الأربعاء، 1 يناير، 2014

عبد الهادي سعدون: متعتي وهمي أن يذكرني القارئ ولو بكتاب واحد بعد عشرات السنين، حوار اجراه: صفاء ذياب



:عبد الهادي سعدون

متعتي وهمي أن يذكرني القارئ ولو بكتاب واحد بعد عشرات السنين


حوار اجراه: صفاء ذياب



10/7/2013 

صحيفة الصباح



منحني الشعر الاطمئنان والتقرب لنفسي ومحاولة فهمها عبر الكلمة
بغداد - الصباح
منذ أن اصدر عبد الهادي سعدون مجلة ألواح في إسبانيا مع القاص والروائي محسن الرملي، حتى تحول نموذجاً لناشر عراقي يعمل بتمويل ذاتي من دون أي دعم، فأصدرا ضمن دار ألواح مجموعة مهمة من الكتب لكتاب عراقيين شباب، وبشر ببعض الكتاب الجدد في ذلك الوقت.
كما اصدر أكثر من مجموعة شعرية، مثل (تأطير الضحك)، (ليس سوى ريح)، (عصفور الفم)، وعدداً من المجموعات القصصية التي نذكر من أهمها: (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر)، (انتحالات عائلة)، وصدرت له مؤخراً روايته الأولى (مذكرات كلب عراقي). وكما عرف كمترجم بارع في اللغة الإسبانية، حتى حصوله على جائزة الإبداع الأدبي الشعرية، جائزة أنطونيو ماتشادو العالمية في إسبانيا، ليتوج بهذا رحلته الإبداعية المثيرة للجدل والنقاش. فضلاً عن كتابته واخراجه فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان (مقبرة) في العام 2006.
عن الشعر والسرد والترجمة واللغة الإسبانية، كان لملحق "أدب وثقافة" هذا الحوار:
* هل أبدأ حواري عن الشعر أو القصة أو الرواية؟ هذه الكائنات الثلاثة دخلت حياتك وأثمرت ووهبتَ من خلالها كل ما لديك. أين تضع كلاً واحدة منها في خريطتك الإبداعية؟

- بدأت كتابة القصة والشعر في آن واحد، لا أتذكر أيهما سبق الآخر وأيهما بدأته قبل الآخر، ولكني على يقين تماماً أنني مارستهما في زمن واحد وما زلت بين حين وآخر أعود لهما بذات الرغبة والجدية في الكتابة. ولكن لا يمكنني نسيان الرواية وعوالمها التي أخذت مني الوقت والجهد الكثير على الرغم من أنني لم أنشر فيها سوى رواية واحدة هي (مذكرات كلب عراقي)، وروايتين للأطفال نشرتا في فترات أسبق. الرواية عالم شاسع أحترم الخوض فيه ما لم أجدني على استعداد لإنهاء المغامرة بالكامل، ومن هنا منشوراتي قليلة فيها. دائماً ما أقول انني لم أزل أشعر برغبة الكتابة، وهذا بحد ذاته يكفي، ثم يأتي فيما بعد الجنس الأدبي الذي أكتب به. كل من يكتب يعرف أن لكل كتاب ونص ميزة داخلية خاصة تجعلنا نكتبه بهذا الشكل دون غيره. وهذا ليس تبريراً بقدرما هو إجابة سؤالك، لأنني أشعر بكل هذه الأجناس الأدبية التي كتبت فيها، ولولا ذلك لما جربتها. بقي أن أذكر أنني شغوف جداً بالقصة القصيرة وأجدني أقرب لها في الكتابة وهي التي تحويني كلياً وتنشط مسارات الحكي في داخلي، وهذا ليس انتقاصاً أو عدم اهتمام بالرواية أو الشعر، بل ميزة قد تكون متفوقة فيها على الأخريات. الشعر في حالتي منحني الاطمئنان والتقرب الذاتي من النفس ومحاولة فهمها عبر الكلمة اللغز، أما الرواية فتمنحني الآفاق الواسعة عندما تضيق علي سبل النصوص القصيرة. أتمنى حقيقة أن أصنف يوماً ما ككاتب لا غير.

* كيف نقرأ التطور الذي طرأ على نصك الإبداعي منذ مجموعتك القصصية الأولى (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر)، ومجموعاتك الشعرية ورواياتك، حتى أعمالك الجديدة أو التي تنوي كتاباتها؟

- الكاتب في حد ذاته يمكن تصنيفه ضمن حدود الممكن، كلنا نبدأ بحلم ومشروع لا نفقه منه إلا الحروف الأولى، وبالتالي يكتمل في ظرف السنين التالية أو قد يفشل، وكل مشروع يفهم على هذا الأساس وليس هناك ألغاز أو أحاجٍ لتصنيفه. ومثل الجميع أعد نصوصي الأولى المنشورة في كتب أو المخطوطة هي أساسي الأول وعليه لا أتبرأ حتى من أسوأ نصوصي، وهي كثيرة بالطبع. وبمناسبة كتابي القصصي الأول (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر) وقد كتبته بدايات التسعينيات ونشرته في 1996، أجد أن أغلب نصوصه ذات صبغة اجتماعية مباشرة وقد كتبته في فترة كنت أحتاج فيها للبوح بدواخلي، بكل ذلك الخوف لخروجي من المحرقة بجناح واحد لا غير، وكنت أحتاج للطيران والتمتع بحرية افتقدتها لسنين طوال، لذا جاءت بكل عفوية مكتظة بتلك الحكايات التي أردت تدوينها والبوح بها دون الانتباه للغة ولا لمناخ أدبي خاص بها. بعد تلك التجربة يمكنني القول إنها دفعتني لتكوين صوتي الأدبي وإيجاد مبرر لوجودي ضمن الأسماء الأدبية، على الأقل في العراق، ومنها جاء الصمت والتأني والكتابة المتمهلة والبحث الدائم عن لغة خاصة بي، ولكن هذا لم يأت بسهولة ولا بقفزة زمنية، بل بمران متطاول يمتد حتى اليوم. ربما يمكنني القول هنا إن الكتابة المستمرة وعدم النشر لأوقات طويلة ومنها أيضاً كتابة النص لأكثر من مرة وتمزيق ومحو نصوص وكتب باكملها لعدم الاقتناع بها، هو ما يساعد الواحد منا على إيجاد دربه الكتابي، وهو ما فعلته طوال حياتي. أستطيع أن أشير لو سألني أحدهم مثلما تسألني هنا بأنني أعتز بكتابي (انتحالات عائلة) الذي كتب عنه الكثير بشكل أبهجني، وهو كتاب من الصعب تصنيف مناخاته الحكائية واللغوية، وهو الكتاب الأقرب لي، كما هناك كتابي الشعري (دائماً) الذي حاولت فيه أن أوجز مناخاتي الشعرية ضمن نص هجين في المكان وفي اللغة وفي الكتابة الشعرية نفسها.

* في روايتك الأخيرة (مذكرات كلب عراقي) اشتغلت على القناع والتورية في سبيل الخروج بصورة واضحة للمشهد العراقي، هل كان ذلك يشبه منحى ابن المقفع في (كليلة ودمنة) أو كان لديك منهج خاص في طرح رؤاك؟

- كل نسيج رواية (مذكرات كلب عراقي) هو قناع لبسته لتمرير حكاية تضج في داخلي عن العراق، بلدي، كانت تنهشني نهشاً على مدى أعوام ولم أعرف كيف أكتبها. لم أكن بالمرة مضطلعاً بشؤون الكلاب ولا عوالمها، بل صعب علي قول كل ذلك الذي أردت قوله عبر شخصيات آدمية، فجربت أن أدونها على ألسنة الحيوان، وهو هنا كلب عراقي باسم أجنبي (ليدر) لدلالة معينة أشرحها في الرواية نفسها. بالطبع لا يمكنني إنكار استفادتي من كل النماذج الأدبية السابقة التي استلهمت الحيوانات في متن الحكاية، ومنها (كليلة ودمنة)، وإن خالفتها بالخروج من تعليميتها المفرطة وهي نتاج قرون سابقة. هناك نموذج  تأثرت به هو نموذج الكتابة الصعلوكية (البيكاريسكية) بكل أصنافها المشرقية والعربية (نموذج المقامات العربية والرواية الصعلوكية الإسبانية مثلاً) واستخدمت طرقها السردية في روايتي الكلبية هذه، النموذج الذي حضرني وقت كتابتها. إضافة لنماذج عديدة اخرى قرأتها، ووجدته قريباً مني هو نموذج ثربانتس، العبقري الإسباني، في كل نماذجه الحكائية، على الأخص في قصصه المثالية. لكنني يجب أن أعترف أن الرواية وإن جاءت على لسان كلب، إنما هي في الواقع تصلح لتكون على لسان البشر، وهي أيضاً جاءت مقنعة بها للحيلولة من الوقوع بشرك العبرة الإنسانية. عندما تفكر وتكتب على لسان كلب، جعلني أكثر حرية بالبوح بكل هذا الثقل المضني الذي ينتابنا عندما نتناول موضوعة العراق ولا نجد لها مخرجاً في الكتابة. لا أعرف هل أنا الذي نجحت ككاتب بتدوين مذكرات الكلب المدعو ليدر، أم ان ليدر قد منحني فرصة إتمام رواية عن العراق المعاصر أرقتني وأتعبتني على مدى سنوات.

*  قلت (أنا مع الكتابة الناضجة المتمهلة والتي تشق لنفسها طريقاً صائباً)، ونحن نعيش ضوضاء من الكتب والمقالات والنصوص التي لا تعد، ما المعايير التي تحدد من خلالها إذا كنت سائراً في الطريق الصحيح للنص أم لا؟

- ليس هناك معرفة مسبقة بأن ما تكتبه هو الأدب الحقيقي، لا يبقى أمام الواحد منا غير أن يثق بنصه ومن ثم بالآراء النقدية الحقيقية. ثم أنني أصارحك هنا أن همي الوحيد في كل ما كتبته هو أن يدرك القارئ بأنه أمام نص لا يمر بسهولة ويحتاج للقراءة أكثر من مرة. من هنا تكلمت وما أزال عن (الكتابة الناضجة المتمهلة)، إذ لا أسعى لمجد في الكتابة ولا أن تباع كتبي بالآلاف، كل متعتي و همي أن يذكرني القارئ ولو بكتاب واحد بعد عشرات السنين. أعرف أن كل ما يتمناه الكاتب هو أن يبقى أسمه طرياً في سجل الأدب، وهي صفة الكتابة الجيدة، وأعرف أن كل شيء معلق بخيط رفيع، كما أن الأدب ومقاييسه في اختلاف وتنافر ما بين جيل وآخر، ولكنني أعرف بيقين تام أن ما أسعى له هو أن يتاح لي وقت طويل للكتابة ووقت أطول للقراءة، تلك القراءة الواعية التي تساعدني على أن أكتب بنضج وتعلق حقيقي بالكتابة وعوالمها.

* "جاءت اللغة الإسبانية مصادفة"، إلى أي مدى تمكنت من التعلق بهذه المصادفة، والدخول بحياة جديدة من خلال لغة جديدة، والاستفادة من هذه اللغة؟

- لا مصادفات حقيقية في الحياة، فالكل له أسبابه. الصحيح أنني درست الإسبانية لغة وأدباً نتيجة لمنظومة التنسيب الجامعي في وزارة التعليم العراقية، ولكن مع ذلك كنت قبلها على دراية تامة بالآداب الإسبانية والأميركية اللاتينية المترجمة للعربية، وقد سعدت لهذا التنسيب العشوائي لدراستي الجامعية فقد كنت أحلم يوماً أن اقرأ لوركا بلغته الأصل وكذلك روايات الواقعية السحرية وقصص بورخس التي شدتني وما تزال بعوالمها الأقرب لكتاباتي، وهو ما أتيح لي هنا في إسبانيا على وجه التحديد. إن تعلم لغة جديدة والنوم معها ليل نهار على مدى عشرين عاماً، تصبح بالتالي لغة أصل بجانب لغتك الأم. لغة رفيقة، لصيقة وليست لغة أخرى تالية للغة الأم. من هنا منحتها كل الاهتمام الممكن واحترمت خصوصيتها وحاولت اكتسابها تدريجياً لأشعر بها وتشعر بي بشكل متوافق، لهذا لم أكتب بها نصاً مباشراً إلا بعد مران وسنين تعلق طويلة. اللغة الإسبانية صقلت لغتي العربية، وعربيتي أضافت لإسبانيتي ما اعتقـدت أنـه ينقصها فـي المعنـى والممارســة. أستخدم اللغة الإسبانية للتخاطب وفي احيان عديدة (خاصة في الآونة الأخيرة) الكتابة بها مباشرة، صحيح أنني لم أجرب كتابة نصوص طويلة، بل التجربة في حد ذاتها في كتب شعرية وأخرى في نصوص قصصية ومقالات وبحوث تساعد على التعود وعلى تلمس أطياف اللغة واختلافها عن لغتك الأم. بقي أن اذكر وأكرر ما قاله غيري بأن كل واحد منا يولد بلغة وهي لغته الأصل ولا يمكنك أن تحيد عنها، البقية تنويعات مفيدة في صقل النص والتمرين المستمر منذ الأزل على الكتابة والتعلم.

* ترجمت عدداً كبيراً من الكتب والدراسات والنصوص الأدبية، كيف تختار النص لترجمته؟ وما الآليات التي تجعل هذا النص موجهاً للقارئ العربي من دونه؟

- على الرغم من أنني قد ترجمت أكثر من عشرين كتاباً والمئات من النصوص والمقالات المتناثرة في المجلات والصحف ومواقع الانترنت، إلا أنني أعد نفسي هاوياً ولست مترجماً محترفاً. هذه الهواية والمحبة للثقافة والترجمة بحد ذاتها تجعلني حراً في الاختيار دون مشروطية مسبقة.
أنا لم أكلف من قبل مؤسسة على ترجمة عمل معين ولا أعتقد أنني سأفعلها يوماً ما، لذا جل ترجماتي مبنية على قناعة و تواصل مع العمل المختار للترجمة، وللإنصاف لا بد من ذكر أن أغلب الترجمات حصلت على إعانة وتشجيع مـــن وزارة الثـقـافـــة الإسـبانـيـــــة.
مع ذلك حاولت في اختياراتي الترجمية أن انقل أعمالاً ونماذج شعرية وروائية إسبانية وأميركية لاتينية وجدتها جديرة بالتعريف، أعمالاً لأسماء معروفة وأخرى لأسماء قريبة من جيلي وذائقتي، فوجدت أن من الأفضل نقلها للقارئ العربي بدلاً من تكريس أسماء أخذت حظها من الترجمة سابقاً. لإعطائك مثلاً عما أقول فإنني ترجمت لشاعرين إسبانيين حصلا على نوبل للآداب ومع ذلك فقليل ما ترجم نتاجهما للعربية مثل خمينث وبيثنته آلكساندره، وهذا الأخير حسب علمي بأن ترجمتي التي نشرت قبل 15 سنة تعد الأولى إذ لم يسبق ترجمته ولا بكتاب واحد للعربية على الرغم من أهميته الكبرى في فهم الشعرية الإسبانية المعاصرة، هذا مع العلم أن مجايليه من الشعراء مثل لوركا وألبرتي تم ترجمة أعمالهما كاملة. مؤخراً ركزت ترجماتي ودراساتي على نماذج أدبية ذات صلة بواقعنا الثقافي المشرقي، وذلك من خلال دراسة وترجمة الآداب الموريسكية الإسلامية التي تركت نصوصاً وكتباً كثيرة منسية داخل الأدب الإسباني، وهو أدب جدير بالقراءة والتمعن، ولعل آخر ما أصدرته من ترجمة ودراسة لرحلة أحد الموريسكيين إلى الديار المقدسة بعنوان (ابتهالات الحاج) ما يمكن أن يكون نموذجاً لهذا الأدب وعينة من ضمن عشرات المخطوطات والنصوص المهملة والمبعثرة في متون الآداب الإسبانية الوسيطة. دائماً ما أقول إنه لو ان كل واحد منا (الآلاف منا منْ عاش في بلد آخر أو ما يزال يعيش) ترجم كتاباً واحداً في السنة لسددنا النقص الهائل في المكتبة العربية ولأغنينا القارئ العربي بنماذج جديدة منتقاة بدلاً من الإتكاء على نتاج ترجمي أصبح لا يفي بالجوع الثقافي لدى مجتمعاتنا وناسها.

* فزت بأكثر من جائزة إسبانية وأوروبية، منها جائزة الشاعر الإسباني انطونيو ماتشادو، وهي لم تعط سابقاً لأي كاتب عربي، ما الذي حصدته من هذه الجوائز؟ وما الخبرات التي أضافتها له؟ وكيف استفدت منها في تسويق كتبك؟

- الجوائز التي حصلت عليها جاءت من إسبانيا وليس من دول عربية، ما عدا رواية الأطفال (كنوز غرناطة) التي حازت على جائزة ادب الطفل العربي العام 1997 ـ وهي محفزة لي لسبب بسيط إذ إنها تأتي اعترافاً بجهد كتابي، وأن تأتي من جهة أجنبية لا تنظر سوى لنصك الأدبي وقيمته الحقيقية، إنما هو تقييم عادل واطمئنان نفسي لجدوى كتاباتك. وهو ما جرى لي مع جائزة انطونيو ماتشادو الممنوحة من قبل وزارة الثقافة الإسبانية ومؤسسة الشاعر المعروف أنطونيو ماتشادو في مدينة صوريا وبلجنة مــن كبار شعــراء ونقـــاد إسبانيا التي اختارت ديوانــي الشعري (دائماً) ليفوز العام 2009 بجائزتها العالمية، ومن ثم طبع الكتاب و تقديمه في مناسبات عديدة وفي مدن وملتقيات مختلفة. الجوائز بالطبع ليست بقيمتها المادية دائماً، بل بما يأتي فيما بعد من تقييم وترويج وتنبيه للآداب العربية الجديدة. هذه الجائزة الشعرية وقبلها جائزة في المسرح (الصوت الآخر) العام 2008، أتاحت لنصوصي الأخرى السابقة والتالية أن تصل للقارئ الإسباني وأن يحتفى بها في كل المهرجانات والملتقيات الناطقة بالإسبانية سواء في إسبانيا نفسها أو في دول أميركا اللاتينية التي زرت أغلب بلدانها في مناسبات مختلفة.
أعترف هنا أن هذه الجوائز واللقاءات المتتالية مع أدباء البلدان الناطقة بالإسبانية جعلهم يتنبهون للأدب العراقي والمطالبة بالمزيد منه، وهذا بحد ذاته تقييم كبير لا سيما لو عرفنا أن الأدب العراقي على مدى سنين طوال بقي مجهولاً للقارئ والمثقف الإسباني إلا في حدود الصرح الأكاديمي و عـوالم المستعربين.
عبر كل هذا أتيحت لي الفرصة بالكتابة والحديث عن الأدب العراقي في أكبر الملتقيات الأدبية داخل وخارج إسبانيا ومن ثم نقل العديد من الأنطولوجيات الشعرية للغة الإسبانية التي وصلت حتى اليوم لثلاث أنطولوجيات شعرية معاصرة تعد الأولى من نوعها في إسبانيا. برأيي أن فوز واحد منا بجائزة دولية وبأية لغة كانت إنما هو تعريف وتقييم ضمني بالنتاج الأدبي لأجيال متعددة، وهذا هو التعريف الحقيقي.

* عبد الهادي سعدون كاتب لا ينضب، فبعد عشرات الكتب القصصية والشعرية والروايات والترجمة، ما مشاريعك الجديدة، وبماذا تختلف عن كتبك السابقة؟

- هناك مخطوطتان قصصية وشعرية جاهزتان للنشر، لكنني متأن بنشرهما، منها كتاب (سُكرُ الباه) وهو في الإيروتيكية القصصية، وكتاب الأشعار المكتوبة بالإسبانية، إذ أعدت صياغتها بالعربية وأتمنى أن أنشرها أيضاً لأنها من ضمن التجربة وإن كتبتها بلغة أخرى. هذا من جانب الكتب المعدة للنشر، ولكن في الآونة الأخيرة ما يشغل بالي هو كتاب بقالب روائي عن شخصيات عراقية مرت في إسبانيا وتركت أثرها الكبير فيها، هناك شخصيات عديدة معروفة عاشت وماتت وتركت إرثها هنا، وهو كتاب أجد صعوبة في كتابته ربما لأنني طرف فيه، وهو ما يجعلني متوجساً من طريقة الطرح والتناول. أعمل على هذا الكتاب (الرواية) منذ فترة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في تجميع مادته المتناثرة هنا وهناك عبر عقود طويلة. ما يحفزني على العمل هو تواجدي في المواقع التي عاشوا فيها ، ولشعوري بأنه دين لا بد أن أنجزه لإعادة ومضة ضوء على حياة بشر مروا بمحنة التشرد والاغتراب والابتعاد عن الأرض ولإعادة الاعتبار لحياتهم وأعمالهم بعد الخذلان والنسيان الذي طالهم.
لا بد من القول إنني أحلم بإنجاز كتب عديدة، لا يمر علي يوم دون تدوين فكرة أو واوضح سيناريو معين لكتاب قادم، كما أنني أمارس متعة الحكي عن القصص والكتب التي أرغب بكتابتها، وهو تمرين لحماية الذات من الوقوع في شرك الروتين أو هجر الكتابة، وهذا بحد ذاته ما يجعلني مستمراً في الرحلة، لا ضير عندي إن كتابة النص حقيقية أو مجرد الحلم بكتابته أو الحكي فيه.
يا لـيتـني كنـت حكــواتيـاً حقيـقياً افــرغ مـــن إنجاز حكايتي ما أن أسردها على الجمع دفعة واحدة كما أفعل في أحيان كثيرة، سواء في غرفــة مغلقــة أو أمام حشد في ساحــة عامة.


حين يكون الشاعر روائياً، تحقيق صفاء ذياب



سباق الجوائز وسوق الكتاب أسهما في إهمال الشعر مقابل الرواية

   
حين يكون الشاعر روائياً

بغداد ــ صفاء ذياب
صحيفة الصباح
07/9/2013 

ربما لم يكن في بال الشاعر أنه سوف ينتقل لعالم آخر مبتعداً بذلك عن عالم الشعر الأثير، فالشعر مثل دواء مخدر يجعل من كاتبه مفعماً بالحياة والقول المقتضب. الشاعر يبحث دائماً عن عالم مبهج، عالم فيه من الخيال والتخييل ما يمكن أن يهرب من خلاله عن حياته اليومية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً لدى عدد من الشعراء بانتقالهم لعالم الرواية. هذا العالم الذي يحتاج لتأنٍ كبير، ومزاج خاص لبناء حكاية سردية يأمل كاتبها أن تكون مختلفة عن الحكايات التي نقرأها بشكل يومي. فهل نجح الشاعر أن يكون روائياً؟ وما الحدود التي تختلط فيها الرواية بالشعر؟ وكيف يمكن أن يقدم الشاعر نفسه كروائي؟
عقدة التصنيفات

لا يعتقد الشاعر والروائي عبدالهادي سعدون بمسألة التحول من جنس أدبي لآخر، بل يعده تواصلاً وتعاشقاً ما بين نوع وآخر، والغرض الرئيس من كل ذلك هو كتابة نص يغني الموضوعة ويجد لها قالبها الخاص سواء كان ذلك عبر نص قصصي أو روائي أو شعري أو حتى نص جامع ما بينها، وهناك نماذج عديدة يمكن التمثل بها.
"أتذكر أن نصوصي الأولى كانت تنحو نحو الخلط المتعمد ما بين الجنسين، بل أن روايتي الأولى غير المنشورة حتى الآن، اتخذت من الشعر بنية داخلية للمتن الحكائي، كما أن هناك نصوصاً قصصية عديدة لي نشرت في كتب ومجالات مارست فيها هذا المزج والتناسق ما بين الشعر والقص".
ويضيف سعدون: إذا ما رغبنا التركيز على السؤال نفسه (تحول الشاعر للرواية) فلا بد أن نشير إلى أن النقد العربي ما زال معنيا بتصنيف الأديب في حقل واحد، وكأنه لا يرغب بإدراجه في أكثر من صنف أدبي، ما زلنا نعاني من عقدة التصنيفات ولا نرضى بكاتب شمولي يكتب بكل الأصناف التعبيرية. عليه من الصعب الإجابة عما يدور في ذهن الشاعر وهو يكتب في القص والرواية، و"لا أجد جواباً آخر سوى تعددية العدة وانموذجها المناسب في كل كتاب جديد، ولعل الرواية أيضاً تمنح متسعاً أوسع ومناخات أكبر للتلاعب الأدبي والانفراد والتجريب داخل النص الحكائي المطول". الشاعر روائياً أم الروائي شاعراً، لا أحد يطرد الآخر ولا الآخر يجابه الأول، بل الغرض الأكبر من كل نص أدبي هو جدواه وجدارته بالنشر والبقاء.

 رواية الجوائز

وترى الشاعرة منال الشيخ أن هذه الظاهرة ازدادت مؤخراً نظراً لتراجع القراءة بشكل عام واختلاف السوق العربي للنشر، والأهم هي الجوائز الجيدة التي صارت ترصد للأعمال الروائية. صارت البوكر مثل سعار جماعي للتسابق في كتابة الرواية، وربما تلمس أن عدد الروايات التي تصدر سنوياً يفوق معدل القراءة في المنطقة العربية بمستويات ومراحل.
"رأيي سيختلف قليلاً عن الآخرين في زاوية معينة، بما لأني أكتب السرد والشعر منذ البداية، فالرواية لم تكن بعيدة عني منذ بداياتي. حتى في الوقت الحالي وأنا اشتغل على روايتي أجد مساحتي الخاصة في كتابة الشعر بين حين وآخر.
ولا أجد أي تناقض في كتابة الجنسين طالما الكاتب يملك ملكَة السرد والحكي". وتؤكد الشيخ أن لغة الشاعر ستختلف عن لغة السارد في كتابة الرواية، وستلمس تأثيرات الشعر في الجمل أكثر، وتعتقد أن هذا لا ينقص من جمالية العـــمل إن كـــان مشغـــولاً بحـكمـــة ودرايــــــة.
"نحن نحتاج أحياناً لمساحة أكبر لنقول ما لا نستطيع قوله شعراً وهذا سبب كافٍ بالنسبة لي أن أكتب الرواية".
ولنذكر مثالاً قريباً على ذلك الكاتبة الألمانية هيرتا موللر الحائزة على جائزة نوبل للعام 2009، وهي شاعرة وروائية وكاتبة قصة قصيرة. لو تراجع أعمالها المترجمة ستجد أن الغالب هو ترجمة السرد أكثر من الشعر، و"أعتقد هي للأسباب نفسها التي تحدثنا عنها، مثل الذوق القرائي وسوق النشر. وأظن أن تقويـــم الرواية أسهل بكثير مــــن تقويـــــم الشعر".
 سباق محموم

وبحسب رأي الشاعر والروائي وديع شامخ أنه شاع في الثقافة العراقية سياق تحول الشعراء إلى كتابة  الرواية. ولنقل ان الشعر شكّل خط الشروع الأول للدخول إلى حقل الإبداع للكثير من الروائيين العراقيين.
مبيناً أن كتابة الشاعر للرواية أو أجناس كتابية أخرى ليس بجديد على المشهد الإبداعي عموماً، "لكني لا أعتقد أن كتابة الشاعر للرواية هو تحول جذري في أدائه، لما للفنون الكتابية؛ شعراً وسرداً، من وشائج وعلائق وجذور متشابكة، خصوصا بعد أن انفتحت الأجناس على  بعضها لغرض إثراء النص الوليد "شعراً أم رواية"، وهذا لا يعني أيضا غياب التجنيس  تماماً أو غياب ملامح الجنس  الأدبي كلياً"، فالشاعر كائن له مجساته  الجمالية ورؤاه ونزعته الإبداعية التي تجعله كالنحلة متجولا بين حقول البوح الإبداعي ليكتب نصاً شعريا هناً، وما لا يصح شعراً يعيد إنتاجه رواية.
ولكن الشعر ليس بديلاً عن الرواية أو العكس، بل إنهما شكلان جماليان سيكون الكائن صاحب حظ كبير إذا ما استطاع الجمع بين كتابة الشعر والرواية على الوتيرة نفسها  من الجودة  والإتقان.
و"من  خلال متابعاتي للشعراء الذين يكتبون الرواية نلاحظ  إثراء الشاعر لحقل السرد الروائي عندما تكون له رؤية واضحة وموهبة متقدة وقدرة على فرز النظام الجمالي الداخلي والشكلي لكلا النمطين الإبداعيين،
وأحياناً نرى سقوط الشاعر في فخ الشعرية على حساب المادة السردية في  كتابة الرواية، فالشعر والرواية وإن تشابها وتلاقحا، لكن الفرق يبقى واضحاً في الخصائص الفنية  والإدائية لكلا الشكلين".
يبدو أن الشعر والرواية في سباق محموم  في المشهد الإبداعي العربي والعالمي، والآن تحتل الرواية صدارة المشهد، وربما يكون هذا أحد الأسباب المهمة لتحول الشعراء لكتابة الرواية.
بين الرواية وقصيدة النثر

ويبيِّن الشاعر والروائي حسين القاصد أن الأمر قد لا يكون سهلاً على الشاعر حين يجرب كتابة الرواية، وذلك لكون الشعر أسرع الأجناس الأدبية تفاعلاً مع الحدث. فالشعر لا ينتظر النتائج ولا يخوض في الصراعات مثل المسرح والرواية، لكن ما يساعد الشاعر على كتابة الرواية هو الشعر نفسه، كون الشعر داخلاً في كل الأجناس الأدبية من قصة ومسرح وما إلى ذلك، و"حسبنا أن نرى دراسات في شعرية القصة وشعرية الرواية فضلاً عن المسرح الشعري الذي انحسر مؤخراً بعد انتشار قصيدة النثر، وهذا يعني بقاء المسرح شعرياً، ويعني أيضاً الشطب الكامل على التعريف القديم للأدب بأنه (شعر ونثر) وذلك لأن الشعر يتغلغل في كل النصوص الأدبية من منطلق أن الأدب نشاط تخييلي أداته اللغة". من هذا المنطلق يرى القاصد أن الشاعر لن يحتاج سوى أن يتحلى بالصبر، فالرواية لا تتفق مع شهوة انتهاء القصيدة لدى الشاعر، بل على العكس تميل إلى التلذذ بالإطالة والصبر لحين الانتهاء. وبعد سطوة قصيدة النثر ذات الطابع التأملي لا المنبري والتي تنتمي إلى منطقة الصبر في الكتابة، صار الشاعر مؤهلاً أكثر حتى من الروائي نفسه، وذلك لسعة خيال الشاعر، و"أرى أن العراق مقبل على عصر الرواية بعد التراكم والخزين الذي توفر لديه من حكايات وسرديات كانت مكبوته وإذا نطق بها أحدهم أخذت جانب السرد الحكائي لا الروائي الفني"، خلاصة القول: إنه عصر الأديب وليس عصر الروائي أو القاص أو الشاعر، فإذا ما توفرت الموهبة والقدرة على الإبداع توفر النص وفق أحد الأجناس الأدبية شرط أن يكون المبدع مبدعاً حقيقياً، أما "تجربتي في الرواية فقد كانت رواية واحدة فقط ولا أعدها روايتي الأولى بالمعنى المميز، على الرغم من أنها نالت من الشهرة في البلدان العربية، وقد تناولها مؤخرا المغربي (عبد الله بلعيد) في صحيفة الشرق الاوسط، فأنا بانتظار انتهاء روايتي (قيامة العربان) التي أتوقع لها صدىً طيباً".

Foto: ‎حين يكون الشاعر روائياً
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=53580‎


الملتقى الأول للرواية العراقية المغتربة بلندن



عدنان حسين أحمد


الملتقى الأول للرواية العراقية المغتربة بلندن

ينظِّم المركز الثقافي العراقي بلندن الملتقى الأول للرواية العراقية المغتربة الذي تنطلق فعالياته في 19 أكتوبر الجاري وتستمر لغاية 21 منه وبواقع ندوة واحدة لكل يوم تتضمن تقديم ثلاث شهادات لثلاثة كُتّاب روائيين يتحدثون فيها عن تجاربهم وخبراتهم في كتابة النص الروائي. وسوف يدير ندوات الملتقى الناقد عدنان حسين أحمد. لا بد من الإشارة إلى أن القائمين على المركز الثقافي قد أخذوا بنظر الاعتبار الكم الكبير من الروائيين العراقيين المبثوثين في البلدان الأوروبية والذين يستحقون جميعاً مثل هذه الدعوة الكريمة التي تحتفي بهم و بنتاجاتهم الإبداعية خصوصاً وأنهم لا يزالون حتى هذه اللحظة يكتبون عن العراق ويستعيدونه في أعمالهم الأدبية كهاجس ملحاح يُعبِّر عن حبهم لهذا الوطن وتماهيهم فيه. لقد أتاحت لنا إمكانية المركز الثقافي العراقي بلندن والموافقات الرسمية لوزارة الثقافة العراقية الموقّرة أن ندعو هذه النخبة من الروائيات والروائيين العراقيين المقيمين في ألمانيا وإسبانيا والدنمارك وهم الأساتذة فاضل العزاوي وزهدي الداوودي وسالمة صالح وصبري هاشم ودُنى غالي وعبد الهادي سعدون، هذا إضافة إلى ثلاثة أسماء روائية معروفة مقيمة المملكة المتحدة وهي سميرة المانع وعبدالله صخي وخولة الرومي. إن قائمة الروائيين العراقيين المقيمين في أوروبا طويلة ولا يمكن حصرها في هذا الخبر لكننا نذكِّر بأن أسماءهم راسخة في المشهد الثقافي العراقي أمثال صلاح نيازي، برهان الخطيب، فائز الزبيدي، علي بدر، جنان جاسم حلاوي، حسين السكّاف، سلام عبّود، بتول الخضيري، زهير الجزائري، إبراهيم أحمد، عالية ممدوح، نجم والي، سنان أنطون، حسين الموزاني، حمزة الحسن، حمودي عبد محسن، حميد العقابي، هيفاء زنكنة، حازم كمال الدين، صموئيل شمعون، جاسم المطير، قاسم حول، فوزي حكّاك، ضياء الخالدي وغيرهم من المبدعين العراقيين الذين نأمل أن نستضيفهم في دورات الملتقى السنوية القادمة. وجدير ذكره أن كاتب هذه السطور قد أصدر كتاباً نقدياً يحمل عنوان "الرواية العراقية المغتربة" تناول فيه بعضاً من روايات المدعوين التسعة إضافة إلى إفراد فصول خاصة عن سبعة روائيين عراقيين آخرين وهم برهان شاوي، كلاويز صالح فتاح، سلوى جرّاح، إنعام كجه جي، محسن الرملي، أمل بورتر وحوراء النداوي. فيما يأتي مقتطفات من شهادات ومساهمات المدعوين العشرة.
الرواية العراقية المغتربة
تقترن الرواية العراقية المغتربة في أوروبا وبقية أنحاء العالم بأجيال مختلفة من الروائيين العراقيين، لكننا نستطيع القول بثقة كبيرة أن الشتات الثقافي العراقي "الحديث" قد بدأ في عام 1948 حين هُجِّر اليهود العراقيون بشكل قسري من العراق، ثم تبعتهم الهجرة الثانية إثر سقوط الحكم الملكي عام 1958. أما الهجرات اللاحقة القسرية والاختيارية فقد حدثت خلال حقبة حكم البعث التي استمرت نحو ثلاثة عقود ونصف العقد حيث تفرق الأدباء أيدي سبأ، وتوزعوا في المنافي الأوروبية والأميركية والكندية والأسترالية، ثم تبعهم أدباء وروائيون من أجيال شتّى أتقنوا لغات أوروبية عديدة، وأخذوا يترجمون منها وإليها، وقد كتب بعضهم فيها مباشرة. ومهما اختلفت مشارب هؤلاء الروائيين العراقيين وتجاربهم الأدبية، إلاّ أنهم يتفقون في شيئ واحد هو معارضتهم للأنظمة المُستبدة التي توالت على حكم العراق منذ سقوط الحكم الملكي وحتى انهيار النظام الشمولي السابق الذي شهد خلال حقبته الزمنية الطويلة العديد من الهجرات التي أخذت طابعاً قسرياً غير معلن ولأسباب عديدة قد تبدأ بالحروب المحلية والإقليمة، وتمر بسنوات الحصار الظالم، وتنتهي بالحروب الكونية التي شُنّت على العراق بهدف تقليم مخالب الدكتاتور واقتلاع أنيابه الحادة التي كان ينهش بها أبناء جلدته، ولا يجد حرجاً في أن يدمي هذا البلد الجار أو ذاك سواء أكان عربياً أم إسلامياً.
عدنان حسين أحمد
من الشعر الى النثر وبالعكس
بدأت حياتي الأدبية شاعرا حين كنت لا أزال في المدرسة الإبتدائية وكتبت الكثير مما يشبه الشعر، قصائد على الطريقة العمودية أولا، بدون معرفة بالبحور الشعرية، ثم قصائد تفعيلة وقصائد نثرية ، معتقدا أن الشعر هو الأدب كله وما عداه يظل أدنى مرتبة منه. ولكن الأمر لم يكن يخلو من تناقض ما كان بإمكاني إدراكه حينذاك. فرغم انني حفظت الكثير من القصائد عن ظهر قلب وقرأت لشعراء قدامى ومحدثين مثل المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي نواس وأبي تمام والبحتري وامرئ القيس وأحمد شوقي ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وأحمد الصافي النجفي فإن كتابي المفضل ظل دائما كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي قرأته مرات لا تعد، فملأ طفولتي بسحر لم أعثر عليه في أي نص آخر: شهرزاد التي لا تتوقف عن قص الحكاية بعد الأخرى لتبعد عن عنقها سيف شهريار المسلول، ثم صورة مدينة بغداد التي كانت تمثل العالم كله بتجارها وشعرائها ومتسوليها ولصوصها وجواريها وأسواقها وحاناتها، حيث يختلط الواقع بالسحر والفانتازيا بالايروتيكا والحكمة بالمغامرة. ورغم انني كنت أخجل أن أخبر أحداأنني أقرأ "ألف ليلة وليلة"، خشية أن يسخر مني، حيث كان الجميع تقريبا يعتبرونه كتابا تافها لا يمت للأدب بصلة، فانني كنت أسير في الحقيقة في طريقين في آن. كنت أجرب أصابعي على كتابة الشعر، ولكن هوى النثر كان يقودني الى نبع الحياة الحقيقية. ولم أعرف الا في فترة تالية من حياتي أنني حاولت دائما في كل ما كتبه أن أوحد هذين الطريقين في طريق واحد أسلكه لأظل وفيا لنفسي.
فاضل العزاوي
حافة الحلم
على حافة الحلم الذي نقلني إلى بداية كينونتي، عرفت بأنني استنشقت الهواء في مطبخ بدائي. لم تكن القابلة رقيقة معي، إذ أنها حين ضربت بقوة على مؤخرتي، جاوبتها بضرطة قوية على وجهها، الأمر الذي لم تعهده من أي مولود جديد آخر. ورغم تألم أمي للضربة التي أوجعتها أكثر من أن توجعني أنا، فإن القابلة صفعت مؤخرتي الصغيرة مرة أخرى قائلة:"إنه يجب أن يصرخ بدل أن يضرط". ولم أكتف هذه المرة بالصراخ، بل وجهت نافورة رفيعة من البول على وجهها. طرحتني القابلة محتجة على مندر جنب صرصور رابض استهوته رائحة الدم، كي تعتني بأمي التي فقدت وعيها. وفي الوقت الذي بللت القابلة فيه وجه أمي بالماء وضربتها هي الأخرى بصفعة قوية على وجهها، رفعتني مساعدتها وضمتني إلى صدرها الذي مازلت أحس بدفئه، قائلة وهي تشد وجهها على وجهي:
"الضرطة والبول دليل الصحة والعافية يا إمراة"
كانت هذه أول لقطة روائية ولدت معي وفرضت علي بشكل غريزي وعفوي أن أوظفها بشكل مستقل دون التأثر بالاتجاهات الموجودة حول كتابة الرواية ودون الإطلاع على تفاصيلها. كل ما كنت أبغيه هو ربط موضوع الرواية بالحياة ربطاً جدليا غير ميكانيكيا، ربطا يصور الصراع بين القديم والجديد، بين الزمان والمكان، بين المعقول واللامعقول، بين المدينة والريف، بين التخلف والتقدم، بين الجريان مع العصر الحديث والتقهقر إلى الوراء.
زهدي الداوودي
رواية صريحة
غادرت العراق سنة 1965 وكنا من أوائل المغتربين، لينتابني شعور الوحدة بلندن الملازم عادة للغرباء لاختلاف اللغة وقلة المتحدثين حولي بها. مع هذا حاولت، من أجل التكيف، أن اسيطر على انفعالاتي وحنيني لمسقط رأسي، ليحفّزني الصمت والهدوء بلندن أن استرجع ما مرّ بي من حوادث مؤلمة، فكتبت قصتين قصيرتين، نُشرتا في مجلة الآداب البيروتية ، في أول شتاء لي بلندن، أولهما تدور حوادثها بناحية ابو الخصيب بالبصرة وعنوانها ( العنز والرجال) فسرها البعض كونها ذات مغزى ودرّست في جامعة لندن ثم اعطيت بسؤال لامتحان طلبة البكالوريس هناك في شهر ايار عام 1995. القصة الثانية عنوانها ( الصداري النيلية) تصف حالة الطالبات بالعراق بعد تجربتي في التدريس هناك. بعدها بقيت صامتة لفترة، أتكيف لحياة الغربة، مقارنة الحياة هنا وهناك. في يوم ما سنة 1968 بدأت في كتابة أول رواية صريحة من دون استعارة، عن طريق ابطال وحوادث تحصل في قسم داخلي للفتيات ببغداد، معبرة عن القسوة واللاعدالة للضعيف واللاحول له في ظروف مجتمع كالعراق، اهملتها بعدئذ لظروف واعتبارات صعبة كان يمر بها العراق سياسيا في تلك السنة وما بعدها، وجدتها غير مناسبة للظهور وطرح ثيمتها المؤلمة لابنائه. بقيت عندي في الدرج لفترة طويلة لتنشر بعدئذ في سنة 1997 .
سميرة المانع

وطن خيالي
في مقال له بعنوان "أوطان خيالية" يقول الكاتب الهندي الأصل، البريطاني الجنسية، سلمان رشدي إن مصدر كلمة ترجمة يعود اشتقاقيا إلى الكلمة اللاتينية "ترادوسيره" والتي تعني النقل إلى حيّز أبعد، وقد نُقلنا إلى مكان أبعد من مكان ولادتنا، إذن فنحن كائنات مُترجَمةْ. ويضيف رشدي قائلا إن "هناك اتفاقا على أننا سنخسر في الترجمة شيئا ما، ولكني أتمسك بفكرة أننا سنربح شيئا أيضا". وبالنسبة لي كنت أحلم دائما بأن أربح شيئا من عملية الترجمة تلك. في العام 1997 كنت أمضي الساعات وحيدا في منزل صغير بعيد غرب العاصمة البريطانية أشيّد خلالها وطناً خياليا خاصاً بي، وطناً لي وحدي بحجم الكف، أقصد بحجم القلب، أرسم منازله وأشجاره وأنهاره وأكواخه ومواطنيه حتى نهض أمامي عالم واقعي أعاد الخيال بناء تواريخه وشخوصه ومصائرها.
ففي ذلك الصيف البعيد من عشرينات وثلاثينات القرن الماضي قدمت المجاميع الأولى من المهاجرين إلى بغداد حالمين بحياة جديدة. تركوا أرياف الجنوب وأهواره هربا من الاقطاع والاضطهاد والملاحقة وعبودية الأرض ومواسم الزراعة التي تضاعف الخسائر والذل والديون، وجاءوا إلى الآمال البراقة في بغداد فسكنوا عند خاصرتها: خلف السدة التي بناها الوالي العثماني ناظم باشا عام 1910 لحماية المدينة من فيضانات النهر الجارفة كل عام. وسرعان ما بنيت صرائف وأكواخ "العاصمة" و"الميزرة"، المنطقتين اللتين تشكلت منهما منطقة خلف السدة.
عبدالله صخي
جاذبية الرواية
ما إن نتعلم الحروف الأبجدية حتى نريد أن نصبح كتابا، وأن أمكن كتابا كبارا، لأن الأدب يرفع من شأن الكاتب ويضعه في مكانة لا يبلغها السياسي مهما بلغت سلطته ولا عالم الفيزياء أو الأحياء أو الباحث في شؤون الاقتصاد أو التأريخ أو اللغة مهما كان إسهامه في مجال عمله.
بينما كانت أميركا وحلفاؤها يُعدّون لغزو البلاد كان رئيس الجمهورية يعكف على كتابة روايته الرابعة. وكأن كل الأوامر التي تحولت إلى كلمات مكتوبة وكل القوانين التي سنها وكل وسائل الإعلام التي كانت تلتقط كل كلمة يقولها وتحولها إلى "معلقات" لم تكن كافية للتعبير عن رأيه. فما الذي يعطي الرواية هذه الجاذبية؟
في الرواية يستطيع الكاتب أن يعبرعن رأيه في أية قضية يريدها أو يتخذ منها موقفا، لكنه رأي أو موقف غير ملزم. إنه يدع شخصيات الرواية تتحدث نيابة عنه، ويستطيع في أي وقت أن يتنكر لهذا الرأي بحجة أن الأمر يتعلق بشخصية روائية متخيلة. إنه في الرواية يتحرك بحرية لا يملكها لدى كتابة المقال الصحفي أو الحديث في ندوة عامة مثلا.
بطل رواية "الهاوية" يشبه الكثير من مثقفينا، يميلون إلى إعلاء طرق في العيش لا يستطيعون هم تطبيقها، فيجدون في حياة التشرد أو الجنون الذي ربما يكون مفتعلا صفة تضع المثقف في مكان خاص. ينظرون بإعجاب إلى حياة التقشف ويسعون جاهدين إلى حياة الترف التي قد لا يستطيعون بلوغها.
سالمة صالح
الرواية الشعرية
على حذرٍ أُلامسُ المُصطلحاتِ .. وعلى حذرٍ أكبرَ أقتربُ مِن وضعِ المفاهيمِ وبشيءٍ مِن التوجُّسِ أُحاولُ أنْ أمسَّها لأنني لم أعرفْ مفازةً مِن هذا النوعِ ولم أطرقْ لأحوالِها سبيلاً إلاّ إذا كانت معلومةً. لستُ على عُجالةٍ مِن أمري كي أنحتَ مُصطلحاً لستُ مُقتنعاً مِن سلامتِهِ ، والأصح أنني أتعبتُ نفسي طويلاً في إيجادِ مخرجٍ لما أنا عليهِ مِن كتابةٍ خاصةً بعد أنْ أنجزتُ كتابةَ روايتي "الخلاسيون" في آب مِن العامِ 1998، التي سبقتْها روايتان تخطّان مساراً شعرياً بحدودٍ مُعينةٍ . ماذا أسمي عملاً كُتبَ في معظمِهِ شعراً ؟ هل أُسميه "قصيدةً / رواية" ، "روايةً شعرية" ، "روايةَ لحظةٍ" .. "ملحمةً قصيرةً" ماذا وقد أعياني البحثُ؟ عندئذٍ تركتُ الأمرَ للنقّادِ والباحثين ـ إنْ وِجِدوا واقتربوا منّي ـ لقناعتي أنَّ الشعرَ ومضةٌ ، برقةٌ ، لحظةٌ تأتي خلافاً لإرادةِ الشاعرِ أو لرغبتِهِ ، تنكتبُ أو لا تنكتبُ .. ربما تذهبُ سدىً، لا يمسكُ بها أحدٌ فكيف بنصٍّ روائيٍّ طويلٍ يستدعي تدخُلَ العقلِ ؟ نُحيلُ الأمرَ إلى إدغار آلان بو الذي ينفي وجودَ قصيدةٍ طويلةٍ ـ طبعاً هو يقصدُ قصيدةَ شعرٍ ـ لماذا ؟ لأنَّ الشعرَ يستدعي التوترَ النفسيَّ العاليَ والدائمَ للشاعرِ وهو يعتقدُ أنَّ هذا التوترَ لا يمكنُ أنْ يستمرَ لفترةٍ طويلةٍ تسمح بإنتاجِ نصٍّ شعريٍّ طويل.
صبري هاشم
قطرة مطر على الوردة الجورية
الشعر كان قريبا جدا، بل يسكنني ولم يكن بمقدوري تعريفه وأنا لم أتم الثامنة حينها. كان علي أن أكتب على الأقل صفحة كاملة حين طلبت منا مدرّسة العربي في الابتدائية أن نكتب إنشاءً يحمل عنوان يوم ممطر. كان الجو بالفعل ممطرا والمدّرسة التي لم يبد عليها الاهتمام الكبير بشاعرية الجو جاءها العنوان هكذا على عجلة من خلال النافذة بينما هي في طريقها الى الجلوس على الرحلة الأولى الى اليسار في الصف، كعادتها لتصحح أوراقا أو تتصفح كتابا.
انقضى الوقت ونهضت مراقبة الصف بهمة لتجمع الدفاتر بأمر من المدرّسة وكنت مازلت في الجملة الأولى. انحبست روحي في الجملة التي صنعتها وكأني طير اصطاد نفسه. لم يطلع من جعبتي غير؛ هناك قطرة مطر على الوردة الجورية الحمراء الصغيرة، ولم أستطع من ثم إكمال الجملة ولا محوها والبدء من جديد. حاولت أن أكمل وصف تلك الوردة الصغيرة المرتعشة في يوم شتائي بارد كنت أتحسسه في أطرافي ورطوبة الصف الكئيب، أو لربما لم يكن هناك من وجود للوردة البتة، خيال محض اقترن بيوم ممطر! ولكني اضطررت الى تسليم الدفتر وتمالكت نفسي حتى وصلت البيت لأنفجر بالبكاء. أذكر هذه اللقطة جيدا، وأذكر تعنيف المدرسة لي كما أذكر دعم أمي وأبي لي اللذين تفهما مأزقي وانتقدا جهل المدرّسة، على الأقل من الجانب التربوي.
دُنى غالي
خيال واسع
سيرتي الادبية بدأت بعد وصولي الى المملكة المتحدة . .منذ طفولتي وانا احب القراءة .. اقرأ كل شيء واحب الكتب المتنوعة المواضيع وخصوصا الادب والتاريخ والفلسفة والسياسة كذلك المجلات والجرائد .. وبمختلف اللغات التي تعلمتها أي العربي والبولوني والانكليزي وقد ترجمت بعض الاشعار البولونية ونشرتها في جريدة عمان في التسعينات وواحدة لشمبورسكا في الاغتراب الادبي. في انكلترا بدأت في كتابة رواياتي .. وقد صدرت لي روايتين الاولى هي "رقصة الرمال" والثانية هي"الصمت حين يلهو" وانا بصدد نشر روايتي الثالثة "آدم عبر الازمان". لدي كذلك عدة قصص للاطفال تم طبع قسم منها وهي"سفينة الفضاء" "نبوخذ نصر"، "لؤي وطريق الغربة"، "انكيدو وكلكامش" و "الفراشة" ونشرت في كتاب بعنوان "التاريخ والرمال" وكانت من انتاج المنتدى العراقي لتشجيع اطفال مدارسه على القراءة.. وهناك قسم آخر من هذه القصص ما زال في درج المكتب قد انشره في يوم ما.. كتبت بعض القصص القصيرة ونشرت في جريدة المنتدى العراقي وواحدة في مجلة الثقافة الجديدة .. حررت بعض المقالات حين كنت مسؤولة إصدار جريدة المنتدى العراقي في لندن. لدي اسلوب مميز في الكتابة وخيال واسع كأنه فلم سينمائي يساعدني في تتبع أحداث رواياتي .قالت مي غصوب ان الحبكة والشخصيات جذابة وتعكس قدرة ملحوظة على الربط بين الواقع والخيال.
خولة الرومي

تمارين الرواية
قال أوسكار وايلد ذات مرة بأن الأهم بكتابة رواية هو أن تكون لديك حكاية مقنعة وأن تشرع بكتابتها. أعتقد أيضاً بأن كل المشاريع الروائية تبتدئ من هذا الخيط، فمن دون وجود هذه الحكاية والرغبة بتدوينها يصبح كل شيء مصيره العدم أو في الأقل مجرد مشروع كتابي في الذهن ولا يرى النور بهيئة كتاب. لعل هذا المنطلق يشير بشكلٍ أو بآخر لتجربتي الكتابية، إذ أنني مارست كتابة الشعر والقصة القصيرة لسنين طويلة، وكنت دائماً أخشى الشروع بعوالم الرواية الشاسعة. مع ذلك لم تمر فترة من حياتي الكتابية التي تفوق العشرين عاماً دون أن اكون قد فكرت وبدأت بكتابة رواية جديدة.
هل كانت مشاريع مجهضة أم أن داخلي العصي كان يرغب في كل مرة أن يكتب رواية فريدة أولى؟. ربما من هنا جاءت الأفكار والمشاريع المتتالية لتقتل بعضها البعض دون أمل برواية واحدة متكاملة. مع ذلك فكل التجارب الروائية المجهضة تلك والتي بدأتها في عام 1990 تقريباً هي ذاتها التي أمدّتني فيما بعد بشحنة هائلة ليتكوّن في داخلي كل ذلك الخزين من المعرفة والمران والتجربة لأكتب وأنشر الرواية الأولى. أفكار روايات ومران شهور وتفكير سنين طويلة بلا انقطاع تسترجع كذكرى حميمية لتشكِّل عندك النواة المهيّجة لذروة الكتاب الروائي الأول. من هنا أعتبر كل تلك التجارب بمثابة تمارين على النص نفسه قبل أن يجد شكله ومحتواه النهائي في أول نص روائي متكامل.

عبدالهادي سعدون

فيما يلي منهاج ملتقى الرواية العراقية المغتربة بلندن (19 - 21 أكتوبر 2013)
السبت 19 أكتوبر 2013
عدنان حسين أحمد / افتتاح الملتقى وإدارة الندوة (18.00-18.10)
1- فاضل العزاوي (18.10- 18.40)
2- صبري هاشم (18.40-19.10)
3- سميرة المانع (19.10-19.40)
- أسئلة ومداخلات (19.40-20.10)
الأحد 20 أكتوبر 2013
- عدنان حسين أحمد / تقديم المحاضرين وإدارة الندوة (18.00-18.10)
1- زهدي الداوودي (18.10- 18.40)
2- دُنى غالي (18.40-19.10)
3- سالمة صالح (19.40-19.10)
- أسئلة ومداخلات (19.40-20.10)
الاثنين 21 أكتوبر 2013
- عدنان حسين أحمد / تقديم المحاضرين وإدارة الندوة (18.00-18.10)
1- عبد الهادي سعدون (18.10-18.40)
2-خولة الرومي (18.40-19.10)
3- عبدالله صخي (19.40-19.10)
- أسئلة ومداخلات (19.40-20.10)



موقع النور الثقافي

عيسى حسن الياسري : الحداثة والموروث في رواية مذكرات كلب عراقي

aisa hassan alyasiri



عيسى حسن الياسري : الحداثة والموروث في رواية مذكرات كلب عراقي

موقع (الناقد العراقي)في 19/11/2013
tp://www.alnaked-aliraqi.net/article/19756.php

*يشكل العثور على الموضوع الثيمة الأساسية في المنجز الإبداعي لكاتب النص شعرا ً أو نثرا ً ..وبدونه يلجأ الكاتب إلى التعكز على
 لعبة اللغة .. وافراغ المخيلة الخلاقة من وظائفها الأدائية التي تؤسس لبنائية نصية ناجحة .. ولعل إمساك الروائي – عبد الهادي السعدون –في روايته – مذكرات كلب عراقي -  بموضوع لا أقول لم يسبقه إليه غيره كما ذكر هو في تهيئة وعينا لدخول عالم روايته .. بل لأنه جعله موضوعا متميزا ً من خلال مزجه المدهش بين ماتقترحه الحداثة من تقنيات كتابية مؤثثة تأثيثا ً عصريا ً .. وبين الإستعانة بروح المورث لا بشكلانيته الظاهرة .. سواء أكان هذا الموروث محليا اختزنته الذاكرة الشعبية ام عالميا ً.
ولأن الكاتب – عبد الهادي السعدون – عاش بيئتين متغايرتين ..وتشبع بثقافة وتعقيد واقعين ضاغطين على وعيه ً.. لذا فقد توفر له هذا النجاح الإبداعي في اختيار الموضوع الذي ساعدت على نجاحه طاقة معرفية موروثة ومكتسبة خاضعة إلى وعي تشريحي .. لاينقاد آليا ً إلى ما ينتجه مركز بعيد يفرض هيمنته على الآخر . لذا جاءت رواية – مذكرات كلب عراقي – رواية عراقية عبرسلسلة افعالها المحركة لوعي شخوصها وإنسانية منفتحة على خلق تعادلية متوازنة تؤاخي بين معاناة – الكائن – فوق هذا الكوكب .. وبالرغم   من  أن الرواية تبدأ بشخصية بشرية  توهم المتلقي  وكأنها هي المحرك الرئيس للأحداث .. الا أن هذه الشخصية سرعان ما تتبدى هامشيتها حتى تضمر وتتلاشى .. ليتخذ مكانها ذلك الجرو الصغير المسمى – ليدر – الذي يحتل مركز الأحداث .
abdulhadi sadon 3وقد يتبادر للقارئ أن الكاتب اعتمد مسرحا – أرستقراطيا ً – تتحرك عليه أحداث روايته .. وذلك من خلال شاعرية المكان الذي يشرف على – دجلة -  .. المحزمة ببساتين النخل والفاكهة .. والراقصة على الأمواج التي تندفع متعانقة مع شطآنها الرملية .. وخفق أشرعة زوارقها .. اضافة إلى الدور الجميلة المحاطة باشجار الفاكهة .. وشتلات الورد .. إلا أن المكان في الرواية يشكل وجودا افتراضيا ً ومتخيلا ً..أنه علامة إشارية ترمز لزمن أقل ألما وخرابا ً.. ويعتبر الماء سر الحياة الأول هو المرتكزالأساسي – لفعل المكان المتحرك – .. لذا يحاول الكاتب أن يتمسك به كشرط يضفي على عمله الروائي عمقا ً فاعلا ومؤثرا ً
وبهذا يتحول الماء إلى ثيمة مهمة في عملية دفع الصراع في البقاء او عدمه إلى أقصى مدياته .. مما يجعل الصراع بين القوتين غير المتكافئتين .. القوة المتمثلة – بالقائد- المدجج بقوى خارقة ..وبين المعلم صاحب – سلالة ليدر – ورغم ضراوته صراعا ً ثانويا ً حتى وهو يهد – مملكة المعلم – القائمة على الجمال والفن والثقافة التي تؤثر حتى بالكلب – ليدر – .. الذي يقرأ الشعر .. ويتذوق الفن .. ويتصرف كأي كائن بشري مسلح بعدة الذكاء والفطنة الخارقة .. ونحن كقراء إذ نتلمس هذا الأمر لايتولد لدينا أي استغراب .. أو نتوهم أن الكاتب يمارس عملية كتابية ميلودرامية لاعلاقة لها بفن الرواية .. لقد جعلنا نتقبل هذا الأمر منذ مدخل الرواية .. بل منذ مفتتحها الأول حيث ضمير المتكلم ..وكيف يروي لنا الكلب – ليدر – مكان ولادته :
” ولدت ُ – كما علمت ُ فيما بعد – عند حافة نهر دجلة .. في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يطلق عليه لقب المعلم .. “
من هذا المدخل .. نحسنا نتجول في منطقة الموروث الإنساني القادم من ابعد عتبات التاريخ ..وأكثر الأماكن غرابة .. ولكنه وبقوة مبدعه تحول إلى إرث إنساني كلي .. إننا نعيش مع – ليدر – زمن – كليلة ودمنة – حيث الحيوانات تتكلم .. أو نعود إلى عصر جداتنا الغائبات اللواتي يجعلن حتى الجمادات تتكلم وتحزن وتحس بالألم .. لذا فنحن نتعايش مع شخصية روائية مختلفة .. انها شخصية – كلب– يمكن ومن خلال عملية رياضية هندسية تحققها لعبة حذف حرف او حرفين واستبدالهما بحرف بديل يتحول – كلبنا – إلى شخصية مؤنسنة ذات وعي ثقافي متميز ..لذا فإنه يسرد لنا معاناته عبر رحلة طويلة .. رحلة – أوديسية – تحتشد بكل ماهو غريب وأسطوري ولا معقول .. مع هذا نتابع جميع أفعال هذه الشخصية دونما احتجاج أو تخل عن رفقته اللامعقولة .. لأن الكاتب أدخلنا في عالم شخصيته ..بل وجعلنا جزءاً منها .. وحملنا حتى على تبادل الأدوار معها .. لأننا شئنا أم أبينا ننتمي إلى – ليدر – في هربنا ومعاناتنا وتغربنا .. بعد أن وجدنا كل ّ مايشدنا إلى المكان قد تفتت وتلاشى ..وتركنا مكشوفين لمصائرنا المجهولة التي قد لا تقل عن مصير – المعلم – ومملكته الصغيرة الباذخة الجمال .. وكما يتوجع  لرحيلنا أحبتنا الذين تركناهم يتكئون على جدار الحزن والأنتظار.. يتوجع – ليدر – بعد أن وهب المعلم أشقاءه الذين ولدتهم أمه معه لأصدقائه ويظل  يبحث عنهم ولا يجد منهم أحدا ً:
” أصبح البيت فارغا ًبعد رحيل أشقائي .. كل ٌ إلى وجهة لم أتبينها .. ولم يخبرني عنها أحد … “
kh abdulhadi saadon 2ولأن ّ – السياسة – صارت فريضة أكثر أهمية حتى من فرائض السماء ..وعلى الجميع أن ينقادوا لها فلن نستغرب أن يتعلمها – ليدر – .. حتى أنه أخذ يعرف ما الذي تعنيه لفظة – دكتاتور – وغيرها من المصطلحات التي تتردد على لسان سيده .. ولم تكن السياسة وحدها هي التي تعلمها – ليدر – عن سيده وانما صار السيد يأخذه معه ..سيما عندما لا تكون هناك – رحلة صيد – بعد أن احترف مهنة والده الذي اصابته كلاب – القائد – بجراح لا تبرأ إلى أماكن تثير فيه الدهشة :
” الأوقات الأخرى التي لا نرغب فيها بالسفر بعيدا ً .. كان يحملني معه إلى أقرب معرض فني أو قراءة شعرية أو رؤية فيلم أو مسرحية .. أو زيارة المتحف الوطني … ” .
وكما في الكوابيس تبدأ نذر أحداث غامضة .. وكل ليلة تظهر كائنات على مقربة من البيت .. أضواء سيارات خافتة .. رجال مدججون بالاسلحة .. وأخيرا ً ينهد كل ّشيء .. ويوضع سيده في سيارة لانوافذ لها .. ويؤخذ إلى جهة مجهولة .. حيث يهبط ليل ثقيل على المدينة .. ومعه تبدأ رحلة تشرد – ليدر – لأنه هو الآخر ليس بمنجى من العقاب الذي أنهى حياة سيده .. ومصادرة البيت .. ولم يجد أمامه سوى مرافقة قطيع من الكلاب الهاربة هي الأخرى :
” كنا نمضي بلا هدف .. شيئا فشيئا بدأت أشعر بأن الكلاب الأخرى قد بدأت تعتاد على تنفس الهواء الطلق .. مع تقدم الوقت صرنا نفتقد لأثر واحد منها بعد أن تركنا وراح يتسلل لبيت او مزرعة ..أو يقرر فجأة بأن مصيره يقوده حتى وجهة معاكسة تماما ً لوجهة تقدمنا فيتسلل مغادرا ً دون نباح … ” .
كان –ليدر – يعرف أنه من سلالة نادرة ..لذا فهو الأكثر خوفا ً من اكتشاف هويته .. وهنا يمرر الروائي – عبد الهادي السعدون – استعارة ترميزية جعلها تتخفى وراء – سلالة ليدر – النادرة .. ليعبر بها نحو مصائر أولئك – الذين ولدوا بعيون مفتحة – .. إنهم النخبة الفاضلة في البنية المجتمعية .. والتي تشكل خطرا على السلطة .. كونها ترى ما لايراه الآخر الذي ولد بعيون مغلقة .. ورغم كل ما احاط به الكاتب نصه من التخفي .. وتحييد الكائن البشري بعيدا ً.. إلا أن هذا كله لم يمنحه الحصانة التي تبعد عنه شبح الأبادة .. لأنها شرط أساس يمنح – الدكتاتور – المتسلط فرصة الخلاص من – أصحاب العيون المفتوحة – المتمثلة في شريحة – المثقفين – من أجل أن تمتلئ المدن بحشود الرعاع الذين يصلحون كأدوات تنفيذية مخلصة بيد – السلطة – .
إن رواية – مذكرات كلب عراقي – هي رواية تجسيد محنة المثقف .. ومحاولة مسخه كما هو الحال في – مسخ كافكا – الذي يرتدي جسد – صرصار – .. ومشاعر وأحاسيس كائن بشري استثنائي سجين في شرنقة – صرصار – مشوه .
ولكي يزاوج الكاتب بين موروثه الأول .. وحاضنته الجديدة بكل منجزها الحداثوي ..فقد لجأ إلى إضفاء لمسات شاعرية منحت اسلوبيته السردية شفافية قريبة من ذائقة المتلقي .. وفي الوقت ذاته عمقت الفعل المتحرك ليكون قابلا للتأويل ..ومبتعدا ً عن المباشرة والأنكشاف الظاهر .
كما أفاد الكاتب من الموروث البنائي من خلال تقطيع النص إلى كتل مستقلة بعناوينها ..وكأن كل كتلة مستقلة بذاتها ..وتتحرك وفق منطقتها الخاصة .. ولكن هذا لا يعني أن الكاتب قد أضعف من بناء النص وتقنياته الملزمة .. بل أبقى ..وببراعة الروائي المتمرس على تلك العلائق التي تشد ثيمات النص بعضها إلى الآخر .. وصولا الى نقطة النهاية .. النهاية التي تشكل عودة إلى نقطة البدء .. حيث تحول البلد البعيد إلى أكثر مناطق الحنين قربا من القلب .. وذلك الأرث الثقيل الذي حمله – ليدر – معه ..والمتمثل في – مذكرات سيده – التي لا يريد لها أن تختفي عندما يعانق اغفاءته الأخيرة ..ويركن إلى راحته الأبدية بعد رحلته – الأوديسية – التي لم تنتظره عند نهايتها – بنلوب- المخلصة لتزيح عنه أشنات سفره الطويل .. بنلوب ليدر – اغفاءة أبدية تقترب ..فاتحة الطريق أمام نص روائي ينهض بتدوينه المتلقي ذاته ..وليس كاتب الرواية الذي أنهى دوره ببسالة لا تخلو من ندوب غير قابلة للشفاء .


http://www.alnaked-aliraqi.net/article/19756.php



الأحد، 17 فبراير، 2013



علي عبدالسادة

عبدالهادي سعدون يرافق كلباً إلى عراقه المرير

جريدة الحياة البيروتية
بغداد - علي عبد السادة - Sat, Aug 18th 2012 4:48 PM

http://mobile.alhayat.com/content/1345294172389107400/Arts



يبدو أن الروائي العراقي عبد الهادي سعدون مرهقٌ جداً من «اعتياد الموت»، وصار في «مذكرات كلب عراقي»، عن دار «ثقافة» - بيروت، باحثاً عن إطلالة غير مألوفة على «الزمن المُهلك». ثمة سرد شديد الانتباه، للصورة العراقية، ولو من منفى إسباني.
رواية سعدون الجديدة جاءت في 176 صفحة، زيّنت غلافَها لوحةُ الفنان الإسباني «غويا». وهي تمنَحُ فعلَ القراءةَ حافزَ الانتقالِ إلى مساحةٍ جديدةٍ في التلقي؛ عليكَ الاستعداد لراوٍ كلب، له أسرة، وراعٍ، ومعه تتخلى عن حساسيةٍ شرقيةٍ مفرطةٍ في محاورةِ حيوان، وأن تتلقى بشغف قصصَ العصف العراقي، على لسانِه.
ولا أميلُ، مع هذا الراوي، لتصنيف «مذكرات كلب عراقي» على أنها سليلة تقاليد الحكايات التي تدور على ألسنة حيوانات، هي أقربُ ما تكون إلى شهادةٍ على حمى العراق المزمنة، لكن بسرد محتال يفرض عليك معاينة عوالم متشابكة بعين كلب.
وهي أيضاً ليست من قصص الرعاة، أو أدب المشردين والتائهين، كما يبدو للوهلة الاولى أن «ليدر» نموذج لهم. قد يضعُ القارئ هذه الرواية في مصاف قصصِ «البيكاريسك» التي تلازم الإنسان منذ ولادته حتى يفارق الحياة. بيد أن هذه المذكرات، وعلى رغم لغتها التي تسمح بقراءة كلاسيكية، تعاينُ حيوات عراقية متعددة، وتخلق، لتحولات سياسية واجتماعية تسعينات القرن الماضي، عيناً فذّةً لامة.
يبدو عبد الهادي سعدون في هذه المذكرات منسجماً مع جيلٍ روائي عراقي لا ينفكُ يفكرُ في ملامح وهوية أكثر تمرداً، أقل تعقيداً. هذا الجيل طالما أعلن نفسَه في روايةٍ مجددة. في ثمانية وعشرين فصلاً يكون البطل – الكلب صديقاً حميماً لك، ولا مفر من مشاركته كل منعطف غرائبي يمرّ به، وقد تشعر، بلغة طائرة فوق النوع والصنف، أنك ترافقُ كلباً «مواطناً» في مسارات مُرّة.
«ليدر»، وهو إسم الكلب، يسجلُ هويةَ أحواله مطلعَ المذكرات: «ولدتُ – كما علمت في ما بعد – عند حافة نهر دجلة، في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يُطلقُ عليه لقب المعلم (...) أنجبتني أمي المدعوة «سابويسو» مع شقيق لي آخر وشقيقتين، ولم أحظ برؤية والدي «السلوقي» إلا بعد أيام ثلاث». (ص13).
ويتقنُ عبد الهادي سعدون فرضَ نمطٍ لغوي لـ «ليدر»، لا يكونُ معه التباس بينه راوياً، وكلباً.
ليدر هو عينٌ مُطهَرةٌ من أنماط السلوك الانساني. لن تجدَه، كما في خلق الشخصيات المبذولة في الروايات حقوداً منافقاً، وطيباً صادقاً. هو شخص– كلب مؤنسنٌ بطريقةٍ تكفي لكل هذه الحميمية: «رأيتٌ للمرة الأولى وجه المعلم مقترباً من السلة حيث أنا وإخوتي وأراه مبتسماً مربتاً على فرواتنا وسمعته يقول: يا للجراء الجميلة!». ومن «ليدر» تتعرفُ على بغدادي يعيش هاجس اليوتوبيا؛ عاشقٌ فطري للبلد، ويكافح، على رغم كل الاخفاقات، للحفاظ على حُلمِه الذي لا مفر من اغتياله نهاية المطاف.
هذه مقاربة لعبد الهادي سعدون نفسه، يضعُ في «مذكرات» ليدر هاجسه، ويُفرغُ حسرته على الهوية.
ليدر يحرص في مذكراته على إظهار حيوات مقتولة لدى العراقي: «صحبت المعلم المتيم بالآثار من بابل وعقرقوف حتى عاصمة آشور، من دون العودة الى البيت قبل أن نمر بكل شبر من أور. في ظرف أشهر أخرى، مروراً بقرى ضائعة في الشمال أو الجنوب أو الوسط لمجرد أن يريني أثراً يدل على عظمة هذه الأرض التي يسميها ميزوبوتاميا» (ص30). وعليك أن تتجاوب مع هذا النمط المحترق، عراقياً، من العلاقة بين رجل وكلب: «كل شبر تحتنا يضم آلاف الآثار يا ليدر».
نقفُ في المذكرات أمامَ مستويات متعددة: الكلبُ وإخوته، يخوضون في حياةِ العملِ الشاق، والصداقةِ الحميمةِ مع معلمِهم، مغامراتُ الصيد، والانكسار والفرقة. ولاحقاً، التشرد والعزلة والوفاة... المعلمُ، الرجل الذي يُعطي رمزيةً عاليةً لآخر الأرستقراطيين المعارضين لحزب البعث في العراق والمجبولِ في معادلةٍ صعبة على البقاءِ تحت رحمته:
«عائلةُ المعلمُ كانت من أعيان بغداد أباً عن جد وقد ملكوا تقريباً كل المزارعِ المطلةِ على نهرِ دجلة من أقصاها حتى أقصاها. لكنهم بدأوا يفقدونها تدريجاً بقرارات حكومية بحججٍ لا تخرجُ عن مسألةِ الضرورات الأمنية، تلك الأُحجية المخيفة التي يستخدمونها في كل شأن» (ص 35)
انتقالُ ليدر السلس الجذاب من عالم إلى آخر، يُقرأُ مثل تسجيل للانحدار والانزواء، ومن ثم الضمور لحياة هذه الأسرة، بدءاً من اخراج السلطة لها من مزرعة على النهر: «صرنا في مواجهة رجال غامضين يرتدون بدلات متشابهة، لم تكن بالعسكرية، لهم سحنات قاسية ويتحدثون بلغة الأمر. سمعت قائدهم يخبر المعلم قائلاً: قررت الدولة مصادرة الأرض الزراعية المطلة على النهر لضرورات أمنية. (...) ستكون هناك وحدات حراسة خاصة في المزرعة. كنت على وشك أن أبادر المتكلم بعضة في رقبته» (ص33).
وبين غضبِ الكلب على رجالِ الأمن وهم يأمرون المعلمَ بإخلاء المزرعة، وقوله موقفاً مناوئاً لمضايقات السلطةِ وتفسيره «الضرورات الأمنية» بالحجج الواهية، في لغة مباشرة، يكون ليدر مفرطاً في إنسانيته. عليك النجاح في تمرين القراءة هذا، ان تمسك «رسالة» عبد الهادي سعدون، وتتجاوب، في الوقت نفسه، مع ليدر «الانسان».

قصيدة
الكلب «ليدر» يداوي جروح قلبه، بعد مقتل المعلم، بقصيدة: «ليس لي غير وحدتي... الدار – الخراب، وهذا النباح، نباح... نباح... نباح» (ص110). هذا جزء مهم من المتعة التي يجدها قارئ المذكرات، لكنها جاءت بعد انعطافة درامية في مسارِ الرواية، فالمعلم، الذي عانى من تضييقِ أجهزةِ الأمن، يُقتل على يد «الغوغاء». وكان مشهداً سُخر، بهذا الشكل أو ذاك، لخلقِ رسالةِ نقدية للوثة العنف في العراق: «اجتاحتنا الجموعُ المتنافرة من كل الجهات. دخل من دخل من البوابة، وجاء آخرون من المزارع المجاورة (...) كانوا من رجالِ مسلحين بالعصي والسكاكين والخناجر، وحمل البعضُ منهم مسدسات، ومن خلفهم كلاب مسعورة» (ص 107).
والأكثر تلذذاً بالصنعة الروائية في هذه المذكرات حين تصل إلى انقلاب الحياة في العراق، وهوس تشكل «الكارتلات» والخنادق، وشيزوفرينيا عراقية تُعللُ وحوشَ اليوم، بمسوخ تحت الحرب اليومية بالأمس. فبعد ضياعِ «المعلم» في فورة دم، وشحنة عنف لا مثيل لها: «لمحنا رجلاً يقترب منا (...) يحمل مسدساً في يده ويرتدي غترة بيضاء لفّها على وجهه (...) سحب أقسام المسدس ووجهه إلى جبهة المعلم» (ص109). تأتي الذروة ذاتها ليكون «ليدر» ضحيةَ تصفية مشابهة من كلاب مسعورة، ينهشونه ويتركونه من دون أمل.
المكانُ في خاتمة المذكرات يعجّ برمزية الكلب، ستعودُ معها إلى دلالة واضحة عليه حيواناً، مع الفارقِ أنك تُعاينُ كلباً يبكي. يحدثُ هذا في الواقع: «اليوم في خصيي لا قوة لي على الحركة (...) عالمي لم يعد أبعد من هذه الأمتار (...) أترقب النباح القادم من جهات غير معلومة» (ص171).
في خاتمة المذكرات يتصاعد الشعور بالأسى، تماماً مثل عراقي يقلب خياراته الضئيلة، المتصحرة، في المنفى. وعلى رغم تأثيث لغوي بارع لعالم يدلُ على «كلب»، لكنك، وبمتعة ولذة كبيرة، تتمكن من إسقاط ليدر على أي عراقي مهتوك يُعالجُ اغترابه المرير: «... منتظراً أيامي الأخيرة بإشارة سماوية كي أتبع آثار أحبتي الذين سبقوني، والدي السلوقي وأمي السوبويسو والحبيبة جميلة» (ص 172). 
وتجدر الاشارة اخيراً الى أنّ الشاعر اللبناني يوسف الخال كان أصدر عام 1985 كتاباً بعنوان «مذكرات كلب» (دار النهار) ويؤدي فيه الكلب دور الراوي. وكتب الشاعر بسام حجار أيضاً نصاً طويلاً جعل بطله كلباً






حسين السكاف



نشرت في جريدة الاخبار البيروتية

www.al-akhbar.com/node/2164?q=arts - 

8/2/2013


نجا الكلب ليدر من الموت في زمنَي الديكتاتور والاحتلال الأميركي لبغداد، وفرّ في شاحنة خارج البلاد. في باكورته «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات)، يتساءل القاصّ والشاعر المقيم في إسبانيا عن كيفية التخلّص من شباك الذاكرة المسكونة ببلاد الرافدين

«ليس هناك من تفسير معقول غير الذي أقوله لكم. لا بد أنني قد ولدت تحت تأثير نجم الفأل الحسن، وإلا كيف أفسر أنني لم أكن حتى الآن من الأموات في كل تلك المحن والتجارب التي مررت بها، والتي كنت فيها على شفا حفرة من الموت، قريباً من حتفي!» هكذا يختصر لنا الكلب العراقي «ليدر» سنوات حياته التي عاشها داخل العراق، لينتهي به المطاف منفيّاً في إحدى دول العالم «في بلد لا أريد أن أذكر له اسماً، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدوّن هذه المذكّرات التي مرّت من عمري». تمهيد يأخذنا لقراءة سيرة حياة الكلب ليدر بطل رواية «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات) للقاصّ والشاعر العراقي عبد الهادي السعدون (1968).
في روايته الأولى، يعمد عبد الهادي السعدون بتقنية سردية، تقترب من الكلاسيكية، إلى إخفاء الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان، حتى يخيّل للقارئ أنّ الرواية تحكي سيرة إنسان عراقي كان يعيش بدرجة كلب داخل مجتمعه. الرواية التي يرويها لنا الكلب ليدر، تحلّل وترصد مشاهد مهمة من حياة المجتمع العراقي على لسان كلب عراقي عاش حياة لا تختلف أبداً عن حياة الغالبية العظمى من أبناء الرافدين.
تبدأ الحكاية في زمن الديكتاتور وحرب الثمانينيات، من هناك، يسرد لنا بطل الرواية سيرة حياته المتلازمة مع يوميّات معلمه أو صاحبه «الرجل الشريف» الذي كان ناشطاً سياسياً معارضاً على خلاف دائم مع السلطة. الرجل الذي كان يلوذ بالثقافة والقراءة هرباً من واقع مرير، كان معروفاً بشكل يثير قلق السلطة، وبعدما هرّبَ ولديه خارج البلاد، صار يعيش وحيداً في بيت داخل مزرعة على ضفاف دجلة، حيث ولد الكلب ليدر من أمٍ إسبانية الأصل وأب «سلوقي» عراقي أصيل. هذا الجرو كبر واشتد عوده وصار مدار حديث الكثير وإعجابهم، وخصوصاً هواة الصيد، لتتسع بذلك سمعة مالكه «المعلم» وتصل إلى رجالات السلطة. وبالنظر إلى ما قاساه معلّمه من ظلم السلطة، صار ليدر يكره الحاكم قائد البلاد أيضاً. وبهذا يضعه المؤلف في منزلة البشر، حيث بات يشاركهم بغضهم للديكتاتور.
من حيث البناء والأسلوب، ينتمي العمل إلى الرواية «البيكارسكية». بطلها الكلب ليدر يعي تماماً أن الواقع الذي يعيشه منحطّ وزائف، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال. ذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوّه بإيمان، لكنه أيضاً يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. بالإضافة إلى أنه دخل عالم التسكع وعاش الصعلكة نتيجة الخراب الذي حلّ بالبلاد ومقتل معلمه على أيدي الغوغاء، طمعاً بما يحتويه بيته من طعام وأثاث. الكلب ليدر الذي يكره الديكتاتور، كان يقرأ ويحب الكتب ويفهم العربية والإنكليزية والإسبانية، ثم اضطُهد واعتُقل بعدما كان مطارداً من قبل السلطة. إنّه عراقي صميمي يحلم بالتخلص من الديكتاتور... الحلم الذي تعاظم مع بداية الاحتلال الأميركي لبلده.
عمد المؤلف إلى مناصفة روايته من حيث الفترة الزمنية، فالنصف الأول يحدثنا عن يوميات الكلب زمن الديكتاتور. أما النصف الثاني فكان ليوميات العراقي ليدر في زمن الاحتلال الأميركي. يصف لنا ليدر مشهد بغداد وهي تدخل تاريخ احتلال جديد. يقرر ليدر الهجرة من بلد صار فيه العيش مستحيلاً، وصار يجوب الصحراء باحثاً عن منفذ حدودي يخلّصه من جحيم بلده. هناك في قلب الصحراء، يسمع صوتاً آمراً: «هيه! تحرك وقلْ منْ أنت، وماذا تفعل هنا وإلا فالموت نصيبك». الموت والتحدي مرة أخرى يلاحقانه حتى وهو في قلب الصحراء: «اسمي ليدر... الكلب ليدر» فيردّ عليه الصوت الآمر «أميركي جاسوس!». كان الصوت خارجاً من وسط عصبة كلاب يقودها كلب جنرال، يكتشف ليدر في ما بعد أنّه أحد إخوته الذي منحه المعلم لعائلة من أصدقائه وهو صغير نظراً إلى عرج طفيف في ساقه.
يتمكن ليدر من الهرب من العراق بعدما حشر نفسه في شاحنة محمّلة بأثاث، فيعبر الحدود ويخلص من جحيم بلده. في طريق الهرب، يخبرنا بطل الرواية عن عراقه الذي صار يسير إلى الخلف: «لم يعد لي من فسحة سوى مراقبة الطريق يتراجع والبلد يسير إلى الخلف بلا أدنى أمل باسترجاعه... مخذولاً، جائعاً ومنهكاً، ضعيفاً، متآمراً وقاتلاً، كلها تنطبق عليَّ، كل شيء بي منها. لقد تحوّلنا من كائنات بسيطة إلى مخلوقات متوحشة، نرى الخراب والدم ولا يرمش لنا جفن ونحرص على الموت والقتل كأنه حقيقة كل شيء: اهرب، اهرب قال شقيقي، ونسيت أن أسأله: كيف نهرب يا شقيقي من الذاكرة المعشّشة في كل واحد منا؟».


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)..


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)

ذكر الأحداث الغريبة والوقائع العجيبة
لما جرى للكلب العراقي المدعو ليدر

نشرت في موقع شهريار
http://www.shehrayar.com/ar/content/view/full/7408 


وقوعي بقبضة قطاع الطرق ولقائي بزعيمها الجنرال

كنت قد سلمت أمري للخلاص النهائي الذي أدركت انه قريب لا محالة، وان انفاسي الأخيرة الفظها الآن وحسب وستنطفئ شعلة عيني بظرف ثوان. كان جسدي يتطاير وتتناوشه الأنياب الحادة وأشعر بها تنغرز في كل أجزاء جسدي. في البدء شعرت بها مميتة قاسية مؤلمة، وبعد حين أصبحت مثل غرز أبر دقيقة لتنتهي بأن تكون بالنسبة لي بمثابة لسعات عابرة لا أشعر بأثرها سوى بتطويح جسدي من جهة لأخرى.
تخميني لم ينجح هذه المرة ايضاً.
بينما كنت اتهاوى ككرة بين أقدام الكلاب المتهيجة التي سبتني ونعتتني بالجاسوس، وجسدي لم يسلم من نهشها وتعذيبها، شعرت وكأن أحدهم قد ركلني ركلة قوية ليبعدني عن الأقدام المتوثبة المستمرة بالضرب والتقطيع، فما ان طار جسدي وحط بكل ثقله صاخباً ضاجاً كحجارة صلدة مثيراً زوبعة ترابية متعالية، سمعتُ من يؤنب الكلاب بأقبح الأوصاف ويتناوب على مواجهتها وتقريعها، وهي بين مصدقة ومكذبة لم تدرك سبب هياج ذلك الكلب الذي ينعتونه بالجنرال، ومن ثم يطلبون عفوه وسماحه لأنهم لم يفهموا ثورته دفاعاً عن كلب نافق "و فوق ذلك جاسوس"!
عندما سمعت تأوهات الكلاب تتصاعد ويخفت نباحها كأنها في إنتظار أمر ما. سمعت صوته للمرة الأولى، صوت ذلك الذي يدعونه بالجنرال، وهو يقول جملة واحدة لا غير:
ـ أجلبوه عندي؟!
ثم مضى بوثبة واثقة وإن بدى لي يعرج من قدمه اليسرى بشكل لا يرى بوضوح لو لم أكن ملتصقاً بالأرض لصق الغبار بالغبار.
جرجروني هذه المرة بين اكثر من واحد منهم، لم تخلو جرجرتهم من قسوة وجسدي يخط على الرمال إلا أنهم لم يجرأوا على ركلي أو نبش الأنياب في رقبتي كوسيلة أسهل لنقلي. لمحت فيهم الغضب وعدم الفهم، لكن ما عدا الغضب المستشيط والأنياب المشهرة والألسن المتدلية، لم يقوموا بأي رد فعل عنيف، إنقادوا لنداء ما يطلقون عليه "الجنرال" والذي على ما يبدو أنه المسيطر عليهم و الآمر الوحيد بينهم.
وصلنا عند كوخ من طوب الطين وصفائح القصدير، وضعوني بخفة أمام الجنرال الذي أشار لهم بالإنسحاب.
لم ينسحبوا بالكامل، إبتعدوا قليلاً عنا، كانوا يحيطوننا من كل جانب وإن كانوا سيسمعون كلامنا همساً. رأيت فيهم كلاباً ضخمة، جلودها مدبوغة من المعارك أو من أثر الشمس و ريح الصحراء، إلا أنها كلاب قوية صاخبة نابحة لا يسكتها ساكت إلا نظرات وأوامر الجنرال نفسه. لم يبق الجنرال في مقعده طويلاً، بل تقدم حين تركوني مضعضعاً ضعيفاً لا قوة لي على القيام و مواجهته وجهاً لوجه. على العكس مما توقعته، إنحنى الجنرال قربي وتركني لأتمعن بملامحه لوقت طويل. بدى لي مهيباً بوجه صارم، شارب كثيف ورأس ضخمة، لا يميزه عن الكلاب الأخيرة المطيعة لأوامره سوى ذلك الإصرار على أن كلمته هي العليا. في لحظة خطرَ على بالي أنني لا بد وأن تقابلتُ به ذات يوم. ملامحه رغم إنغلاق عيني وتعبي بدت لي مألوفة أو على الأقل من تمعني بعينيه، تأكد لي أنه لم ينو القيام معي بتجربة قاسية من تلك التي عاملني بها أتباعه، بل لمحته ينفرط وجهه عن إبتسامة تطمين وإشارة واضحة لنجاتي.
ـ إذاً تدعى ليدر؟ سألني أخيراً
ـ نعم هذا أسمي... ولكنني لست جاسوساً ولا أميركياً؟
ـ أعرف هذا، ولكنني أعرف أيضاً أن هناك كلب وحيد في هذا البلد يسمى ليدر لا غير؟
ـ أعتقد ذلك.. هذا هو أنا... ولكن لمَ تقول ذلك.
ـ لأنني على معرفة كافية بهذا المسمى ليدر، فإن كنت أنت هو فلا بد أن تكون قد عرفتني!
أسكتني جوابه، فبدأت بتقليب ذاكرتي عسى ولعل توصلني لذكرى أو معلومة تعينني ولو ببصيص أمل لأتعرف على هذا الماثل امامي المدعو "جنرال" والذي يعرفني أو يحاول أن يوقعني في شراكه.
ـ عذراً منك يا... يا.."جنرال"... ذاكرتي تضعف مع مرور الأيام. قلت أخيراً.
ـ سأنشط ذاكرتك!
قال ذلك الجنرال ونهض عارضاً على أنظاري قوامه الضخم، جسد حرقته الشمس ولا عيب فيه سوى عرج في قدمه اليسرى يكاد لا يتبين كثيراً. دار هنا وهناك أمامي، ثم انحنى قرب أسماعي واسرني بتعويذة كنت أتداولها في صغري ولا يعرفها سوى كلب واحد عندما كنا نتنادى فيما بيننا هناك في مكان عزيز أصبح بعيداً في الخلف منا... " ياه، مستحيل، لا أصدق ما تراه عيناي!".
ضحك الجنرال وازاح شاربيه لأتبين خلفها وجه شقيقي الذي فقدت منذ زمن.
رغم وجعي وجروحي فقد قفزت فرحاً دائراً خلفه ومتمعناً كيف صار شقيقي بهذه الصورة. هو بدوره لم يأت بأي رد فعل وكان كل لحظة يبدي مظهراً جدياً شرساً فهمت فيه بأنه لا يستطيع إبداء أي تعاطف أو تقرب أمام شلة كلابه المنقادة له والتي لم تكن ببعيدة عنا تراقب تصرفاتنا.
لم يصمت بعد ذلك للحظة. أمر الكلاب الأخرى أن تساعدني باسترجاع قواي، فكان أن نظفوني وعالجوا ما أمكن من جراحي التي تسببوا بها، وعندما شعرت بالإنتعاش والراحة قليلاً، قادني شقيقي خارج المجموعة " تعال معي لنجد مكاناً ننفرد فيه!". وترك عصبة كلابه متأهبة آمراً إياها أن تبقى حيث هي.
في مكان معزول بعيداً عن عيون ونباح كلابه المنقادة، سمع مني ما جرى لي في الأيام الاخيرة وكيف وصلت إليهم، ولم يسألني عما جرى لنا في بيت المعلم ولا ما آل له مصير أبوينا. أخبرني بدوره أنه قد عرف الكثير من حياتنا السابقة عندما وقعت بيده عليقة تضم دفاترأً حصل عليها من أحد الكلاب الذي قُتل في الآونة الأخيرة ويتذكر أسمه جيداً "هوذا"! كان قد وصل قبل شهر تقريباً إلى معسكرهم هذا وطلب المساعدة بالهرب من البلاد. قال شقيقي:" كنت أشك بوضعه الموارب، تصرفاته غريبة ومع ذلك كنت مستعداً أن أساعده على الهرب لطالما ساعدت العديد منها. لم أحر للأمر أهمية حتى وقع نظري على العليقة التي يحملها معه وعندما لم يتركنا نعرف ما فيها، زادني شكاً فأمرت كلابي أن تنهبها منه. ما أن رأيت الدفاتر وتعرفت فيها على مذكرات المعلم وما خطته يده، ولما لم يقدم لي "هوذا" تفسيراً مقنعاً عن كيفية وصولها له. آنذاك زدنا بتعذيبه، فأعترف لي بما قام به، ويا ليته كذب أو ماطل بكلامه ولم يعترف لي بالحقيقة!.. لم أطل الأمر وتركت مصيره لأنياب كلابي المسعورة فقطعوه تقطيعاً ورموه بجثته بعيداً وسط الصحراء لتأكلها الطيور الجارحة وبنات آوى.. وها هي اليوم معي وقد قرأت أغلب اجزائها وعلمت عبرها ما حل بالجميع، أوضاعكم الأخيرة، كيف مات أبوينا وما جرى لك أيضاً، فقد دون المعلم تفاصيلها بكل دقة".
هنا ادركت وحسب أن العليقة التي يحملها شقيقي معه ما هي إلا دفاتر و مذكرات المعلم التي نهبها "هوذا" من ضمن ما نُهِب من بيت المعلم، فلم اتأسف عليه و وعيت أنه قد خط مصيره جراء ما اقترفت يداه. ما كنت متلهفاً له هو أن يخبرني شقيقي كيف وصلت به الأمور إلى ان يقود عصبة كلاب في صحراء لا حد لها.
قال لي: " لا تزوق الكلمات يا ليدر، أنا أقود عصبة قطاع طرق وهذه هي الحقيقة... أما كيف وصلت لهذا الواقع، فقد كان منذ فترة طويلة، أوضاع الحرب الأخيرة والدمار زادها شراسة وزادني وعصبتي قوة وسلطة".
راح شقيقي يفكر مسترجعاً تاريخ أيامه التي تلت فراقه عنا بعد أن أهداه المعلم لصديقه، فكان أن أخبرني دون توقف وكأنه يرى كل شيء يمر أمامه عبر شاشة لا مرئية، مغمضاً عينيه شارد الذهن قال لي ملخصاً حياته الماضية:

شقيقي يسرد وقائع حياته الماضية

" لم أرك منذ أن منحني المعلم لصديق له، كان يظن بي قد انتهيت ولم أعد أنفع بشيء. لكن الصحيح أن قدمي المشروطة وعرجي زادني قدوة لأكون ما أرغب، وهذا ما لمحه بي ذلك الرجل الذي أصبحت بعهدته، فكان أن تركني لفترة طويلة لوحدي بلا أي طعام أو شراب. كان يجوعني لأيام ومن ثم يقدم لي فريسة سهلة، أقطعها تقطيعاً والتهمها بظرف دقائق. في البدء كان يقدم لي الدجاج والطيور بأنواعها، ومن ثم راح يلقي لي خرفاناً وأرانب وماعزاً، بل حتى خنازير برية لا أعلم من أين حصل عليها. كان على ما يبدو يدربني على القتال. تجويع وصمود لأيام، ونزاع معارك بعد ذلك. حتى جاءت اللحظة الحاسمة عندما رأيتني وجهاً لوجه مع أحد الكلاب المتشردة، والذي لم يصبر أمامي سوى دقيقة، مات المسكين بين أنيابي دون أن يكون له الأمل بمواجهة حقيقية أو على الأقل معركة متكافئة.
بعد مران طويل ومواجهات مع كلاب مختلفة الأنواع والحجوم، حضر يوماً ليقودني معه في سيارته إلى مكان بعيد خارج المدينة. هناك في مزرعة منعزلة تعود لرجال دولة مهمين، قمت بمعركتي الرسمية رقم1 والتي ستجر إلى معارك أخرى في المكان نفسه أو في أماكن أخرى. ما أن تزداد شهرتي و وحشيتي وانتصاراتي حتى أرى صاحبي سعيداً باشاً يقودني من حلبة لأخرى وليس علي سوى أن أزيد قائمتي من الكلاب النافقة تحت أقدامي ودمها يصبغ فمي وجسدي صبغاً. كانوا قد أطلقوا علي أسم "الأعرج المميت"، وكان الجميع يتمنى لكلابه أن تكون بنفس خفتي وإهتزاز جسدي وانا أحاصر ضحاياي. أصبحت شهيراً وما يمر أسبوع دون أن أكون في حلبة صراع يتحداني فيها كلب جديد. لقد مرت بين أنيابي هذه اجساداً لا تحصى و رقاباً مقصومة لدرجة لم اعد أتذكر كم صرعتُ في نزاعاتي تلك، ولم اعد قادراً على تذكر الوجوه الكلبية الممددة تحتي.
لكن كما انه لكل شيء بداية، لا بد وأن له نهاية قريبة!
في الأيام الأخيرة كان صاحبي يحملني لمنازعات في قصور ناس مهمين واحداً منها كان قصر الرئيس نفسه. كان الحضور من كل الطبقات والمراتب، كنت ألمح إبن الرئيس في مقدمتهم، وكان عليّ في واحدة من عراكاتي أن أصارع كلب إبن الرئيس نفسه. كنت واثقاً من قدرتي على صرعه بنفس السهولة التي صرعت فيها كلاباً عاتية، غير أنني في تلك المرة شعرت بحركة غريبة تجري من حولي ويشارك فيها صاحبي نفسه.
قادني برفقة آخرين إلى حجرة جانبية، هناك ربطوني إلى عمود وضربوني بقسوة على قدمي اليسرى ليزداد عرجي عرجاً، كما انهم راحوا يكيلون لرقبتي وظهري ضرباً وكسراً، ثم أدخلوا في خلفيتي أنبوباً ونفخوا فيه، ومسحوا أنيابي بمعجون غريب الطعم. تركوني لربع ساعة، ثم جاء صاحبي وفك قيدي وسحلني حتى الحلبة لأواجه بأكبر كلب رأته عيناي حتى اليوم. كنت محطماً بكل معنى الكلمة، مخدراً ولا قدرة لي كبيرة على الوقوف أو التحرك والقفز. عرفت و أنا في مواجهة هذا الوحش بأنه كلب إبن الرئيس، ولمحته متحمساً ينفث دخان سيكاره الطويل ليراه يسحقني سحقاً. هناك فهمت ما قاموا به معي من تكسير وتخدير حتى لا أستطيع الفوز على كلبه المدلل.
لم يمهلني الكلب الوحش ذاك أية فرصة للتنفس ومراجعة إمكانياتي، فكان أن هجم عليّ وقظمني قظماً شديداً ومن ثم طوحني عالياً لأحط مرتطماً بالسياج الحديدي الذي يحيط حلبتنا. لم يكن لي فرصة للنجاة حقيقة، فقد قرر الجميع أن أكون الضحية القادمة. لكنني في داخلي كنت رافضاً لهذه الخديعة، إذ بقيت أتحمل عضاته وركلاته بكل برودة أعصاب، حتى وجدت فرصتي الوحيدة لا غيرها عندما أرخى عظام رقبته ظاناً بأنني قد قضيت نحبي، فكان أن درت دورة كاملة محرراً جسدي قدر المستطاع وقفزت قفزتي العرجاء التي يعرفها جميع منْ حضر نزاعاتي السابقة... قفزة من الخفة أن فاجأت الكلب المتوحش هذا مثلما فاجأت الكلاب الأخرى التي فطست بين أنيابي. حركة من الدقة أن الكلب الآخر لم يعرف أين أختفيت عن انظاره حتى شعر بأنيابي القاطعة قد إنقضت على تفاحة رقبته، بينما أقدامي متشبثة بجسده الهائل لتمنعه من الحركة منعاً باتاً، فلا قوة في العالم آنذاك كانت قادرة على تخليصه من قبضتي.
كنت ألمح كلب إبن الرئيس يلفظ أنفاسه دون أن أرخي عضلاتي. بمواجهتي كان الحشد الهائل يصرخ بكل الألفاظ، ولكن لا أحد كان قادراً على تشجيعي أزاء نظرات إبن الرئيس المجنونة وهو يرى بعينيه كلبه ينفق بين أنيابي. لحظات قبل أن افك الكلب وقد تقهقر ومضت روحه بلا رجعة، لمحت إبن الرئيس بإشارة ما لآخرين، ولأرى نفسي وحيداً ـ جثة الوحش غارقة بدمائها على الأرض أمامي ـ بمواجهة ثلاثة كلاب بضخامة الوحش نفسه. شعرت بالهزيمة ولم أرّ منْ يحتج. لم أحتج انا نفسي مثلما لم أكن واثقاً بالمرة من فوزي القادم بمواجهة ثلاثة كلاب دفعة واحدة، كلاب مثلي متمرنة على الصراع والقتل. حاولت بكل ما بقي لي من جهد و قدرة على النهوض، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل، لأجد نفسي معضوضاً مدمى ومطوحاً بي من الكلاب الثلاثة التي كانت تتسلى بلعق دمائي وتقطيع أوصالي حتى فقدت الوعي تماماً. انطرحت على الأرض قرب جثة الوحش، وقد ظننت أنني قد انتهيت. مت. أغمضت عيني و رحت في إغفاءة عميقة مغادراً الدنيا للأبد...
لا بد أنني قد غبت عن الوعي لساعات قبل أن أشعر بنفسي مرمياً فوق أكوام أزبال خارج المدينة.
كان من الصعب عليّ تحريك جسدي. الجروح المفتوحة في كل أنحاء جسدي كانت ما تزال تنز دمها، رقبتي نصف معضوضة وأقدامي مكسرة، لكنني كنت ما أزال على قيد الحياة بعد فوق مزبلة عالية علو بناية ضخمة. فكرت أن صاحبي او آخرين قد حملوا جثتي الدامية ـ ربما عرفوا بانني حي ولا نفع بي بعد ذلك بشيء ـ  في سيارة ومن هناك رموني دون أن يراهم أحد، تاركين للقدر أن يقرر موتي من نجاتي. لا أعرف حتى اليوم كيف لم يقتلوني بطلقة واحدة، وكان هذا أسهل الحلول؟
ما جرى لي بعد ذلك كان رحلة عذاب و مداواة على مدار أشهر.
متخفياً عن الأنظار استرجعت قواي وبدأت انظر للأمور بشكل آخر. كان جل همي أن أداوي جراحي العديدة، ولم اكن ألجأ لخروج أو مجابهة سوى للحصول على ما يبقيني على قيد الحياة. كنت مثل فأر الجحور، لا حول لي ولا قوة على أي ظهور، متوارياً عن الأنظار قدر المستطاع، همي الوحيد العيش، العيش وحسب.
في تلك الفترة بدأت أفهم الحياة فهماً مختلفاً، ليست كحلبة صراع وحسب بل أكبر من ذلك بكثير، ومع ذلك فالحياة نفسها إن كانت قد قدرت لك درباً تسلكه فلا مجال لمخالفتها. كنت قد وطدت نفسي في تلك الشهور على منوال آخر وقد بدأت أشفى تدريجياً من جراح الجسد والروح، وفكرت أن الحياة ستلقاني بمصير آخر، لكن الأقدار تنقلك من جديد لمواجهات أخرى... فها أنت تراني أقود عصبة كلاب قطاع طرق، أجل قطاع طرق فهذا أسمها الحقيقي في بلاد بلا قانون ولا أمان. كان عليّ أن أتركها تنهش من لحمي لأن مواجهتها كلها كان مستحيلاً، أو أن أحك بظرف ثوان ما وطدت نفسي على نسيانه طوال أشهر الشفاء، وهو ما حصل تماماً.. بلفتة واحدة إسترجعت حاستي في القتل والمجابهة لأرضخها لسلطتي. حصل كل شيء دون مواجهات دموية تستحق الذكر، كأنها كانت بانتظاري، كانت بحاجة لقيادتي، وقد رضيت بتسلطي وهيمنتي عليها.. وأنا منذ ذلك الوقت حتى الآن أمضي بقيادتها متمتعاً بصفة "جنرال" وهمية تقدسها عصبتي حتى الموت. اليوم معهم، بعد الأحداث الأخيرة، أحكم مقاطعة طويلة قرب الحدود، لا أحد من رعيتي يرفض لي أمراً أو يعارضني بشيء. أمضي وحيداً في كل أفعالي، مقتنعاً يوماً بعد آخر بأنني جنرال فعلاً وسأنتصر إنتصاراً عظيماً أو سأموت شر ميتة كجنرال لهذه الزمرة... لكن دعني أخبرك شيئاً يا شقيقي، أنا مقتنع أن يومي الأخير سيقدم عن طريق واحد من أعواني أو عن طريق عصابة أقوى تنافسنا على الربح، وهي في تكاثر. لا شيء نافع بكل ما قمت به سابقاً، ولا شيء ينفع بما أقوم به اليوم، لكنه الشيء الوحيد الذي عرفته وعلموني منذ الطفولة، ومجبر على القيام به حتى النهاية... أن أقوم به على أفضل وجه ـ أو أسوأه منْ يدري ـ وهذا ما أنا ماض به حتى ختام الشوط... الختام لا غير".