كان يلوب بحثاً للإنطلاق إليه ..!بينما يحفر في قصّتيّ (العنعنة) و (ونين) شيئاً من تأريخ العائلة ، تلك العائلة الخرافيّة التي لا تكفّ عن "الإحتيال" على الواقع الذي يبدو لها مفهوماً غريباً ، غير قابل للإستهلاك أو الهضم ! وهي تشكّل حلقة في ال(إنتحالات) ، تخرج عنها لأنّها مُعبأة بالحنين (لأن ثمة ذاكرة غير مُعطّلة ! ) ، وتتّصل بها لأنّها تُحشّد لنا أسباب الرحيل ومبررات البحث أو الإنطلاق (الى الامام ) .. فها هو (الأب) (الذي يحشو أذنيه بالقطن ليتجاوز "أنين" الواقع ! ) يُحمّل إبنه أشرطة داخل حسن في عربة شحن ويأمره بالمضي مُشدّداً :" لا أريد أن أراك في البيت إذا لم تتخلّص منها "(ص46) ، ثمّ يكتشف البطل بأنّه ليس الوحيد في ذلك " أمضيت الأيّام بحثاً عن ملجأ ، حفرة ، أو وكر كي أخبىء صوت داخل حسن دون جدوى . إكتشفت إن الجميع عندهم ذاك "الونين" ويبحثون عن طريقة ليتخلّصوا منه فيبعثون بأبنائهم محمّلين بعربات ، مثلي كي يطمروا صوته " (ص47) .هكذا يخلق "عبد الهادي سعدون" رموزه ، ببالغ البساطة والشفافيّة ، وببلاغة عالية في الرسم والإيحاء والتصوير ، ورفع القابلية على التعبير ، ليس عن فرد واحد فقط ، وإنما عن شعبٍ بأكمله ..الإ إنّه يبدو بأن اللعبة تستهويه ، فيتسع أفق نصّه إلى حدود غير متوقعة ، كما ( سنحزر ) أو نرى .. في قصصه وحكاياته القادمة .. !


( 7 )


ففي (مُخبرو أجاثا كريستي) يقترح عبد الهادي سعدون إسطورته الخاصّة ..فإذا ما دأب "القدماء" على إلقاء صفة (الإله) على الأصنام و التماثيل حبّاً ، أو خوفاً أو تقرّباً (زُلفى !!) للربّ ، فإن "عبد الهادي سعدون" يُعيد لصانع التماثيل عظمته وهيبته .. و هو مُمثّلآً هنا ب " مُنعم فرات " الذي "يختفي" بعد أن يجرؤ " إبن أخته " (أو من إنتحل صفته ) بأن يدخل (سرداب السرّ ) بحثاً عن " مشخوش " التمثال الذي طلبه " مخبرو أجاثا كريستي " منه ، وأغرقوه بالدنانير مُقابله ، هكذا يفعل فعلته " أنزل إلى السرداب ولا أرى شيئاً ، وصفوا لي مشخوش – بحثت الليل بطوله ولم أعثر عليه . اخبرتهم وقالوا لي إحمل ما تراه . قبل الفجر ملأوا عربتهم بكلّ ما طالته يداي . ألواح ومسلات ، رؤوس و رؤوس بعيون وبدونها ، بهيئة شياطين أو ملوك أو آلهة ."(ص62) ثمّ سرعان ما نكتشف بأنّها إنّما كانت (الخطيئة الأولى) ، وما تجرّه من لعنات " تركوني وحيداً مُنهكاً أعلى التلّ ، هواء ثقيل يحيطني ، فراغ ثقيل وروح فارغة "(ص63) و " قبل أن أعرف ما أفعل بهذه الخفّة والفراغ ، أسمع أمّي تصيح و لا تئنّ ، تقول إنّه لم يمُتْ ، وهو خالي ، فُرات ، ولكنّه لم يعُدْ الى حجرته ، ولم يعثروا له على أثر"(ص63) .هي لعنة آدم ، ولكن بشكلٍ آخر ، يُطوّعها القاص ليُعبئها بمحمولاته " أجلس على ألتلّ ولا أراه يُحيّيني "(ص63) و "تركت عملي أخيراً وحاول صاحب "القوقأة" أن يمدّني بالدنانير. هززت الرأس وإبتسمت وجلست عند بوّابة حجرة فرات التهم التبغ "(ص63) ثمّ يحمل (رسالة) فرات " حاولوا لمرّة واحدة أن تُدركو لغز أنف الكلب ، يشمّ رائحة جذر الطين . إقتربوا منّي وشمّو .. أحدهم يقول بكلّ ثقة : هذه لعنة السرداب، ألم أقُل لكم ذلك ! "(ص63) .ثمّ لأنّه مُقتنع تماماً بأنّ فرات ، لم يمتْ ، مثل كلّ الآلهة ، الإ إنّه غائب ، مثلها جميعاً أيضاً ، فيقول " أجلس كلّ يوم ، أخدّش ألحجر برؤوس وأجنحة ، شياطين وآلهة .."(ص64) وهو إنّما يفعل ذلك من أجل إستحضاره ، أو " دعاءً " له لأن يغفر له أو يعود " لعلّه يهتدي للطرقات ، لعلّه يحنّ أخيراً لخدوش اليد و نُدَبْ ألجروح وعروق التورّم من ضرب حجر بحجر و نتوء بآخر "(ص64) . وهكذا تصل اللعنة إلى أن يصبح رأسه من حجر هو الآخر ، بينما تنهال عليه الضربات " الضربات التي لم تتوقف ولم تخفت بعد في رأسي ، وأنا لا اعرف ماذا أفعل مع الرأس ، رأسي ، الذي نحته لي فُرات ، وهو خالي "(ص64) .هكذا تنتهي القصّة ، أو ، ربّما ، هكذا تبدأ .. قصّة إغتراب وغربة وإستلاب محروق إصبعة أو عبدالهادي سعدون أو ، ربّما شعب بأكمله .. برأس " سيزيفيّ " من حجر ! نحته "مُنعِم"/ أي (مانح النِعَم / في دلالة الإسم ومعناه ! ) و " فرات " ( النهر / خالق الحضارات ألأوّل)..وإذا ما كان اليوناني "سيزيف" يحمل على ظهره الصخرة بعد تدحرجها ، فإنّ حجر العراقي أو " عبدالهادي سعدون " أو " محروق إصبعه " مُعلّقة على الرقبة ، ولا فكاك منها ، لعنة حقيقيّة ، ينام بها ، و يفكّر بها ، ولا يتنفّس الإ عبرها .. والأدهى من ذلك الآن ، إن عليه بأن ينوء بحملها وينطلق (إلى الأمام ) بها .. " بينما قدماي تحملاني أبعد من أحجاره ، إلى أبعد نقطة من التلّ ، أبعد نقطة من الصحراء . " (64) .إنّه العراقي إذ يصنع إسطورته المُعاصرة ، الخاصّة به ، أو ربّما يجدر بنا القولْ : إنّه العراقي الذي صُنعت به أساطير و أساطير من أقصى العالم إلى أقصاه ..؟!


( 8 )


و قد تكون هي (لعنة السرداب) أو (الخال) " منعم فرات " ، الذي ينتحل وجه (الإله) .. أو ربّما هو حلم (العمّ) أو كابوسه ، بإستعارته جناحي طائر ، لينتحل السماءْ فضاءً له ، أو لعنة (الأم) و "ونينها " مع صوت " داخل حسن " ، أو هو تواصل مع " إبتكارات العائلة" ، أوهامها و توهّماتها ، ما يدفع (عبد الهادي سعدون أو محروق إصبعه) للدخول إلى " العالم الكبير" مُدجّجاً بالوهم والرّعب والإندحار .." منذ أن وضعتُ قدمي في مدريد ، وأنا أشعر في كلّ لحظة ، بأنّ ثمّة ثور سيباغتني ويُنبت قرنيه في خاصرتي " (مُصارعات ثيران- ص65) ، ليس لأنّه غريب عنه (هذا الثور) وانما (لإنّه)من فصيلةٍ يعرفها ، أو ، ربّما ، هي فصيلته.. ! فها هي (المُعلّمة) توبّخه "يالكَ من ثورٍ هائج"(ص68) ثمّ يقول "لإنّها تقول بأنّها مُعلّمتي وهي التي تعرف ما أكون ، فأجيب بهزّة رأس لا يترجمها الجهاز ، فتبادر بالقول أنت كذلك مثل الثور .. اعني إنّك ثور أيضاً البيضتان هما الدليل ، أو ، لنقل الرّجل ثور بشكلٍ آخر "(ص67) . إنّ صفة (الثور) التي تختارها له المُعلّمة ، وتنشغل بالبحث عن دلائل لها لا تتجاوز محاولة (المنقذ) في إبتكار إسم وصفة له (أو لهم) (حراكة) ، أو محاولة (المرشد) الذي سيسمّيه (محروق إصبعه) وغيرهم ..لإنّه – كما أخبرنا- بلا حكاية مُقنعة ، وبلا إسم و ..إلخ .. ثمّ ولأنّه (ماذا يمكن أن أكون غير مورو ؟) – كما يُعنونْ نصّ لاحق- فإنّ المُعلّمة – هي الأخرى- تُلصق عليه الصفة التي تختارها ، و التي لا تبتعد كثيراً عن شيء من صفاته ! " .. ويجيئون الآن ليفهموني إنّك تخشى ألثيران ، ثور يخشى ثور . ماذا تريد أن تقول لي ، قُلْ وخلّصني ؟ "(ص67) . هي أشباح (ثيرانه) ما يُطارده ، و يخلق (رهابه) الخاصّ به والذي سرعان ما سينقله إليها " كان لديها شوق كبير لأن احدّثها عن الخوف.ولأنني لا أحفل به سوى بلحظة وصول ثور مُباغت فكنت أبتكر حكايات ومعلومات أحيلها إلى وثائق سرّية ومعارك ووقائع عائلة وفضائح وحروب وهي التي تُنصت دائماً . تبكي ، تضحك ، ترتجف، تُطقطق أصابعها ، تُخبّىء رأسها في بلوزتها ، تطرحه على الأرض وعلى الفراش .."(ص69) .وهي تفرض عليه بأن يكتب "أنا أحبّ الثيران " مائة مرّة ، حيث "أكتب تسع وتسعين مرّة وأتاخّر عن المائة"(ص68) و كأنّه يخشى لعنة إله قديم ، أو يستحضره عندما يصل "المائة".. (ما أن وصلت المائة حتى سمعت أكثر من باب يُفتح . خرجت مُعلّمة إنسكلوبيديا ألثيران ..)(ص68) . هي (مُنعم فرات) آخر ولا بُدّ من أن ينقُل لها "لعنة سرداب" آخر .." لا أذكر إنّني كلّمتها عن حروب ، لهذا خمّنتُ إنّها تُمارس الإبتكار والوهم مثلي .."(ص70) .هكذا تنضمّ الى (عائلة الإنتحالات) فتخرج إلى الشوارع بعد أن " تنسى " إرتداء ملابسها .. يراها بالتفاتة من رقبته ، لأنّه يكتشف بأنّه مربوط في مقهى على جادّة الطريق بينما يلمح ثيراناً تجري نحوهما على إسفلت الشارع بدلاً من السيّارات ، ف" ينظر بعينين واضحتين لا ترمشان ، ثمّ يحني رأسه ويُبرز قرنيه نحو الكرسي ذاك . الكرسي الذي لم يتمايل ولم يأت بحركة لإنّه مربوط إلى التراب بحجارة تثبيت متينة "(ص74) .هكذا يُفاجئنا في النهاية ببروز قرنيه وإستعداده للتحدّي ، تحدّي الثيران ، فصيلته ، الا إنّه يكتشف بأنّه (مربوط) بلعنته ، التي قد تكون إغترابه وغربته وإستلابه ، أو ما يُمكن إستنباطه من النصّ و إنفتاح دلالاته و معانيه ..


( 9 )


في ( العاصور ) يدخل "محروق إصبعه ، او عبدالهادي سعدون " مرحلة (الإستلاب) المُطلَقْ .. إذ ينتحلُ ، هنا ، صورة " شارلي شابلن " في " الأزمنة ألحديثة " ليس بإختياره طبعاً ، بقدر ما هو إستجابة لموقعه في (العالم الكبير..) !وفي الوقت الذي يرى فيه "الصعلوك شارلي" كلّ ما حوله على هيئة (صامولة) عليه ضبّها وتضبيطها ، بتلك الحركة الآليّة المحدودة وبالسرعة ألتي تفرضها الآلة ، وتحت تاثير السرعة والتكرار ، يرى أنف مسؤوله (صامولة) يهرع إلى تضبيطها ، وكذلك أزرار تنّورة السكرتيرة وحُلمتها .. وكلّ شيء من حوله .. كلّ شيء ، فإن "عاصور" عبدالهادي سعدون ، بحكم الإستلاب الذي يحياه في ظلّ شروط المجتمع نفسه ، مضروباً في تسعة عقود من (التطوّر) ، يؤول به إلى ألمصير نفسه .. وهو ما سيقوده إلى التمرّد عليه أيضاً .." الذي سقط هو أنا ، فجئت كمن ينتقل من قُفّة عصير الرمّان إلى قُفّة كبيرة ( لا علاقة لها بمجرى نهر ولا شقّ بحر ) لا أوّل ولا آخر لها وبقربي عصارة من الحديد اللامع وصناديق من البرتقال."(ص76) " أتخيّل مشاهد عديدة بينما يداي تعملان قصماً بالبرتقال الممتلىء "(ص76) ." اخرج أو لا اخرج فالبرتقالات تناديني "(ص76) ، ثمّ وهو يرفض أن يتشيّأ تماماً ، فيبتكر علاقته بالأشياء " أحادث البرتقالات ، أسمّيها بما أعرف من أسماء و ما ابتكر من أوصاف وماضٍ ورغبات"(ص77) .و هو أيضاً يحلم باللجوء إلى هولندا لأن لها لون العصير الذي يعمله..!ولأنّه مُصادر " أغلب المرّات أقتنع بلا سبب "(ص77) .ولأنّه ضائع ، في مجتمع ، يوغل في تصنيعه فإنّه " مضيت من مكان إلى آخر مع ورقة سيرتي الذاتيّة بحثاً عمّن يقبلني أعمل عنده . ولأنّ الأماكن تشبه بعضها فكثيراً ما ينتابني ما إنتاب جدّي وهو يظنّ إن المدن كلّها شبيهة ببغداد ، فكنت أخطىء المحلات ، فأعود لها أكثر من مرّة أسأل أصحابها عن إمكانيّة تشغيلي"(ص78).ولهيمنة الواقع ، ألذي أحاله إلى "عاصور" أو "العاصور" بلغة الجميع " جاء العاصور ، مضى العاصور "(ص76) حتّى بات يعتقد بأنّه إنما ولد من فلقة رمّانة "خرجتُ من كؤوس "جبّار أبو الشربت" عند حافّة دجلة ، بعصير رمّانة ، لأصل عند الفندق وسط مدريد"(ص76) ولأنّه ليس إستلاباً فرديّاً ما يحياه ، ولا يبدأ به أو ينتهي به ، فإنّ له أشباه لا يمكن إحصاؤهم " يرميها بيدرو أو بيدرو أو بيدرو آخر .."(ص76) .ولإنّ ثمّة دائماً ، وأينما كان ثمّة "مرشد" و"رئيس وزراء" و"دليل" و"مخبرون"، فلدينا هنا "كبير طبّاخي الفندق"(ص76) الذي يشير له / أو يُشار له / ب(الكبير) ، والذي سنكتشف فيه إستمراراً آخر ل(مُنعم فرات):" الإشارة الآن هي إنّني أصبحت معروفاً للجميع بسبب من إهتزاز حدبة كبير طبّاخي الفندق ، الذي لم أرَه بعد ذلك ربّما لأعوام ، بينما يؤكّد الجميع بأنّه يراقب عملي كلّ ليلة دون أن أشعر به"(ص79). وينتحلُ الكبير ، هنا ، صفة إله آخر ، إله رأس المال المُعاصر .. فهو أقرب إلى"الأخ الأكبر" – الذي صوّره (جورج أورويل)في (1984)- منه إلى"مُنعم/فرات" ، أو آلهة الأساطير الأخرى "ومن ذلك إنّه يحسب قشور البرتقال في أكياس الأزبال ومن ثمّ يقيس لترات ألعصير ليتأكّد له إّني أعمل بنزاهة."(ص79).و (هو) ، مثل غيره من الآلهة ، رحيم طبعاً " ولطالما غضّ النظر عن برتقالة كلّ ليلة ، كما إنّه عطّل أجهزة المراقبة ليجعلني أمضي إلى غرفتي دون محاسبة "(ص79).و (الكبير) – مثل غيره من الآلهة – يُحبّ الطاعة والمُطيعين " وبعد كلّ مراجعة ليليّة يرى تعليماتي المُلصقة على ظهر العصّارة لتفادي خسارة قطرة واحدة ، فيوقّع على ترقيتي إلى درجة أكبر"(ص79) .و (هو) أيضاً ، مثل آلهةٍ عديدة ، يُحبّ (الأقوياء) ويحكي عنهم "يدقّ على صدره ويردّد بأنّ فرانكو كان رجلاً حقيقيّاً .. فحل أقول لك "(ص81) .ثمّ ، وبعد أن تكتمل صورته كإله العصر ، يبدأ (الكبير) بسرد إعترافاته كمُنتحِل ، أو كفرد من عائلة عبد الهادي أو محروق إصبعه ، في إمتداداتها الكونيّة أو العالميّة "ومن ذلك أمضي بحدبة مُصطنَعة ، تحسّسها ، لا تعتقد أنت الآخر بأنّها حُدبة حقيقيّة ، بل إنّها أسرار فوق أسرار ، جبل من شهادات وموت وحروب وزوغان عين والتهابات أحاول أن أغطّيها لأنسى عائلتي .. عائلتي التي تهيأ لها كلّ شيء من أجل ان تستمر كذكرى موجعة ، ليس لها غير إنتحالات والبوم صور وأسرار حتّى اليوم يكشفون عنها فتزداد مثل العفنْ ، بينما عليّ أن أغطّيها بحدبتي هذه .."(ص81) .كذلك يعترف (الكبير) بانّه إنما (ينتحل) صفة (الكبير) إستجابة لضرورات عصره " .. المهم بأن تمضي بكونك الكبير أمامهم ، وجدران غرفتكَ مُزيّنة بشهادات وأوسمة وتزييف و صور وإبتسامات واهية ، أنا الوحيد القادر على إزاحتها "(ص81)ولأن "محروق إصبعه أو عبد الهادي" يكتشف هذا الإمتداد الواسع والعميق لأسرة إنتحالاته ، فإنّه عندما يخرج من غرفة(الكبير) ، بعد أنّ يسرّه بإعترافاته ، يشعر بإنتقاله العميق في الزمان والمكان " أخرج إلى عملي أو إلى غرفتي برغبة لقياس كيلومترات الخطوات على مدى أعوام وأعوام"(ص82) وهو إنتقال رمزي ، وفعل يوغل في إتساعه ..!فلقد كشف له (الكبير) السرّ الذي لم يكشفه له أيّ من (آلهته) الأخرىالسابقة ، التي إكتفت بالإختفاء ك(مُنعم فرات) مثلاً ، غضباً او حزناً ، وراح يتخيّل لعناتها تنصبّ على رأسه ، فسكنه ألرعب من أبناء فصيلته (ألثيران) مرّة ، وتحوّل رأسه إلى حجر في أخرى ، وفقد إسمه وذاكرته وهويّته من جرّاء ذلك .. بينما كشف له (الكبير) الحقيقة ، حقيقة الصراع ، وهو في أن تصبح (الكبير) أو تنتحل صفته (أمامهم) ، أي أن تصبحَ (جبّاراً) ولا بأس من ان تصبح (رحيماً)، فيما بعد ، فتتواطأ على سرقة برتقالة مثلاً...!* * *ويُعلن "بطلنا" :"ولأنني حصلتُ على ثِقته فقد أمرَ أن أنتقِل للعمل برفقته"(ص79)."للعمل برفقته" ولكن اين ؟؟!أن تترقّى للعمل معه ، وهو (الكبير) فلا بدّ أن يكون ذلك في موقعه ، في المكان الذي يليق به ، في السماء السابعة أو في (سماء/جنّة) عالمنا المعاصر ، لأنّه (كبير) يوغل في مُعاصرته " أمضي وأجيء مع الكبيرمن محلّ إلى آخر . آخرها في حفل تكريم حضرته وجوه تشبه ما أراه كلّ ليلة ، ولكنّهم يُنادونهم بألقاب وأوسمة وجاكيتات سموكن برفقة بياض وألوان طواويس بملابس نسائيّة "(ص82) اليست هذه (جنّة) عالمنا ألمُعاصر ؟ حيث ألطبقات (العُليا) تعيش وتعشّش في سماواتها السابعة ؟! اليست هي (الجنّة) التي تتطابق مع (الكبير) المعاصر ، الذي هو ( الاخ الأكبر) ممزوجاً بتراث له إمتداد الواقع وعمق الإسطورة ؟!" أمضي خلف الكبير من زاوية لأخرى ، يزيّن يأمر ، يشير ، يترفّق ، ينبح "(ص82) ولإنّ (الكبير) ليس بمُنعم ولا فرات ، الإله الغامض المُلتبس الذي إنتحل الغياب إختياراً ، ولأن محروق إصبعة وعى ذلك من إعترافه وهو (الكبير) ، فإنّه لا يتورّع عن وصف صراخه ب(النباح) ، أيّ إنّه لن يتحسّر على إختفاءه إذا ما (فعلها) كما تحسّر على مُنعم فرات من قبله ..ثمّ لأنّه (أجبر) على بيع "ذاكرته" ، و(أجبر) هنا لأنّه بدأ (في وعيه أو لا وعيه ) يكتشف الحقيقة ، ويّزيح (لعنة ألسرداب) عن كاهله ، كما إنّه (بأثر رجعيّ) يكتشف بأنّه ليس المسؤول عن تحوّله إلى (حراكة) ، في مركب أو بدونه ، لا لشيء إلا لإنه بلا (قصّة مُقنِعة) ، فقد كشف ألسرّ الآن و لذا فإنّه يعرف خواء (الجنّة) ألتي سيدخلها ، وإنّه سيواجه ثلّة من (ألمُنتَحِلين) – مثل (الكبير) - هناك .. بينما ( هو ) رغمَ تقاطر الأسماء على رأسه ، يعي إنتحاله ويعترف به ، و يعرف بأنّه لا يمكن لجنّة أن تحتويه ، فهو مثل "الصعلوك شارلي" بلا سماء يحتمي تحتها ، ولا ظلّ يلوذ به ، ففي غمرة (إستمتاعه) ب(آلته) الجديدة " يتطافر العصير على يدي أوّلاً ، وأحاول ان أتحاشى فورته ، يتصاعد وينسكب على المنضدة ، على الجاكيتات والوجوه والعيون المفتوحة على وسعها فتضيق فتحات العيون هرباً من الحرقة والدبق والفضيحة أمام فلاشات الكاميرات المُضاءة . يسقط الكبير ولا أرى منه غير حدبة عالية كتلّ ناشز وسط أرض مُنبسطة ببياض ملابس تبقّعت بألعصير واصبحت قريبة الشبه بعلم هولندا "(ص83) هكذا ، ولتأكيد قصديّة ما فعل ، ربما بلاوعي أيضاً ، هو إصطباغ الملابس البيضاء بألعصير لتُصبح شبيهة بعلم حلمه (هولندا) حيث يريد (اللجوء) ..!ولإنّه حاله كحال "شارلي الصعلوك" ربطته أزمنته الحديثة ب(آلته) فأنّه "يضبّ" انف مسؤوله مُعتقداً إنه "صامولة" :"ولأنني مُتغافل ومستمر بالعصر ، تنزلق الصحون ، وتنزلق أيدٍ من كلّ مكان لتحملني خلف ستارات ، خلف أبواب ، خلف بنايات وترمي بي .."(ص83) .و (هو ) الآن ، لا ينطلق (إلى أمام) مثل ثور ، لإنّه ما عاد له أمام بعد أن إكتشف أسراره ، فقد جرّب ، في رحلته ، ( الدليل ، والمخبرين ، والمنقذ ، ورئيس الوزراء ، والمعلّمة ، و .. الكبير أخيراً ) ، لذا ينظر إلى قطعة "التشينكو" المُعلّقة على البناية ب "جملتها السحريّة" :(البناية مؤمّنة من الحريق) : " انهض إلى المطبخ . أخلّص الرفّ من البرتقالات برميةٍ واحدة .أعود حاملاً عُلبة ثقاب "(ص83) .


( 10 )


تتّخذ (( إنتحالات )) عبد الهادي سعدون ، شكل (( الأحجيّة )) أو (( الحزّورة )) كما نسميّها في العراق و (( الفزّورة )) في بلدان أخرى ..(( لأنني بلا حكاية مقنعة ، فانني أبتكر أمامكم حكايتي الخاّصة ))(ص13) هكذا يبدأ (حراكه ) إفتراضه / أو ربّما إعترافه / ثم يبدأ بسرد حكايته الحقيقّية بغضّ النظر عن مدى قابليتها على (الإقناع) . انه يقفز بالواقع الى(الإفتراض) ( الإنتحال هنا ) ليحمّله فانتازياه ورموزه الخاصّة .. أمّا ما يسمّيه (وهم) فسرعان ما يتحوّل الى (رمز) ..دون أن ينسى لذّة (الحكي) التي يطرب لها بينما يتركنا مُعلّقين في شبكات رموزه ، وصولاً الى (النهاية) التي كثيراً ما يُحيلها الى (فانتازيا مُطلقة) ليس لدفعنا للإيغال في المتاهة ، وإنما ليكشف لنا السّر / أو يكثّفه أو يزيد شحنة الإيحاء به / لتنفتح دلالاتها وتتسع معانيها .. وهي في ذلك إنما تتطابق مع (( الحزوّرة )) التي تنكشف عند الوصف الثالث والأخير للشيء المُراد معرفته أو حزره ، وتقف على طرف اللّسان من دون ان تفصح عن نفسه ، أو تنطق ذاته ، ولذا يجب أن تردّ الإحتيال الذي مُورسَ بحقّك كقاريء ، بأن تحتال عليه ، وتعود مع حكايته خطوة خطوة لتتشكّل في ذهنكَ من جديد ، ربّما ليس كما أراد لها كاتبها (المُحتال الأوّل ) وإنما كما إنفرطت من فمه أو ( قلمه ) وهو في أقصى لذائذ فرحته إذ ينصب لك الفخاخ الواحد بعد الآخر . . عندها أيضاً تتكشّف لك بعضاً من أخطاءه ، لأنّك أعدت إنتاج أو إفتراض الحكاية من جديد ، وباتت ، في ذهنك ، ربما ، أكثر منها وضوحاً على قلمه : ففي الوقت الذي إفترض فيه علينا إيمان ( العاصور ) بأنه (خرج) من كؤوس (جبار أبو الشربت ) بعصير رمّانه ، نجده يتحسّر بعد ( عشرين سطراً من الحجم الصغير ) بأنه " كنت قرب (( جبار أبو الشربت )) واحداً من المتمتعين بالشراب الوردي يتألق وينساب رطباً في بطوننا .."(ص76) وهي ( شطحة ذاتية ) من الكاتب وليس من أحد مُنتحليه ، نصطادها ونفوز بها ، لأنه تحدّ باتفاق الإثنين ( القاريء والمقروء ) ولا نقصد المقروء له فها هي همومه الذاتية ورؤاه تتسّرب دون أن يتمكّن من إلصاقها بواحد من ضحاياه العديدين الذين يرتدي وجوههم ويُصوّر لنا ذلك وكأنه قناعاً يلوذ به ، بينما هو وجهه ، وأعني وجهه العراقيّ الأوّل الموضوع على هيئة صورة في بطاقته وجواز سفره وبيانات إقامته في مدريد منذعام 1995 ، بينما يأتي تأكيده باطلاق أحدهم إسم (Abdulhadi ) على (محروق إصبعه ) لغرض المسكنة والتماهي ليعلن لنا إنه ضحيّة مثلنا أو مثله بينما يواصل تفخيخ رؤوسنا بانتحالاته ..


( 11 )


هل قلتُ بأن (( عبد الهادي سعدون )) وليس محروق إصبعه هنا ، قد أعاد صهر الألم العراقي والتجربة العراقية في (( انتحالات عائلة )) ليصوغ منها رؤيته ورؤياه للعراق والعالم..؟لا شك بأننا في (( انتحالات عائلة )) سنجد أكثر من مساحة للإجابة . . وكذلك أكثر من سؤال .. !