27 يناير, 2010

قصة قصيرة: كيس سكر فان كوخ



عبدالهادي سعدون


كيس سكر فان كوخ



( قصة أيروتيكية من كتاب سكر الباه غير المنشور)

نشرت في العدد الخامس/ من مجلة "جسد www.jasadmag.com/ بيروت/ 2010



هذا الكيس ليس له علاقة بمدينة وإنما بفندق، والفندق يسمى فان كوخ. ولكن لم لا، له علاقة ايضاً بمدينة ساحلية لا أجرؤ على ذكر إسمها هنا، لأسباب خارجة عن إرادتي. كنت قد أمضيت صيفاً بطوله عند ساحل تلك المدينة الإسبانية، ليس كسائح مثلما يمكن تصور الأمر، بل بسبب من بحثي عن عمل فيها. كنت قد طردت من عملي السابق في محل لبيع الملابس النسائية، والسبب لم يكن لتحرشي بإمرأة، بل لنقص في خيال صاحب المحل الذي ظن بأنني كنت أعاكس كل نساء المحل وأجرهن لفراشي، لمجرد أن يراني أمزح معهن. لكن هذا الأمر كان لا يعنيه بالضرورة ـ وإن كان يزعجه ـ لطالما أن المهم بالنسبة له هو دخل كل يوم. ولكن الحدث الأكبر هو عندما دخل يوماً من الأيام ووجدني أمزح مع زبونة دخلت تشتري، وقد احتفيت بها أكثر من أية امرأة أخرى، فقد كانت جميلة وخفيفة الظل، إضافة إلى أنها حدثتني عن سفراتها للبدان العربية وعشاقها العرب وهو ما جرنا لحوار طويل ومزاح أطول. الحقيقة أنني لم أتبين وجه صاحب المحل الغاضب وهو يدخل من بوابة المحل إلا في تلك اللحظة التي شرحت فيه للفتاة ما لدينا من حمالات صدر جديدة، فلم يتركني أكمل جملتي حتى أنقض علي وهو يسبني ويكيل لي كل التهم مما لم أسمعه بحياتي كلها. طردني من المحل وأراد الإتصال بالشرطة إلى أن رأيت الفتاة تمنعه من فعله. فهمت قبل أن اختفي دون أن أقبض أجري بالطبع، هو أن الفتاة هي شقيقته الصغرى التي لم أتعرف بها سابقاً ولم أرها تدخل لمرة إلى المحل. وقد تحقق بخياله المنطلق من أنني كنت أغازلها، وربما فكر أنني سأجرها هي الأخرى لفراشي.
في تلك المدينة كنت قد تعرفت على صاحب فندق ـ الأصح هو نزل، لطالما غرفه لا تتجاوز العشر ـ أمضيت فترات مطولة نزيلاً عنده في مواسم قطف الفراولة، والمواسم الأخرى التي لا أجد فيها غرفة في شقة مشتركة، فكان لزاماً علي تمضية الإقامة في النزل، والذي كان الأرخص في المدينة كلها. لذا لجأت له كي أسأله عملاً لطالما أخبرني بحاجة لي لأكثر من مرة، ولكنني لم أوافق لأنه لم يكن يدفع مرتباً مناسباً. عدت له هذه المرة على أمل أن يأويني لفترة في نزله، إذا كان غير قادر على تشغيلي معه. وجدته منشرحاً ووافق أن اعمل معه، ولكن في الفترة الليلية. وافقت فوراً، وهكذا كنت أشتغل ليلاً وأمضي أغلب فترات الصباح بالنوم حتى المساء، لأغتسل وآكل وأصعد للعمل في النزل نفسه الذي أنام في إحدى غرفه الجانبية المخصصة للعمال، والتي هي في الحقيقة حمام و مبولة عامة حولهما صاحب النزل لغرفة باضافة سرير فردي في الوسط.
في إحدى ليالي عملي في النزل حدثت معي هذه الحكاية التي لها علاقة بهذا الكيس.
لم أنم صباح اليوم بشكل كافي لذا كنت مشوشاً طوال عملي الليلي، ولكنني كنت منشرحاً قليلاً فالنزل كان مشغولاً بنسبة قليلة، مما يعني إزعاجاً أقل، وها قد مرت الساعة الثانية عشرة ولم يطرق باب النزل زبون جديد، مما يعني أنني ساغفو في الكرسي دون أي إزعاج. ولكن ما أن مرت ساعة حتى سمعت من يستعلم إن كان هناك غرفة شاغرة. كانت واحدة من تلك السيدات اللواتي لا يمكن تقدير عمرهن، ولكنها ما تزال تحتفظ ببريق شباب، لا أعرف إن كان طبيعياً أم مفبركاً في صالة عمليات. طلبت البقاء لليلة واحدة ودفعت الحساب مقدماً، وقبل أن تصعد إلى غرفتها، طلبت مني " أن كان ممكناً قنينة ماء" فأخبرتها أنها في المخزن ولا نخدم في ساعات الليل، فكان ردها التالي: " أتمنى لو تتعب نفسك من أجلي وتجلب لي قنينة المياه من المخزن، وأنا أنتظرك في الغرفة لأكافئك على صنيعك".
في الحقيقة فكرت في كل الحلول الممكنة إلا أن تلميح السيدة كان يعني مكافأتي مشاركتها الفراش، لسبب بسيط هو أنني لم أتمعن فيها بشكل كافي، وكنت قد فكرت انها ليست من النساء اللاتي يمكنهن شفائي في الفراش، ثم أن وصولها المفاجئ ليللاً واختيارها نزلنا الرخيص، يعني مما يعنيه أنها لم تكن واحدة من تلك الشهيرات اللاتي يبحثن عن رفيق ليلة واحدة. ولكن حدسي أخطأ هذه المرة. ما أن صعدت لها بقنينة الماء، حتى وجدتها قد خلعت ملابسها وأرتدت روب من الموسلين أسود اللون أظهرها كأمرأة جديرة بالحب المتفاني. طلبت مني أن أجلس وأشاركها الغرفة. قبل أن أفكر بماذا أجيبها، أمرتني قائلة: " أنزل واغلق البوابة الرئيسية وأصعد عندي، على أية حال لن يأتي نزيل آخر في هذه الساعة من الليل".
كانت على حق، إضافة إلى انه يمكنني سماع الجرس أو الطرق على البوابة الرئيسية من غرفتها في حال أي طارئ معين.
عندما أصبحت في غرفتها أمهلتني لحظات وكانت أن دخلت الحمام وخرجت علي بحلة ما رأيت مثلها سوى في صور كابريهات فرنسا إثناء الحرب العالمية الثانية. لم ترتد سوى لباس شفاف طرحت فوقه شالاً من القماش الوردي والأزرق بهيئة ورود كبيرة غير متناسقة، كان يغطي جزءاً بسيطاً من لحمها المكشوف تماماً.
قالت لي أن أجلس على الفراش، بعد أن أصرت على أن تخلع عني كل ملابسي بنفسها. ثم تحدثت وكأنها زوجة تقدم جرد يومها المعتاد: " لا تظن بي الظنون، فأنا فنانة معروفة، كنت نجمة تعري معروفة في أفلام الثمانينات، في تلك الموجة من السينما المسماة (ديستابي) التي إجتاحت إسبانيا بعد رحيل فرانكو، وكان لي شعبية كبيرة، وقد شاركت في أكثر من ثلاثين فيلماً، يمكنك التأكد من ذلك بنفسك، ولكني بالطبع كنت أشارك بإسمي الفني (لولا غراندي) وليس هو نفسه المدون في بطاقة هويتي.. إبحث وستجدني في أكثر من دور.. اليوم خدعني خطيبي، وتركني وحيدة وسط المدينة ولم يرغب برؤيتي، لذا قررت المبيت في النزل، وغداً أرجع إلى برشلونة مدينة إقامتي.. إذن يمكنك القول بأنك محظوظ، فكل ما هيأته لخطيبي المأفون، أصبح من نصيبك أنت وحدك.. هل أنت سعيد؟".
كانت من تلك السيدات اللاتي يعرفن قيمة الجسد، ولم تكن تضيع فرصة لحوار تافه. ولأنني كنت قد صعدت لغرض مطارحتها الفراش ليس إلا، فقد تركت لها حرية التصرف بما تشاء. قالت لي ما أن صعدت فوقي:" دعني أشاهدهما؟".
استغرابي لم يكن له محل في خيالها ما أن أمسكت قضيبي بيدها، فصرخت بتهذيب شديد :" ليس لديك سوى واحد، كيف ذلك؟ لقد نمت مع مغربي مثلك، وكان له قضيبان.. إذن أنت من أصحاب الواحد فقط؟". الحقيقة أنني لم أجبها بشيء، فأن تصفني بالمغربي، فهذا ليس جديداً، لطالما أن كلنا مغاربة بنظر الإسبان، والثاني أن أغلب الإسبان رجالاً ونساءً يعتقدون بأن العرب لدينا قضيبان وليس واحداً مثلك خلق الله، فهذا خيطه طويل، ليس له علاقة سوى بالخيال بالطبع. ولكنني لست هنا بمؤرخ كي أشرخ التاريخ الطويل من النعوت والصفات التي أطلقت علينا، ولست بجارح لشعور أية امرأة تصر على أنها نامت مع عربي له قضيبان، لربما كان حلماً أو حقيقة لم أطلع عليها بنفسي، وهذا ليس بمهم في حالتي الآن.
المهم أنها كانت أمرأة وفية لجسدها، وكريمة لأبعد حد مع رفيق فراشها. وإضافة لذلك، كانت هي نفسها لولا غراندي، تذيقني كل فنون أدوارها السينمائية التي مثلت. تمددني وتصعد فوقي، ثم تستكشفني شبراً شبراً، وهي تمثل شخصيتها كاملة، تقول لي:" والآن أنت الممثل الفلاني في فيلم صعود بلا نزول 1980... الآن أمثل دور راهبة وأنت لص دخل إلى غرفتي في فيلم مضجع الراهبات 1982... والآن أفضل دور كدت أحصل بفضله على جائزة غويا لأفضل ممثلة ثانوية مصاصة الدماء العارية 1983.. مثلت الدور كله دون أية قطعة من الملابس، وكل المشاهد كانت طبيعية بما فيها الإغتصاب والدماء..". لم أفهم عليها إلا بعد أن شعرت بأسنانها تنغرز في خلفيتي، وظهري ويداي، وعندما اقتربت منه وأرادت قضمه صرخت وطفرت من الفراش، قائلاً: إلا هذا، فما تزال أمامي وامامه أدواراً نؤديها.
ضحكت وهدأتني ثم انطرحت على الفراش فاتحة فخذيها ونادتني أن أؤدي دوراً أشتهيه معها. مثلت معها دوري الحقيقي والذي لم أتوقف فيه لمراجعة أية لقطة حتى أنطرحنا متعرقين منهكين لأكثر من ثلاث ساعات في شد و توتر و صراخ لا أول ولا آخر له.
ساعة واحدة قبل أن أهبط حتى إستعلامات الفندق، لأن الصبح قد قدم، ولأنني لم أرد أن يفاجأني صاحب النزل وأنا في غرفة زبونة، طلبت مني لولا غراندي أن أسمح لها بتصويري. وافقت على شرط أن لا تظهر وجهي كاملاً. ضحكت واخبرتني أنها في الحقيقة تريد تصوير قضيبي فقط لتحتفظ به كذكرى مثلما تفعل مع كل عشاقها. وكان أن بدأت تقود خطواتي وكيفية الجلوس والنوم، وهي منشغلة بتصويري عصاي التي انتصبت من جديد، وهو ما ذكرني بفيلم كنت قد شاهدته منذ فترة طويلة لمخرج أسباني أحبه جداً هو برلانغا، إذ يظهر في فيلمه (البندقية الوطنية) شخصية ماركيز مولع بقص شعر عانات السيدات اللاتي نمن معه، ويحتفظ بها في أنابيب زجاجية ويعرضها في صالة قصره، ملصقاً ورقة على كل أنبوبة تشير إلى إسم السيدة وتاريخ المناسبة.
لكن سيدة نزل فان كوخ ما أن انتهت من تصوير قضيبي، حتى تركت الكاميرا جانباً و أقعت على الأرض أمامي وأمسكته بكلتا يديها وبدأت تمرغ وجهها به، ومن ثم تقربه من شفتيها، تريق عليه اللعاب وتمسده بلوعة وهي تناديه بكل الأسماء التي سمعت ولم أسمع:
ـ آه يا قاتلي، يا حبي، يا عيني، يا مقطعي، يا سيف، يا خنجر، يا بتار، يا شقاق، يا بلاق، يا ممزق، يا دموي، يا رقيق، يا صلب، يا جلمود... يا ... يا.. وانهت توصيفاته بـ: يا الذي تخرجني الليالي بلا رشد.
وهي تعدد دون أن تتركه بين لطع ومص و تقبيل، تدخله كله في فمها وتخرجه بمطقة وآهة لم أسمع لها من قبل. وعندما أردت أن أخلصه من يديها كي أطرحها على الفراش وأعلوها.. أمرتني بيدها أن لا، واستمرت في المص إلى ما لا نهاية، وهي تصرخ " الآن في فمي.. أريده كله في فمي.. أريد أن أرتوي من ماءك". فما كان مني وأنا الذي كنت في رمقي الأخير، إلا أن أنهض وأدسه بتهيج وسرعة بالغة من دخول وخروج، حتى صببته كله في فمها، ولم أسمعها سوى وهي تتهدج وتنتحب وتولول ولا تتركه يخرج حتى بقي بحجم النواة. وكنت قد أصبحت بلا حيل ولا قوة منطرحاً على الفراش، ألمحها بطرف عيني منتشية ومنطرحة على أرضية الغرفة بفم مفتوح على آخره ووجه مشرق لا مثيل له مع خيط نحيف يمتد من حافة شفتها التحتية حتى حلمة ثديها الأيسر.

قبل دقائق من وصول صاحب النزل، كنت في الإستعلامات، مشوش الفكر بلا اغتسال. مخدراً، ناعساً وبوجه ذابل. وصل صاحب النزل حاملاً معه قدحي بلاستيك من القهوة الساخنة وجلس خلف المنضدة يجرد دخل النزل. بعد نصف ساعة نزلت لولا غراندي بكامل أناقتها، تحمل حقيبتها الصغيرة، وهي تتوجه حتى باب النزل للمغادرة. شكرت لي حسن الضيافة ـ كلمتني بالمفرد ـ وكأنها لم تر صاحب النزل معي، ثم تركت لي كيساً كهدية وغادرتنا بعد أن ارتدت نظاراتها الشمسية دون أن تلتفت أو تنتظر أية كلمة مني.
فتحت الكيس ووجدت في داخله، كاسيت فيديو وعنوانه (مصاصة الدماء العارية) وفيها تظهر لولا عارية تماماً وإشارة لإسمها باللون الأحمر.

03 يناير, 2010

El poeta iraquí Sadoun Concluye la II Beca internacional Antonio Machado


El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun
concluye la II Beca Internacional Antonio Machado


S.A
3/1/2010
Han sido cinco meses intensos que le han hecho desprenderse de 15 años de "nostalgias", un 'exilio' poético en el que, entre siestas en el Duero y paseos por las calles de la ciudad, ha empezado a escribir sobre el amor y "paisajes coloridos", temas que creía perdidos. El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun puso fin en diciembre a su estancia en la capital soriana dentro de la II edición de la Beca Internacional Antonio Machado de Poesía, tiempo en el que ha estado componiendo una serie de diarios o cuadernos de viaje y el poemario 'Asirio en Soria'. A la ciudad en la que llegó en agosto del año pasado ha logrado, asegura el autor, recuperar "el presente", desprendiéndose de "las pesadas noches que dejé atrás".La obra es una reflexión sobre su condición de exiliado (llegó a España durante la primera Guerra del Golfo) y sus vivencias en la ciudad en la que, por espacio de cinco años, vivió su admirado Antonio Machado. Conocía la ciudad desde hacía algunos años, incluso había participado como ponente en la primera edición de la Feria del Libro Expoesía que organiza la Concejalía de Cultura del Ayuntamiento de Soria, pero su beca en la ciudad le ha servido para comprender mejor a sus gentes y sentirse, desde el primer momento, como un soriano más. "Este iraquí de nacimiento siente de ahora en adelante que Soria y sus tierras sellarán una gran huella igual en su obra literaria como en su persona", declara el escritor y traductor. Cinco meses viviendo en la capital han servido para 'abonar' los lazos que ya le unían a antiguos amigos sorianos y también para hacer nuevas amistades. A todos ellos y "también a los que me ayudaron durante mi estancia y me facilitaron el trabajo de conocer la ciudad y sus historia antigua" Hadi Sadoun agradece el apoyo recibido y "la magnífica acogida" obtenida. No en vano, ya durante su estancia en la ciudad, el poeta iraquí se definía sin reparos como un soriano más, tal había sido el grado de afinidad con el paisaje y el paisanaje de la ciudad. "Siento que ya es una parte de mi vida. Me ha dado mucho: tranquilidad, descanso y conocer gente y sitios maravillosos. Ha sido un descubrimiento muy agradable. Agradezco al propio Antonio Machado y al premio esta oportunidad", explicaba a HERALDO DE SORIA en una entrevista el pasado mes de noviembre. En 'Asirio en Soria', el poemario que ha compuesto durante sus cinco meses de residencia en la capital ha querido realizar un homenaje a la jarcha, un género lírico que surgió en la España medieval musulmana. "Es una manera de reivindicar este género poético muy interesante, corto como el haiku, que merece la pena recuperar", comentaba en aquella entrevista. Aunque la beca ha llegado a su fin, Abdul Hadi Sadoun promete volver a Soria. "Aquí mi sombra se merma/ sombra de tentativas crudas./ Nos une el miedo, no el amor, querida/ por eso nos abrazamos", reza uno de sus poemas que compondrán su libro
'Asirio en Soria'.

19 ديسمبر, 2009

رواية (أجساد طرية) الجزء الأول

عبدالهادي سعدون
رواية (أجساد طرية)
الجزء الأول
"إلى أجسادهم الطرية...عجمي في متون الجبال و شاهين خلف أرنبه المبقع،لأن الأول لم أعرفه ولأن الثاني أجهله تماماً ... "

عليك أن تسمعها بهذه الصورة، فأنا لا أعرف عنها شيئاً لأنها وصلتني هكذا.يسمونها الجملة الأولى، لذلك حذروني من تبديلها. يحكون إن منها يبتدئ الكلام، يبتدئ التاريخ، تاريخ العائلة، هناك عند لوح نهاية العالم، وكأنها أول جملة نطقت على الأرض. بيني وبينك ـ يا صاحبي ـ فكرت بجملة أكثر فرحاً كبداية للتاريخ، للحكاية، للقصة، أو لهذه الرواية التي أظن بها رواية، رغم اعتقادي بأن من سيقرأها سيرجمني بألف حجر. بداية مفرحة تفتح لها الطريق، وتتعلق للأبد بأذهان من يعلم بها لاحقاً، رغم ثقتي بأن مصيرها لن يكون أفضل من تلك الأجساد الطرية التي صممت عائلتي الحفاظ عليها وكأن لا شيء غيرها يحفظ إرثنا من الضياع.مع هذا أنا لا أدعي الحزن وإن كنت أتحدث عنهم، هم لا غيرهم، حتى وإن كانت أجسادهم، الطرية، تشير لك وكأنك الوحيد المعني بها.ثم كيف أبتدئ بغير ذلك طالما كانت الجملة الأولى، حتى وأنا أقص عليك كي لا تجزع من بعد المسافة ولا تخشى الحديث بغير الفرح. رأسي لا يميز غيرها حتى وإن جازفت بحديث غير مترابط مثل حديثي الآن، أن أحكي وحسب، ذلك أنني بلا بداية مثل أي كاتب لا تسعفه الملائكة بجملة جاهزة تعينه على بياض الورقة الشاسع، فأتذكر ما قالته أمي نفسها عندما طلبت منها أن تسرني بما سمعت عن أبي والآخرين، بما يساعدني بعد حين أن ابني لي تاريخاً، أي تاريخ عائلتي، لأنني أجهل الأشياء والأماكن منذ فكرت بالهرب، فالهرب لا غير حكايتي التي أمط وأكرر في كل ما سردت سابقاً أو ما أقوله الآن.. تقول أمي: لا شيء آخر أبعد مما تعرف، لأنها تبتدئ من هناك، كأنها الجملة الأولى المنذورة لنا جميعنا، الأولى التي خلقها الرب لنا، لأن لا أصل للحكاية دون هذه الجملة الأولى، لا وجود لها أصلاً، لا وجود لنا.. هيا لا تتباطأ، قلها الآن وابتدئ تاريخك..قرب أذنك و أسمعها كيف ترن.. ها هي تخرج برأسها:فأقولها لك كي ابتدئ تاريخي.
ـ 1 ـ
لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد ، هي التي ستكون جدتي،عندما وجدوا عمها الخصي مدقوقاً من عنقه على الحائط مثل صور الملوك، فأصبح شكهم أنها ستحتفظ بذاكرة نقية، يقيناً مؤكداً.
لعلها كانت كذلك، ذاكرة بلون الحليب لا تفرق بين شجرة وظلها عندما أحضرها أبوها من طرف الحدود الآخر ظهيرة صيف، ملفوفة كالقرنبيط بعباءة سوداء، خيوطها تلصف، و تغطيها كلها سوى من ثقبي عينين. تركها عند عتبة دار الجد، قائلاً لهم: هي كابنتكم، أتركها بعهدتكم.ثم اختفى . ولم تره بعد ذلك.
ـ 2 ـ
لم تكن حلمتاها قد توردتا بعد، وما كانت تفقه من ثرثراتهم غير نعم مرفقة بهزة رأس.لكن جدي الأول قد قرر بسره أن يزوجها من أبنه البكر، الذي كان قد فهم الفرق بين أن يبول الرجل واقفاً ولا تستطيع المرأة إلا وهي مقرفصة.آنذاك كان جدي الأول مستمراً بمهنة العائلة: تحنيط الجثث.كان ابنه البكر يساعده ليلاً، ويحلم النهار بطوله، حتى بعد أن تزوج وأنجبت له من لا تعرف غير كلمة نعم أحد عشر بطناً، اختفى عشرة منهم وراء نداء كلاب شجيرات الخرنوب .كان ذلك العام الذي تلى فيضان دجلة المائة، منذ طوفان زيو سودرا السومري.لم تكن أجاثا كريستي قد ولدت بعد، لتزور ميزوبوتاميا برفقة زوجها الآثاري بنظارتيه البلاستيكيتين، لتكتب بعد حين روايتها جريمة في قطار الشرق السريع.كانت كلمة سياسة تعني كل شيء إلا السياسة .
ـ3 ـ
لكنها احتفظت بصفاء ذهنها.هي التي علقوا عمها المخصي من ذكره الذي لا يرتعش. ثم دقوه على الحائط كصور الملوك، من عنقه الرقيقة.استطاع أبوها أن يخرج بها، الليلة ذاتها، دون أن يراه الحرس.قال لهم: هي ابنتكم و افعلها معها ما تشاءون.كان الحد الفاصل بين الدارين، خيط لا يُرى يسمونه الحدود، له علامة تميزه من التشينكو المزنجر كتب عليها: نهاية العالم.عندما ماتت بعد أعوام ،وهي ما تزال لا تفقه غير كلمة نعم، لم تستطع أن تحقق حلمها بعبور الخط حتى الجهة الثانية. جهة دار الأب التي لا تبعد كثيراً. ولا بالطبع أسرت به أحداً، ذلك أنها لا تعرف غير هز الرأس بـ نعم، وليس لي علم بذلك لولا أنني أخمنه.دقوا عنق أبيها على الحائط مثل عمها، عند الطرف الآخر، ولم يعلمها أحد.ماتت أمها بعده كمداً وهي تلوك لقمة خبز يابسة، فغصت بها، فبهتت و مالت إلى الأرض.هي التي لم تتورد حلمتاها بعد، تهز رأسها وتقول: نعم. الكلمة الوحيدة التي تعرف. بينما استمر جدي بعمله في تحنيط الأجساد الطرية.كان ما يزال أمامنا أربعة أعوام لتولد أجاثا كريستي.و خمس وخمسون عاماً لتكتب روايتها: جريمة في قطار الشرق السريع.في ذلك العام "... ابتلع الحوت قمرنا العالي".
ـ 4 ـ
ما أن توردت حلمتاها، هي التي جلبها أبوها ظهيرة صيف، حتى أحست بحليب اللوز يطفر منهما بغزارة غريبة، احتاجت معها لقمعين يشدان على نهديها بـتكة مطاطية حتى لا تلجأ لتبديل ثوب بعد آخر. لم تعلم عجوز الدار سبباً له. قالت لهم: عليكم بتزويجها.رغم إن جدي كان يعمل مساعداً لأبيه، في مهنة العائلة الوحيدة:تحنيط الجثث، و يحلم كل نهاره بسر العائلة المتوارث، إلا إنهما وجدا خلوة لتعارك الساقين و التفاف الساعد بالساعد، واندلاق بطن على الأخرى، وطقطقة الظهر بقوة النخير واتساع الأنف للشخير. فأنجبا عاماً وراء آخر، أحد عشر إبناً، عشرة أولاد مفلطحي الرؤوس بغزارة في شعر الوجه، و صبية عملاقة لم تكن بحاجة لسلم كي تقطف ثمر التوت أو تثقب أوكار الزنابير بعصاها المدببة،العصا نفسها التي تسوق بها أشقائها من طرف إلى آخر قبل أن تفترسهم كلاب شجيرات الخرنوب.كل حبوب الخروع الشائكة التي يستخدمونها بتحنيط الجثث، كانت تجمعها البنت العملاقة بخضة جذع واحدة، لتدق وتنشر و تخلص من قشها وحشراتها، ثم تطحن و تخبأ في أواني تنكية يحتفظون بها في سرداب الجثث الطرية مع أعشاب و حقق دهون و خلطات عطور ونثار عظام حيوانات مفترسة، حملها لهم تجار طريق الحرير، عندما اختفى أسمه ولم تبق سوى بضائعه، التي تصلهم بطرق سرية لا يعلم بها أحد.
- 5 -
الآخرون الذين يلجئون لهم من جهات بعيدة ـ بعضها لم تكن لها أسماء تعرف بها ـ لم يكشفوا عن طرقهم السرية في الوصول.أشخاص يحملون جثث آبائهم أو أبنائهم ـ إن كانوا سيئوا الحظ ـ على مطايا وبغال أكلها الهزال، يخبرونهم أنهم أتوا من بلاد أشجارها ملتفة لا تمكنهم من رؤية شمس أو التمتع بحرق أشعتها، ويتلفظون بأسمائها وكأنهم على وشك العطاس. كلما اشتدت الحراسة عند لوح نهاية العالم، كانت البغال تزداد بحملها لجثث من بلدان بعيدة، يضعونها عند مدخل بيت الجد وهم يتأملون أن يجدوا قريباً قبراً لائقاً للجسد الذابل. لأنهم يرتضون بكل شيء سوى أن يدفنوا بعيداً عن هذه الأرض. " نبتعد ونتشرد ولكن لنحصل على كرامة الرقاد في أرض مباركة "؛ يقولون. يسمونها هكذا، بينما يهزون رؤوسهم وهم يؤكدون: هذه أمنية المرحوم و أمنيتنا أيضاً. ثم يناولونهم كيساً تخشخش بجوفه دنانير فضية، ويرجونهم أن يحفظوا الجثة طرية في سرداب البيت حتى العام القادم.العام القادم قد يطول إلى أعوام .أحدهم عاد ليطالب بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً.
ـ 6 ـ
الذي عاد مطالباً بجثة أبيه، سيكون جدي هو الآخر. لأنه سيتزوج بالعملاقة جدتي، بعد أن قطعوا لها كعبي قدميها الاثنتين، إذ تورمتا وهي تلبس حذاءين من طين مفخور.لقد خشيت أن تكبر قدماها وهي نائمة، فصنعت من طين الأرض حذاءين ولبستهما. جلست يوماً بأكمله تجففهما على حرارة الشمس.لم تكن تعرف من الحياة غير مراقبة أخوتها الذين تفترسهم همهمة كلاب الخرنوب واحداً واحداً ما أن تلتفت إلى مكان آخر، أو أن تقيس طول قدميها المخيف.افترست الكلاب حسيس أخوتها، و لم تشعر بقدميها تصغران حتى وهي تلبس حذائي الطين المفخور.كان ذلك قبل أن يقف الهندي ذو العمامة الملونة بأحجارها المزيفة قرب دار الجد مطالباً بجثة أبيه بعد ثلاثين عاماً من حفظها طرية في سرداب البيت.كان جدي قبلها بأيام من فقده آخر أولاده، قد قطع للعملاقة أبنته قدميها الاثنتين بفأس محمي.لأنها نامت والنار تأكل بلحمها، فانتفختا و سال دهن أصفر من مسامات الطين المفخور، له رائحة حيوان في سباته. أنتزع قدميها الفخاريتين بضربة واحدة وسمع لصوتها تهشم إبريق.صنع لها مقعداً خشبياً تتحرك عليه، بعجلات طين مفخور كذلك.
- 7 -
قال الهندي بكلمات مفككة: أبي... جثته... أريد!ضحك جدي للمرة الأولى بعد فقده عشرة صبيان، وانتقلت اهتزازاته إلى أطراف الخط الوهمي للحدود، فتحرك لوح "نهاية العالم" بإيقاعات تشبه الأنين.ولكن الهندي لم يشاركه الضحك، ولم يفهم سبباً له. بل كرر كلماته: ـ الجثة...أبي...أريد. لأنه لم يتعلم غيرها.بحث الاثنان في سجلات الورق المحفوظة في صندوق الجد، واكتشفا إن سرداب جثة أبيه قد انطمر منذ أعوام عشرة وجرفه السيل حتى أطراف الذي ما زال يسمى بعد بالبحر. تناثرت الجثث الطرية وتفسخت في بحر البطيخ الأحمر. تربة بحر من البطيخ الأحمر.لأنهم استغلوا انحسار المياه الأبدي وزرعوا البحر من بدايته حتى دار الجد قرب سراديب الأجساد الطرية ببطيخ حلو. حيث جلس الهندي يتذوقه للمرة الأولى مندهشاً بأذان منتصبة، و نسي نثار أبيه.أقنعه جدي أن يبقى ليساعده في مهنته.بينما أشار الهندي إلى العملاقة بلا قدمين. ولعله ابتسم هو الآخر.
ـ 8 ـ
مهنة عائلتي بتحنيط الأجساد ليس لها تعريف في أي قاموس.يسمونهم الناس (حفظة) دون أية إضافة.الكل يرون بعائلتي أملهم الوحيد، حيث يحتفظون لهم بالجثث طرية حتى يستطيعوا يوماً الانزلاق عبر الحدود والدخول حتى بقعة الدفن.أسم عائلتي لا يسقط عن أي لسان.قرر جدي أخيراً بطبع أعلان يروج لمهنته و تصل شهرتهم حتى أطراف الصين.كان ذلك الإعلان الأول في البلد، عندما دخلت أول مطبعة حديد بحروفها الثقيلة و بصقة حبرها الأسود الذي يترك أثراً لا ينمحي ، جاء في الإعلان بما يلي وسط الصفحة:بسم الله وبه نستعينإعلان عن تحنيط الأجساد الطريةالعبد الفقير إلى ربه يستجير برحمته لخدمة الناس المؤمنين على المعمورة.عميد (الحفظة) وعائلته تستقدمكم لأفضل خدماتها في تحنيط الأجساد. حفظ أمين وخدمة سريعة في أفضل سراديب المنطقة، حتى يأذن الباري بوصولها للتربة الشريفة. فسارعوا دون إبطاء ..والجزاء من الله، إذ لا نرجو حمداً ولا شكورا.وللناس النظر والدراية.ملاحظة باللون الأحمر: الإتفاق على الأسعار بعد أخذ و رد بين الطرفين.العميد و أبنائه مؤرخة بهجرة سيدنا محمد من عام 1317و بسنة سيدنا المسيح، الأولى من القرن العشرين .
البقية في:

27 نوفمبر, 2009

انتحالات عائلة و أسطورة الكائن العراقي المعاصر!




-انتحالات عائلة - لعبدالهادي سعدون واسطورة الكائن العراقي المعاصر !!



(( إنتحالات:عبد الهادي سعدون أو محروق إصبعه .. ! ))وبعض من حيل ووصفات أخرى


جلال نعيم
ـ كاتب عراقي يعيش في الولايات المتحدة ـ





( 1 )


(( ألفنّ لعب .. في أغلبه .. ))غونتر غراس


هي دعوة .. لا خلاص منها ( هل قلتُ فيها ؟ ) ..أن تدخل اللّعبة معناه أن تدخل .. ها .. أو إبقَ بعيداً .. ستكون أسعدَ منّا حالاً .. فقط تذكّر بأنّ ( مَن يخشى الإبحار .. يموت على الشاطيء ) كما قال الصديق إسماعيل خليل مجيد ، بمنفلوطيّة عذبة وراح يردّدها ويكتبها على الدفاتر والموائد ومحطّات الباص و مقاعد السينما ووصفات الأطبّاء ، وعلى حيطان القصر الجمهوري والمقبرة الملكيّة وخدود حبيبته و .. لكن ، ما كان له ولاحتّى نصف حبيبة .. ! أووووه .. إن هو إلا تأثير ( إنتحالات عائلة ) للكاتب العراقي عبد الهادي سعدون التي لا خلاص منها أو فيها .. وما علينا سوى أن ندخُل اللعبة .. (لُعبته هو ..)التي أدعوكم لأن نلعبها معاً ..


( 2 )


.. و لأنّه عبدالهادي سعدون فقد سبقنا لكتابة ( اليوم يرتدي بدلة مُلطّخة بالأحمر ) المجموعة والقصّة التي حملت المجموعة عنواناً لها ، حيث تحضر ( الثورة ) ( المدينة المُتنازَع على أسمائها .. ! ) و ( الخوشيّة أو الفتوّات أو القبضايات أو الزعران ..! ) و ( سوق مريدي) وغيرها .. وحيث يجيء العراق بهيئة رائحة مُدوّخة وإمرأة تشمّ رائحة البخور ممتزجةً برائحة ملابسها الداخليّة المحترقة ، بينما يُحضرون جثّة زوجها ( الخوشي ) ، القاتل والقتيل ، وقد ثقّبتها السكاكين والخناجر ..وفي الوقت الذي إستحوذ فيه العراق ، كبيئة وشخوص وأجواء ، على مجموعته الأولى ( اليوم يرتدي .. ) فإن ( إنتحالات عائلة ) تستوحي تجربة الخروج ألمليوني ، والأدق ّتجربة (درب) هذا الخروج الذي لوّح للبعض ك(خلاص) ولآخرين ك(منفى) و الإثنين معاً بالنسبة للأغلبيّة !!


( 3 )


من الصعب فصل قصص ( إنتحالات عائلة ) فهي مُتراكبة ، متداخلة ، وُيكمل بعضها بعضاً ، ولكنّها رُ غم ذلك تمتلك وحدتها العضويّة الخاصّة ، إستقلالها و تكاملها ، وهي في ذلك تشبه السيناريّو السينمائي ذو التتابعات المتزامنة ، المتوازية وغير المُتقاطعة .. ( هي رواية في قصص .. و قصص في رواية ) كما قال عنها كاتبها ورحمنا من لذّة الإعتراض على ذلك بالقول انّها رواية أكثر منها قصصاً أو قصصاً أكثر منها رواية !! ، وهو في ذلك إنّما يسجّل إنتحاله ( ألمزدوج ) الأوّل : قصص تنتحل شخوص وثيمة رواية .. ورواية تتبرّأ من ثقلها ، فتبدو على هيئة قصص ..!ربّما هي مُراوحة مابين ( الإرتباك ) و ( الإرتكاب ) .. أو لُعبة – غير- مسرحيّة يتبادل فيها الجميع الأقنعة ، يتركنا فيها المُخرج (ا ألكاتب هنا ) وحيدين في دهشة ذهولنا ..


( 4 )


يفتتح " عبدالهادي سعدون " إنتحالاته ب ( حراكة ) ويُعرّفها في متن نصّه كالتالي " كنتُ في قارب وسط البحر ، هكذا من لا شيء – بلا بداية ولا وسط ولا أعرف حتّى اللحظة لها نهاية – وصاحب القارب يُسمّونه ألمُنقذ ، وزبائنه كلّنا يُسموننا حراكه ، أعني تسميتنا نحن الجالسين الآن وسط القارب في حكايتي التي أبتكر .. " ( ص 13 ) .وهو ( يبتكر ) لنفسه حكاية لأنّه كما قال مُفتتحاً القصّة : " لأنني بلا حكاية مُقنعة ، فإنني أبتكر امامكم حكايتي الخاصّة " ( ص13 ) .و ( حراكة ) ، كما هي المجموعة كلّها ، هي لُعبة (إفتراضات) أو ( إنتحالات ) ، يمتزج فيها ألواقع بالإبتكار لأن ألحقيقة غير مُقنعة ، والواقع ( أضرب ) من الخيال : " فأنا لا أعرف مَن انا كما يُردّدون " ( 13 ) إنّهم يفترضونه ، ولذا عليه أن يبتكر حكاية لإنّه ليس " بمُغترب ، و لا هارب ، ولا حادّ الأسنان ، ولا منفعة لمسح الأكتاف ، ولا منفيّ ، فلا أنت أبيض ولا أنت أسود ، فمن تكون بعد أكثر من باب و أكثر من بحر ؟ " ( 13 ) .و هكذا يُصبح مثل قبطان ( مظفّر النوّاب ) يرسمون بحرا من الحبر _ ويا غافل يا أنت لكَ الله .. !! الآ إنّه لا يطلب منهم او يأمرهم بأن يدفعوه ، و إنّما فقط يفوز بقبولهم ، أن يعبر الى ضفّة أخرى لا يعرفها .. ولكنّهم يأخذونه في عرض البحر ، يدورون به لُيعيدونه الى نفس الوجوه نفس الضجيج ونفس المكان .. هو إفتراض آخر إذن ، إفتراض العالم الذي تتغيّر أسماءه دون أن تختلف ملامحه .. وحيث (المُنقذ) يشبه (رئيس الوزراء) .. كلاهما يطرح السؤال نفسه : " ما هو الشيء الذي يحيطنا ولا نحيطه ، مثقوب بلا ثقب ، أسود ولو كان بلا لون ؟ " (ص 16) . وبينما يُسوّد (رئيس الوزراء) أعمدة كلماته المُتقاطعة دون أن ينبس بشفة ، فان (المنقذ) _ الذي يحلّ محلّه _ يُذكّرهم بالمصير / مصيرهم " إنّه البحر يا اذكياء ، وليس لكم غيره ، أنتم حراكه ولا مهنة لكم غيرها ، وانا المُنقذ . مُنقذكم . موعدنا مُنتصف الليلة . "وحالهم في البحر مع (المنقذ) كحال البلاد تحت سلطة (رئيس الوزراء) ، المنشغل بالكلمات المتقاطعة ، وأشباهه حيث ( صوت الماطور يذكّرني ببحر لا أرى من موجه غير الرّعب في وجوه المُتراصّين ببعضهم " (ص18) . و " الكلّ متشابه ، فهو شبيه بلحظتي " (ص19) وكذلك تتطابق حال البلاد مع البحر " .. أقدام تغادر .. إلى اين والبحر بلا موطىء " (ص19) . و يتطابق (الخروج) مع (الدخول) و(المُغادرة) ب (الوصول) : " أراقب أين أنا ، فأجدني محاطاً بالوجوه نفسها التي تركتها منشورة كأجنحةقبّعة عريضة تُراقب أفقاً لا يتحرّك . إنّها محطّة الترانزيت نفسها " (ص19) .أهوَ العالم ، يوم يفقد الإنسان ( مركز ) وجوده ، فيُصبح دوّامة لا حدود لها ..؟!


( 5 )


و إذا ما كان بطل " حراكة " ، أو مَن إنتحلَ دوره ، كان مربوطاً في قارب أو عليه ، فإن ( تزوير أو محروق إصبعه ) نجده مربوطاً إلى بغل : " أجرّ جسدين في آنٍ واحد ، البغل و أنا ، والبغل ألذي يجرّني .. " (ص24) هكذا يستبدل (رئيس الوزراء) و (المُنقذ) ب(البغل) الذي سرعان ما يصبح مرشده : " أتركه يمضي بجسدينا إلى الأمام لأنّه يعرف الدروب الموصلةأفضل منّي . " (ص24).ها هو ذا يبدأ رحلته مُجرّداً ، عارٍ من كلّ شيء ، حتّى من إسمه وملابسه بحثاً عن " الأمام " و " هو الأمام دائماً ، " لإنّ الخلف مطروح ومنسي ومتروك ، ما أن تضع أوّل خطوة بعد أسياخ القفص " (ص22) ولإنّ هذا ال( إلى أين ؟ ) هو ( إلى اللا أين ؟ ) في الوقت نفسه ف" تشد ّأوتادكَ إلى ريح وترحل" (ص22) ، وتُصبح " فحولة القدمين " ملاذه الأوحد :" جرّبت الجبال المتناثرة مثل القار ، والوديان التي تحصر اراضٍ اخرى. حملت أمتعة وإجتزتُ حدوداً لم يتعرّف عليّ حرّاسها . نقلت أوعية تنبعث منها روائح تبغ و شاي وقالوا لي إنّكَ كالكردي لا تهدأ له قدم ، فإمضي إلى ألامام حتى تصل " (ص22) . و " تصل ولا تلمس الأمام .. " (23) " الأمام لم أره إلإ بالكلمات ، كلمات المُرشد ، كلماتهم " (ص23) .ويبدو إنه ، هنا ، قد خاض بعيداً في دوّامة إغترابه ، فهو ليس بلا حكاية مُقنعة فقط ، مثلما كان في "حراكه" ، وإنما هو بلا إسم ايضاً ، وبينما كان (هناك) ينتحل الحكاية تلو ألأخرى ، مُستعيضاً بها عن حكايته ، فإنّه هنا لا يقوى حتّى على (إنتحال) إسمٍ له :" أصبح مُرشدي يناديني محروق إصبعه ، تعال يا محروق وإمض يا محروق ، ولِمَ لا تطبخ لنا محروق إصبعه يا محروق .. " (24) . ومحروق إصبعه كما يعرفها العراقيّون هي أن :" نجمع ما خبّأناه من كسرات خبز مع ما تبقّى من مُعلّبات ومرق وخضروات ذابلة فما نجد ، بالزيت أو بدونه ونطهيها كلّها معاً ، نأكل ونحترق في ألمعدة وأصابعنا تنشوي لأننا لا ننتظرها تبرد ، فاذا بردت تصبح أكلة أخرى ، باردة ، غير طيّبة ، إسماً آخر " (ص23).أي بلا إسم ، مثله بعيداً عن ال(هناك) ، الذي إنّما كان (هنا) ، وعندما يخرج من ال(هنا) ، يتزوّر ويحتاج إسماً آخر .. تعريفاً آخر لروحه وجسده وهوّيته ككائن ، ولكن ، ولإنّه كان مُصادراً في ال(هناك) و لإنه ساهم في ذلك ، كما سنرى ، فإنّه ، وبعد أن عاش (إغترابه) تحت سلطة " رئيس الوزراء " ، فها هو يمخر في عباب(إستلابه) ، ذلك ألإستلاب ألمُطلَق ألذي عليه أن يحياه في حمّى إنطلاقه (إلى الأمام ) و(إلى الأمام دائماً) ..!هكذا (يستعمله) " المرشد " الجديد ، مع البغل ، في تهريب الآثار .." حجر .. هذا لوح .. لوح لا أهمّية له يقول المرشد لوح غير مهم ؟ .. " (ص26) . ويمضي كالثور (إلى الأمام) .. " وحتّى وأنت تصل ال(هناك)، في هذه المرّة ، لا تفتح فمك وتقول أنا ... مرشدكَ الجديد يبتكر إسمك الجديد ، يهزّ رأسه كذلك ، وأنت ترضى لأنّك أردت أن تخلع جلدك لو تطلّب الأمر " (ص30) .بعدها بزمن عصيّ على التحديد ، وبعد ان يضيف إستلاباً إلى إغترابه ، وينتحل له مرشده إسماً آخر له Abdulhadi (إذ ليس هناك من إسم أكثر تزييّفاً منه ، إسم مُنتحلَ بدقّة)(ص30) ، يبتاع له مرشده بطاقة للذهاب إلى المتحف ، حيث يتعرّف على المسروقات ألتي ساهم بتهريبها ، ولكنّه يراها بعينيه و يحسّها وكأنّها كائنات حيّة هذه المرّة :" أمرّ بإحتراس كأنني لا أريد لها أن تتعرّف على خطواتي .. " (ص31) و " ثمّ تبرق عيناك أيضاً ، وتلمس الحروف ، تحني رأسك وتسمع نبضها ، الحروف ، الصخرة، الحجر ، اللوح ، فيرتجف لإرتجافك " (ص32).وفي لمحةٍ رمزيّة نراه مدفوعاً للتعرّي مرّة أخرى ، كمافي بداية مشواره : " تنتفض وتشعر بالحرّ ، تخلع قميصك وتشعر بالحرّ ينساب على جبينك .. فتخلع كلّ شيء " (ص32) . ثمّ يحمل مهرّبات بلاده حيث ينطلق مُهرولا " تدلّ الاسهم على ألأمام .. تجري الآن إليه ولو أنّك لا تراه ولا تلمسه . تجرّب فحولة القدمين التي لا تشكّ بها أكثر من الآن ، وهي التي يعنونها حتماً . " (ص32) . تُلوّح (النهاية) هنا تقليديّة كاملة ، حتّى برمزيّتها ، وكأنّه سيصحّح جريمته ويعيدُ المسروقات إلى أماكنها ، لولا ان القاص يفخّخها ب ( ولو إنّك لا تراه ولا تلمسه .. ) أي إنه ينتزعها وينطلق بها الى اللامكان أو (اللا أين) الذي (لا يراه ولا يلمسه) ، ربما لإنّه مطعون بإغترابه هناك ، وقد لُعن بإستلابه هنا ، فإنّه في النهاية إنّما يتمرّد على نفسه وعلى عالمه برمّته ، لأنه لم يبقِ لا (أمام ) ولا (خلف) ، وإنّما (اللا أين..) الذي ينطلق إليه مجرّباً (فحولة القدمين) مرة أخرى ..!


( 6 )


في (طيران بالمقلوب) يدخل "عبد الهادي سعدون" في إنتحالات (العائلة) .. حيث يحاول (عمّه) المُفترَض إنتحال جناحي طائر .. فيسقط صريعاً ، بينما "ينتحل" ، بطلنا نفسه ، حلم أو إفتراض السقوط من أعلى بناية ، بناية حقيقيّة مُعاصرة ( وحيداً الآن إلا من فتوقات الريح وأنا أخترقها بإنزلاقي البطيء .." (ص38) وهو ، هنا ، إنما يتهاوى إلى الأسفل ، ربّما مُفترضاً أو يائساً ، من (الأمام) ألذي كان يلوب بحثاً للإنطلاق إليه ..!بينما يحفر في قصّتيّ (العنعنة) و (ونين) شيئاً من تأريخ العائلة ، تلك العائلة الخرافيّة التي لا تكفّ عن "الإحتيال" على الواقع الذي يبدو لها مفهوماً غريباً ، غير قابل للإستهلاك أو الهضم ! وهي تشكّل حلقة في ال(إنتحالات) ، تخرج عنها لأنّها مُعبأة بالحنين (لأن ثمة ذاكرة غير مُعطّلة ! ) ، وتتّصل بها لأنّها تُحشّد لنا أسباب الرحيل ومبررات البحث أو الإنطلاق (الى الامام ) .. فها هو (الأب) (الذي يحشو أذنيه بالقطن ليتجاوز "أنين" الواقع ! ) يُحمّل إبنه أشرطة داخل حسن في عربة شحن ويأمره بالمضي مُشدّداً :" لا أريد أن أراك في البيت إذا لم تتخلّص منها "(ص46) ، ثمّ يكتشف البطل بأنّه ليس الوحيد في ذلك " أمضيت الأيّام بحثاً عن ملجأ ، حفرة ، أو وكر كي أخبىء صوت داخل حسن دون جدوى . إكتشفت إن الجميع عندهم ذاك "الونين" ويبحثون عن طريقة ليتخلّصوا منه فيبعثون بأبنائهم محمّلين بعربات ، مثلي كي يطمروا صوته " (ص47) .هكذا يخلق "عبد الهادي سعدون" رموزه ، ببالغ البساطة والشفافيّة ، وببلاغة عالية في الرسم والإيحاء والتصوير ، ورفع القابلية على التعبير ، ليس عن فرد واحد فقط ، وإنما عن شعبٍ بأكمله ..الإ إنّه يبدو بأن اللعبة تستهويه ، فيتسع أفق نصّه إلى حدود غير متوقعة ، كما ( سنحزر ) أو نرى .. في قصصه وحكاياته القادمة .. !


( 7 )


ففي (مُخبرو أجاثا كريستي) يقترح عبد الهادي سعدون إسطورته الخاصّة ..فإذا ما دأب "القدماء" على إلقاء صفة (الإله) على الأصنام و التماثيل حبّاً ، أو خوفاً أو تقرّباً (زُلفى !!) للربّ ، فإن "عبد الهادي سعدون" يُعيد لصانع التماثيل عظمته وهيبته .. و هو مُمثّلآً هنا ب " مُنعم فرات " الذي "يختفي" بعد أن يجرؤ " إبن أخته " (أو من إنتحل صفته ) بأن يدخل (سرداب السرّ ) بحثاً عن " مشخوش " التمثال الذي طلبه " مخبرو أجاثا كريستي " منه ، وأغرقوه بالدنانير مُقابله ، هكذا يفعل فعلته " أنزل إلى السرداب ولا أرى شيئاً ، وصفوا لي مشخوش – بحثت الليل بطوله ولم أعثر عليه . اخبرتهم وقالوا لي إحمل ما تراه . قبل الفجر ملأوا عربتهم بكلّ ما طالته يداي . ألواح ومسلات ، رؤوس و رؤوس بعيون وبدونها ، بهيئة شياطين أو ملوك أو آلهة ."(ص62) ثمّ سرعان ما نكتشف بأنّها إنّما كانت (الخطيئة الأولى) ، وما تجرّه من لعنات " تركوني وحيداً مُنهكاً أعلى التلّ ، هواء ثقيل يحيطني ، فراغ ثقيل وروح فارغة "(ص63) و " قبل أن أعرف ما أفعل بهذه الخفّة والفراغ ، أسمع أمّي تصيح و لا تئنّ ، تقول إنّه لم يمُتْ ، وهو خالي ، فُرات ، ولكنّه لم يعُدْ الى حجرته ، ولم يعثروا له على أثر"(ص63) .هي لعنة آدم ، ولكن بشكلٍ آخر ، يُطوّعها القاص ليُعبئها بمحمولاته " أجلس على ألتلّ ولا أراه يُحيّيني "(ص63) و "تركت عملي أخيراً وحاول صاحب "القوقأة" أن يمدّني بالدنانير. هززت الرأس وإبتسمت وجلست عند بوّابة حجرة فرات التهم التبغ "(ص63) ثمّ يحمل (رسالة) فرات " حاولوا لمرّة واحدة أن تُدركو لغز أنف الكلب ، يشمّ رائحة جذر الطين . إقتربوا منّي وشمّو .. أحدهم يقول بكلّ ثقة : هذه لعنة السرداب، ألم أقُل لكم ذلك ! "(ص63) .ثمّ لأنّه مُقتنع تماماً بأنّ فرات ، لم يمتْ ، مثل كلّ الآلهة ، الإ إنّه غائب ، مثلها جميعاً أيضاً ، فيقول " أجلس كلّ يوم ، أخدّش ألحجر برؤوس وأجنحة ، شياطين وآلهة .."(ص64) وهو إنّما يفعل ذلك من أجل إستحضاره ، أو " دعاءً " له لأن يغفر له أو يعود " لعلّه يهتدي للطرقات ، لعلّه يحنّ أخيراً لخدوش اليد و نُدَبْ ألجروح وعروق التورّم من ضرب حجر بحجر و نتوء بآخر "(ص64) . وهكذا تصل اللعنة إلى أن يصبح رأسه من حجر هو الآخر ، بينما تنهال عليه الضربات " الضربات التي لم تتوقف ولم تخفت بعد في رأسي ، وأنا لا اعرف ماذا أفعل مع الرأس ، رأسي ، الذي نحته لي فُرات ، وهو خالي "(ص64) .هكذا تنتهي القصّة ، أو ، ربّما ، هكذا تبدأ .. قصّة إغتراب وغربة وإستلاب محروق إصبعة أو عبدالهادي سعدون أو ، ربّما شعب بأكمله .. برأس " سيزيفيّ " من حجر ! نحته "مُنعِم"/ أي (مانح النِعَم / في دلالة الإسم ومعناه ! ) و " فرات " ( النهر / خالق الحضارات ألأوّل)..وإذا ما كان اليوناني "سيزيف" يحمل على ظهره الصخرة بعد تدحرجها ، فإنّ حجر العراقي أو " عبدالهادي سعدون " أو " محروق إصبعه " مُعلّقة على الرقبة ، ولا فكاك منها ، لعنة حقيقيّة ، ينام بها ، و يفكّر بها ، ولا يتنفّس الإ عبرها .. والأدهى من ذلك الآن ، إن عليه بأن ينوء بحملها وينطلق (إلى الأمام ) بها .. " بينما قدماي تحملاني أبعد من أحجاره ، إلى أبعد نقطة من التلّ ، أبعد نقطة من الصحراء . " (64) .إنّه العراقي إذ يصنع إسطورته المُعاصرة ، الخاصّة به ، أو ربّما يجدر بنا القولْ : إنّه العراقي الذي صُنعت به أساطير و أساطير من أقصى العالم إلى أقصاه ..؟!


( 8 )


و قد تكون هي (لعنة السرداب) أو (الخال) " منعم فرات " ، الذي ينتحل وجه (الإله) .. أو ربّما هو حلم (العمّ) أو كابوسه ، بإستعارته جناحي طائر ، لينتحل السماءْ فضاءً له ، أو لعنة (الأم) و "ونينها " مع صوت " داخل حسن " ، أو هو تواصل مع " إبتكارات العائلة" ، أوهامها و توهّماتها ، ما يدفع (عبد الهادي سعدون أو محروق إصبعه) للدخول إلى " العالم الكبير" مُدجّجاً بالوهم والرّعب والإندحار .." منذ أن وضعتُ قدمي في مدريد ، وأنا أشعر في كلّ لحظة ، بأنّ ثمّة ثور سيباغتني ويُنبت قرنيه في خاصرتي " (مُصارعات ثيران- ص65) ، ليس لأنّه غريب عنه (هذا الثور) وانما (لإنّه)من فصيلةٍ يعرفها ، أو ، ربّما ، هي فصيلته.. ! فها هي (المُعلّمة) توبّخه "يالكَ من ثورٍ هائج"(ص68) ثمّ يقول "لإنّها تقول بأنّها مُعلّمتي وهي التي تعرف ما أكون ، فأجيب بهزّة رأس لا يترجمها الجهاز ، فتبادر بالقول أنت كذلك مثل الثور .. اعني إنّك ثور أيضاً البيضتان هما الدليل ، أو ، لنقل الرّجل ثور بشكلٍ آخر "(ص67) . إنّ صفة (الثور) التي تختارها له المُعلّمة ، وتنشغل بالبحث عن دلائل لها لا تتجاوز محاولة (المنقذ) في إبتكار إسم وصفة له (أو لهم) (حراكة) ، أو محاولة (المرشد) الذي سيسمّيه (محروق إصبعه) وغيرهم ..لإنّه – كما أخبرنا- بلا حكاية مُقنعة ، وبلا إسم و ..إلخ .. ثمّ ولأنّه (ماذا يمكن أن أكون غير مورو ؟) – كما يُعنونْ نصّ لاحق- فإنّ المُعلّمة – هي الأخرى- تُلصق عليه الصفة التي تختارها ، و التي لا تبتعد كثيراً عن شيء من صفاته ! " .. ويجيئون الآن ليفهموني إنّك تخشى ألثيران ، ثور يخشى ثور . ماذا تريد أن تقول لي ، قُلْ وخلّصني ؟ "(ص67) . هي أشباح (ثيرانه) ما يُطارده ، و يخلق (رهابه) الخاصّ به والذي سرعان ما سينقله إليها " كان لديها شوق كبير لأن احدّثها عن الخوف.ولأنني لا أحفل به سوى بلحظة وصول ثور مُباغت فكنت أبتكر حكايات ومعلومات أحيلها إلى وثائق سرّية ومعارك ووقائع عائلة وفضائح وحروب وهي التي تُنصت دائماً . تبكي ، تضحك ، ترتجف، تُطقطق أصابعها ، تُخبّىء رأسها في بلوزتها ، تطرحه على الأرض وعلى الفراش .."(ص69) .وهي تفرض عليه بأن يكتب "أنا أحبّ الثيران " مائة مرّة ، حيث "أكتب تسع وتسعين مرّة وأتاخّر عن المائة"(ص68) و كأنّه يخشى لعنة إله قديم ، أو يستحضره عندما يصل "المائة".. (ما أن وصلت المائة حتى سمعت أكثر من باب يُفتح . خرجت مُعلّمة إنسكلوبيديا ألثيران ..)(ص68) . هي (مُنعم فرات) آخر ولا بُدّ من أن ينقُل لها "لعنة سرداب" آخر .." لا أذكر إنّني كلّمتها عن حروب ، لهذا خمّنتُ إنّها تُمارس الإبتكار والوهم مثلي .."(ص70) .هكذا تنضمّ الى (عائلة الإنتحالات) فتخرج إلى الشوارع بعد أن " تنسى " إرتداء ملابسها .. يراها بالتفاتة من رقبته ، لأنّه يكتشف بأنّه مربوط في مقهى على جادّة الطريق بينما يلمح ثيراناً تجري نحوهما على إسفلت الشارع بدلاً من السيّارات ، ف" ينظر بعينين واضحتين لا ترمشان ، ثمّ يحني رأسه ويُبرز قرنيه نحو الكرسي ذاك . الكرسي الذي لم يتمايل ولم يأت بحركة لإنّه مربوط إلى التراب بحجارة تثبيت متينة "(ص74) .هكذا يُفاجئنا في النهاية ببروز قرنيه وإستعداده للتحدّي ، تحدّي الثيران ، فصيلته ، الا إنّه يكتشف بأنّه (مربوط) بلعنته ، التي قد تكون إغترابه وغربته وإستلابه ، أو ما يُمكن إستنباطه من النصّ و إنفتاح دلالاته و معانيه ..


( 9 )


في ( العاصور ) يدخل "محروق إصبعه ، او عبدالهادي سعدون " مرحلة (الإستلاب) المُطلَقْ .. إذ ينتحلُ ، هنا ، صورة " شارلي شابلن " في " الأزمنة ألحديثة " ليس بإختياره طبعاً ، بقدر ما هو إستجابة لموقعه في (العالم الكبير..) !وفي الوقت الذي يرى فيه "الصعلوك شارلي" كلّ ما حوله على هيئة (صامولة) عليه ضبّها وتضبيطها ، بتلك الحركة الآليّة المحدودة وبالسرعة ألتي تفرضها الآلة ، وتحت تاثير السرعة والتكرار ، يرى أنف مسؤوله (صامولة) يهرع إلى تضبيطها ، وكذلك أزرار تنّورة السكرتيرة وحُلمتها .. وكلّ شيء من حوله .. كلّ شيء ، فإن "عاصور" عبدالهادي سعدون ، بحكم الإستلاب الذي يحياه في ظلّ شروط المجتمع نفسه ، مضروباً في تسعة عقود من (التطوّر) ، يؤول به إلى ألمصير نفسه .. وهو ما سيقوده إلى التمرّد عليه أيضاً .." الذي سقط هو أنا ، فجئت كمن ينتقل من قُفّة عصير الرمّان إلى قُفّة كبيرة ( لا علاقة لها بمجرى نهر ولا شقّ بحر ) لا أوّل ولا آخر لها وبقربي عصارة من الحديد اللامع وصناديق من البرتقال."(ص76) " أتخيّل مشاهد عديدة بينما يداي تعملان قصماً بالبرتقال الممتلىء "(ص76) ." اخرج أو لا اخرج فالبرتقالات تناديني "(ص76) ، ثمّ وهو يرفض أن يتشيّأ تماماً ، فيبتكر علاقته بالأشياء " أحادث البرتقالات ، أسمّيها بما أعرف من أسماء و ما ابتكر من أوصاف وماضٍ ورغبات"(ص77) .و هو أيضاً يحلم باللجوء إلى هولندا لأن لها لون العصير الذي يعمله..!ولأنّه مُصادر " أغلب المرّات أقتنع بلا سبب "(ص77) .ولأنّه ضائع ، في مجتمع ، يوغل في تصنيعه فإنّه " مضيت من مكان إلى آخر مع ورقة سيرتي الذاتيّة بحثاً عمّن يقبلني أعمل عنده . ولأنّ الأماكن تشبه بعضها فكثيراً ما ينتابني ما إنتاب جدّي وهو يظنّ إن المدن كلّها شبيهة ببغداد ، فكنت أخطىء المحلات ، فأعود لها أكثر من مرّة أسأل أصحابها عن إمكانيّة تشغيلي"(ص78).ولهيمنة الواقع ، ألذي أحاله إلى "عاصور" أو "العاصور" بلغة الجميع " جاء العاصور ، مضى العاصور "(ص76) حتّى بات يعتقد بأنّه إنما ولد من فلقة رمّانة "خرجتُ من كؤوس "جبّار أبو الشربت" عند حافّة دجلة ، بعصير رمّانة ، لأصل عند الفندق وسط مدريد"(ص76) ولأنّه ليس إستلاباً فرديّاً ما يحياه ، ولا يبدأ به أو ينتهي به ، فإنّ له أشباه لا يمكن إحصاؤهم " يرميها بيدرو أو بيدرو أو بيدرو آخر .."(ص76) .ولإنّ ثمّة دائماً ، وأينما كان ثمّة "مرشد" و"رئيس وزراء" و"دليل" و"مخبرون"، فلدينا هنا "كبير طبّاخي الفندق"(ص76) الذي يشير له / أو يُشار له / ب(الكبير) ، والذي سنكتشف فيه إستمراراً آخر ل(مُنعم فرات):" الإشارة الآن هي إنّني أصبحت معروفاً للجميع بسبب من إهتزاز حدبة كبير طبّاخي الفندق ، الذي لم أرَه بعد ذلك ربّما لأعوام ، بينما يؤكّد الجميع بأنّه يراقب عملي كلّ ليلة دون أن أشعر به"(ص79). وينتحلُ الكبير ، هنا ، صفة إله آخر ، إله رأس المال المُعاصر .. فهو أقرب إلى"الأخ الأكبر" – الذي صوّره (جورج أورويل)في (1984)- منه إلى"مُنعم/فرات" ، أو آلهة الأساطير الأخرى "ومن ذلك إنّه يحسب قشور البرتقال في أكياس الأزبال ومن ثمّ يقيس لترات ألعصير ليتأكّد له إّني أعمل بنزاهة."(ص79).و (هو) ، مثل غيره من الآلهة ، رحيم طبعاً " ولطالما غضّ النظر عن برتقالة كلّ ليلة ، كما إنّه عطّل أجهزة المراقبة ليجعلني أمضي إلى غرفتي دون محاسبة "(ص79).و (الكبير) – مثل غيره من الآلهة – يُحبّ الطاعة والمُطيعين " وبعد كلّ مراجعة ليليّة يرى تعليماتي المُلصقة على ظهر العصّارة لتفادي خسارة قطرة واحدة ، فيوقّع على ترقيتي إلى درجة أكبر"(ص79) .و (هو) أيضاً ، مثل آلهةٍ عديدة ، يُحبّ (الأقوياء) ويحكي عنهم "يدقّ على صدره ويردّد بأنّ فرانكو كان رجلاً حقيقيّاً .. فحل أقول لك "(ص81) .ثمّ ، وبعد أن تكتمل صورته كإله العصر ، يبدأ (الكبير) بسرد إعترافاته كمُنتحِل ، أو كفرد من عائلة عبد الهادي أو محروق إصبعه ، في إمتداداتها الكونيّة أو العالميّة "ومن ذلك أمضي بحدبة مُصطنَعة ، تحسّسها ، لا تعتقد أنت الآخر بأنّها حُدبة حقيقيّة ، بل إنّها أسرار فوق أسرار ، جبل من شهادات وموت وحروب وزوغان عين والتهابات أحاول أن أغطّيها لأنسى عائلتي .. عائلتي التي تهيأ لها كلّ شيء من أجل ان تستمر كذكرى موجعة ، ليس لها غير إنتحالات والبوم صور وأسرار حتّى اليوم يكشفون عنها فتزداد مثل العفنْ ، بينما عليّ أن أغطّيها بحدبتي هذه .."(ص81) .كذلك يعترف (الكبير) بانّه إنما (ينتحل) صفة (الكبير) إستجابة لضرورات عصره " .. المهم بأن تمضي بكونك الكبير أمامهم ، وجدران غرفتكَ مُزيّنة بشهادات وأوسمة وتزييف و صور وإبتسامات واهية ، أنا الوحيد القادر على إزاحتها "(ص81)ولأن "محروق إصبعه أو عبد الهادي" يكتشف هذا الإمتداد الواسع والعميق لأسرة إنتحالاته ، فإنّه عندما يخرج من غرفة(الكبير) ، بعد أنّ يسرّه بإعترافاته ، يشعر بإنتقاله العميق في الزمان والمكان " أخرج إلى عملي أو إلى غرفتي برغبة لقياس كيلومترات الخطوات على مدى أعوام وأعوام"(ص82) وهو إنتقال رمزي ، وفعل يوغل في إتساعه ..!فلقد كشف له (الكبير) السرّ الذي لم يكشفه له أيّ من (آلهته) الأخرىالسابقة ، التي إكتفت بالإختفاء ك(مُنعم فرات) مثلاً ، غضباً او حزناً ، وراح يتخيّل لعناتها تنصبّ على رأسه ، فسكنه ألرعب من أبناء فصيلته (ألثيران) مرّة ، وتحوّل رأسه إلى حجر في أخرى ، وفقد إسمه وذاكرته وهويّته من جرّاء ذلك .. بينما كشف له (الكبير) الحقيقة ، حقيقة الصراع ، وهو في أن تصبح (الكبير) أو تنتحل صفته (أمامهم) ، أي أن تصبحَ (جبّاراً) ولا بأس من ان تصبح (رحيماً)، فيما بعد ، فتتواطأ على سرقة برتقالة مثلاً...!* * *ويُعلن "بطلنا" :"ولأنني حصلتُ على ثِقته فقد أمرَ أن أنتقِل للعمل برفقته"(ص79)."للعمل برفقته" ولكن اين ؟؟!أن تترقّى للعمل معه ، وهو (الكبير) فلا بدّ أن يكون ذلك في موقعه ، في المكان الذي يليق به ، في السماء السابعة أو في (سماء/جنّة) عالمنا المعاصر ، لأنّه (كبير) يوغل في مُعاصرته " أمضي وأجيء مع الكبيرمن محلّ إلى آخر . آخرها في حفل تكريم حضرته وجوه تشبه ما أراه كلّ ليلة ، ولكنّهم يُنادونهم بألقاب وأوسمة وجاكيتات سموكن برفقة بياض وألوان طواويس بملابس نسائيّة "(ص82) اليست هذه (جنّة) عالمنا ألمُعاصر ؟ حيث ألطبقات (العُليا) تعيش وتعشّش في سماواتها السابعة ؟! اليست هي (الجنّة) التي تتطابق مع (الكبير) المعاصر ، الذي هو ( الاخ الأكبر) ممزوجاً بتراث له إمتداد الواقع وعمق الإسطورة ؟!" أمضي خلف الكبير من زاوية لأخرى ، يزيّن يأمر ، يشير ، يترفّق ، ينبح "(ص82) ولإنّ (الكبير) ليس بمُنعم ولا فرات ، الإله الغامض المُلتبس الذي إنتحل الغياب إختياراً ، ولأن محروق إصبعة وعى ذلك من إعترافه وهو (الكبير) ، فإنّه لا يتورّع عن وصف صراخه ب(النباح) ، أيّ إنّه لن يتحسّر على إختفاءه إذا ما (فعلها) كما تحسّر على مُنعم فرات من قبله ..ثمّ لأنّه (أجبر) على بيع "ذاكرته" ، و(أجبر) هنا لأنّه بدأ (في وعيه أو لا وعيه ) يكتشف الحقيقة ، ويّزيح (لعنة ألسرداب) عن كاهله ، كما إنّه (بأثر رجعيّ) يكتشف بأنّه ليس المسؤول عن تحوّله إلى (حراكة) ، في مركب أو بدونه ، لا لشيء إلا لإنه بلا (قصّة مُقنِعة) ، فقد كشف ألسرّ الآن و لذا فإنّه يعرف خواء (الجنّة) ألتي سيدخلها ، وإنّه سيواجه ثلّة من (ألمُنتَحِلين) – مثل (الكبير) - هناك .. بينما ( هو ) رغمَ تقاطر الأسماء على رأسه ، يعي إنتحاله ويعترف به ، و يعرف بأنّه لا يمكن لجنّة أن تحتويه ، فهو مثل "الصعلوك شارلي" بلا سماء يحتمي تحتها ، ولا ظلّ يلوذ به ، ففي غمرة (إستمتاعه) ب(آلته) الجديدة " يتطافر العصير على يدي أوّلاً ، وأحاول ان أتحاشى فورته ، يتصاعد وينسكب على المنضدة ، على الجاكيتات والوجوه والعيون المفتوحة على وسعها فتضيق فتحات العيون هرباً من الحرقة والدبق والفضيحة أمام فلاشات الكاميرات المُضاءة . يسقط الكبير ولا أرى منه غير حدبة عالية كتلّ ناشز وسط أرض مُنبسطة ببياض ملابس تبقّعت بألعصير واصبحت قريبة الشبه بعلم هولندا "(ص83) هكذا ، ولتأكيد قصديّة ما فعل ، ربما بلاوعي أيضاً ، هو إصطباغ الملابس البيضاء بألعصير لتُصبح شبيهة بعلم حلمه (هولندا) حيث يريد (اللجوء) ..!ولإنّه حاله كحال "شارلي الصعلوك" ربطته أزمنته الحديثة ب(آلته) فأنّه "يضبّ" انف مسؤوله مُعتقداً إنه "صامولة" :"ولأنني مُتغافل ومستمر بالعصر ، تنزلق الصحون ، وتنزلق أيدٍ من كلّ مكان لتحملني خلف ستارات ، خلف أبواب ، خلف بنايات وترمي بي .."(ص83) .و (هو ) الآن ، لا ينطلق (إلى أمام) مثل ثور ، لإنّه ما عاد له أمام بعد أن إكتشف أسراره ، فقد جرّب ، في رحلته ، ( الدليل ، والمخبرين ، والمنقذ ، ورئيس الوزراء ، والمعلّمة ، و .. الكبير أخيراً ) ، لذا ينظر إلى قطعة "التشينكو" المُعلّقة على البناية ب "جملتها السحريّة" :(البناية مؤمّنة من الحريق) : " انهض إلى المطبخ . أخلّص الرفّ من البرتقالات برميةٍ واحدة .أعود حاملاً عُلبة ثقاب "(ص83) .


( 10 )


تتّخذ (( إنتحالات )) عبد الهادي سعدون ، شكل (( الأحجيّة )) أو (( الحزّورة )) كما نسميّها في العراق و (( الفزّورة )) في بلدان أخرى ..(( لأنني بلا حكاية مقنعة ، فانني أبتكر أمامكم حكايتي الخاّصة ))(ص13) هكذا يبدأ (حراكه ) إفتراضه / أو ربّما إعترافه / ثم يبدأ بسرد حكايته الحقيقّية بغضّ النظر عن مدى قابليتها على (الإقناع) . انه يقفز بالواقع الى(الإفتراض) ( الإنتحال هنا ) ليحمّله فانتازياه ورموزه الخاصّة .. أمّا ما يسمّيه (وهم) فسرعان ما يتحوّل الى (رمز) ..دون أن ينسى لذّة (الحكي) التي يطرب لها بينما يتركنا مُعلّقين في شبكات رموزه ، وصولاً الى (النهاية) التي كثيراً ما يُحيلها الى (فانتازيا مُطلقة) ليس لدفعنا للإيغال في المتاهة ، وإنما ليكشف لنا السّر / أو يكثّفه أو يزيد شحنة الإيحاء به / لتنفتح دلالاتها وتتسع معانيها .. وهي في ذلك إنما تتطابق مع (( الحزوّرة )) التي تنكشف عند الوصف الثالث والأخير للشيء المُراد معرفته أو حزره ، وتقف على طرف اللّسان من دون ان تفصح عن نفسه ، أو تنطق ذاته ، ولذا يجب أن تردّ الإحتيال الذي مُورسَ بحقّك كقاريء ، بأن تحتال عليه ، وتعود مع حكايته خطوة خطوة لتتشكّل في ذهنكَ من جديد ، ربّما ليس كما أراد لها كاتبها (المُحتال الأوّل ) وإنما كما إنفرطت من فمه أو ( قلمه ) وهو في أقصى لذائذ فرحته إذ ينصب لك الفخاخ الواحد بعد الآخر . . عندها أيضاً تتكشّف لك بعضاً من أخطاءه ، لأنّك أعدت إنتاج أو إفتراض الحكاية من جديد ، وباتت ، في ذهنك ، ربما ، أكثر منها وضوحاً على قلمه : ففي الوقت الذي إفترض فيه علينا إيمان ( العاصور ) بأنه (خرج) من كؤوس (جبار أبو الشربت ) بعصير رمّانه ، نجده يتحسّر بعد ( عشرين سطراً من الحجم الصغير ) بأنه " كنت قرب (( جبار أبو الشربت )) واحداً من المتمتعين بالشراب الوردي يتألق وينساب رطباً في بطوننا .."(ص76) وهي ( شطحة ذاتية ) من الكاتب وليس من أحد مُنتحليه ، نصطادها ونفوز بها ، لأنه تحدّ باتفاق الإثنين ( القاريء والمقروء ) ولا نقصد المقروء له فها هي همومه الذاتية ورؤاه تتسّرب دون أن يتمكّن من إلصاقها بواحد من ضحاياه العديدين الذين يرتدي وجوههم ويُصوّر لنا ذلك وكأنه قناعاً يلوذ به ، بينما هو وجهه ، وأعني وجهه العراقيّ الأوّل الموضوع على هيئة صورة في بطاقته وجواز سفره وبيانات إقامته في مدريد منذعام 1995 ، بينما يأتي تأكيده باطلاق أحدهم إسم (Abdulhadi ) على (محروق إصبعه ) لغرض المسكنة والتماهي ليعلن لنا إنه ضحيّة مثلنا أو مثله بينما يواصل تفخيخ رؤوسنا بانتحالاته ..


( 11 )


هل قلتُ بأن (( عبد الهادي سعدون )) وليس محروق إصبعه هنا ، قد أعاد صهر الألم العراقي والتجربة العراقية في (( انتحالات عائلة )) ليصوغ منها رؤيته ورؤياه للعراق والعالم..؟لا شك بأننا في (( انتحالات عائلة )) سنجد أكثر من مساحة للإجابة . . وكذلك أكثر من سؤال .. !



02 أكتوبر, 2009

شهادة../ عن حسن مطلك

حسن مطلك :

فقط لو يتركون مرفقيه على قاعدة الشباك

صورة: حسن مطلك

عبدالهادي سعدون

" لكن الجميع يعرف أن الرجل الحقيقي هو الذي يحذف ساعات الخطر الحقيقية ويقترب من القرار بألغاء صيغ التعجب في تحجيم الذات. لم يكن ثمة وهن في تلك اللحظة " دابــادا


لم ألتق حسن مطلك ولو لمرة.
لكنني أعترف هنا بأنني أعرفه جداً، إلى درجة أظنه أقرب لي من كثير من الأدباء الذين تعرفت بهم عن قرب أو عن طريق القراءة. ولكن الحديث عن عدم الالتقاء لا يعني بالتأكيد بعدي عنه، بقدر ما يعني إننا لم نتواجه ولو لمرة. ولكننا بأية حال من الأحوال التقينا مرة واحدة وحيدة وجهاً لوجه. أقول وجهاً لوجه ولا أقصد بها لعبة أدبية أو نوع من خيال حكائي مطلق، بل هذا ما جرى بالتحديد.
زرت (إسديرة) للمرة الأولى والأخيرة لتواجدي في العراق قبل خروجي إلى إسبانيا تحديداً، وكان ذلك على ما أذكر نهاية عام 1992 أو على أبعد تقدير بداية 1993. كان حسن قد أعدم. ولكن صلتي الدائمة بشقيقه محسن الرملي حتى بعد تخرجه من الجامعة وخدمته في الجيش وعودته إلى قريته كانت في تواصل دائم عن طريق الرسائل. الرسائل التي كنا نتبادلها ونبعث بها بشكل سري وبطرق غريبة ومختلفة مثل عاشقان يخشيان انكشاف سرهما أمام الأهل. لم نكن نخشى حقيقة ولكننا كنا نعرف إنها الطريقة الأكثر أمناً بوصول رسائلنا، وبهذا كنا نستمر بإرسالها عن طريق الأصدقاء الماضين إلى القرية ومعهم في عودتهم من القرية إلى بغداد. وطوال تلك الفترة كنا نتواصل بالحديث عن كل شيء، وكل شيء كان حسن مطلك، وأعني دابادا وأعني شاهين وأعني هاجر وأعني حلاب وأعني الحمار قندس أيضاً. عن طريق هذه الرسائل وغيرها من أفواه الأصحاب وما يتداول بشكل سري أو علني في المقاهي وأقسام الكليات حيث كنت ما أزال أدرس، كان حسن كمقيم أبدي معي. لم أكن أجرؤ الحديث عن أشياء كثيرة أمام الجميع، ولكن جلال نعيم ومنذر الحلو كانا على إطلاع تام على ما كنت أعرف به وأخفيه عن الجميع في الكلية أو في الجريدة حيث عملت لفترة بسيطة، وكنت أمارس البله والجهل لأتوافق مع حالة بلد يمضي سائراً في نومه حسب تعبير لوركا في قصيدته المعروفة.
في نهاية الثمانينات تعرفت أولاً بمحسن كزميل دراسة ولم أكن أسمع بعد بأديب أسمه حسن. ولكن تطور زمالتنا إلى تفاهم ومن ثم إلى تقارب في الحديث الدائم عن الأدب عشقنا الكبير كان يحدثني دائماً عن حسن وآراء حسن. وكنت في كل مرة أكتب شيئاً وأنتظر رأي محسن فيه، كان يحمل لي رأي حسن أيضاً بعد عودته من القرية. إلى درجة تأكدت فيها بان حسن كان يعاملنا مثله لا نقل عنه أو نزيد، بل كان أغلب الأحيان يؤشر إلى نقاط عديدة فيما كنا نكتب ويؤكد حرفتنا وانشغالنا فيه، بل يضيف بتواضع بأنه يتمنى لو يستطيع أن يكتب مثله. بعدها قرأت قصص متناثرة له في مجلات أدبية، واحدة منها فازت بجائزة رسمية، والعديد منها أطلعت عليه في مجلة الأدب الشاب آنذاك وأعني بها مجلة الطليعة الأدبية. ولكنني عرفت حسن بشكل حقيقي لا مجال للشك فيه وبقدرته كأديب حقيقي في مجال القصة والرواية في بلد مثل العراق يضم أسماء قليلة جداً جديرة بتسمية قاص وروائي، كان ذلك بعد تسلمي رواية دابادا، حملها لي محسن معه بإهداء حسن مطلك، وهي النسخة نفسها بإهدائها التي أحتفظ بها في مكتبتي الشخصية في العراق.
يجب أن أذكر بأنني وجدت صعوبة آنذاك بإتمام الرواية أو معرفة خاصيتها الأسلوبية والحكائية، ولكن أشياء عديدة لا أجد لها تفسيراً أجبرتني على قراءتها كاملة حتى وإن لم أدرك حرفيتها أو أمسك بخيوط الروي فيها. وهذا الحال تكرر مع العديد من الأصدقاء الذين لم يستطيعوا تجاوز أكثر من عشرين صفحة على أكبر تقدير. منهم جامعيون وأساتذة بل حتى أدباء ممن ينعتون بريادتهم وجدارتهم كروائيين، بعضهم كتب عن ذلك وآخرين آثروا الصمت وعدم التطرق لذلك.
ذلك الصمت وعدم التجاوب مع رواية دابادا، والذي شكل صدمة كبيرة لحسن نفسه، كان بسبب من أن الرواية فاقت بسرعتها وتجاوزت بضربة واحدة محطات عديدة في مجال النثر التي كانت الرواية العراقية وما تزال، تراوح فيها. ما هو مفهوم الأدب، كيف ننظر للرواية، الأسلوب، التقنية، وما إلى ذلك؟ كل هذا كان حسن قد تجاوزه. ولكن غيره كان عليه المرور بأكثر من كتاب ورواية حتى يصل إلى ما وصل له بأول أنجاز روائي. ولكن لفهم خاصية حسن التي ربما بدت جديدة في الوسط الأدبي، هي قدرته اللغوية الكبيرة، معرفته بالمدارس الأدبية قديمها وحديثها و صبره على الإنجاز وعدم التسرع، وهو على حد علمي قد كتب دابادا لأكثر من خمس مرات. كان في كل مرة يمزق ما كتبه ليبتدئ من جديد. ولم يكن ينتظر سوى أن يرضى بحلتها النهائية.. أتساءل الآن، كم حالة في الأدب العراقي والعربي مثل حالة حسن مطلك مع دابادا؟.
بعد قراءتي الأولى للرواية بعثت لحسن برسالة تهنئة وبنفس الوقت كانت رسالة تساؤل واستفسار ومعرفة المزيد. وعادت لي الإجابة برسالة رقيقة من كاتب يدرك تماماً ما هو إنجازه. كانت الرسالة الوحيدة أيضاً بيننا. تحدث فيها عن الرواية وكيفية الخوض فيها، عن الرمز في روايته، عن الواقعية المطلقة التي ينادي بها وهي الشاملة لكل منجز إبداعي معروف، عن شخصيات كنت سألته عنها. وكان من جملة ما أذكره من تلك الرسالة التي أحتفظ بها بين أوراقي في بغداد: هو تشبيهه للكتابة بحال إحدى القبائل الأفريقية عندما تحزن على ميت لها، إلى درجة تذرف فيها الدموع حتى تجف الأعين. كان يذكر بأن علينا أن نكتب كل ما عندنا في النص الواحد حتى لو شعرنا بأننا لم نعد نملك أية قدرة أو موضوع لنص آخر. كما لو أننا نكتب نصنا الأخير في الحياة.
في تلك الأيام أخبرني محسن بأن حسن سيزور بغداد قريباً، وأول ما سيفعله؛ "سيتصل بك و يلتقيك". كانت تلك المحاولة الأولى للقائنا ولم تتم. لم يأت حسن إلى بغداد، ولم ألتقه. لكنه أعدم بعد حين.
العودة لمعرفتي بإعدام حسن كان لها وقع كبير. كنا ما نزال تحت المطرقة نفسها حتى بعد انتهاء الحرب مع إيران، ولكن الحال كان يسير بشكل أسوأ، وكنا بين الشك واليقين ندرك أن شيئاً لا بد أن ينفجر. نحن، الحكومة، العالم. كل شيء. في تلك السنة نقل لي أحد الأصدقاء من إسديرة الوسطى قرية حسن، خبراً أكده لي اختفاء أخبار محسن عني. قال لي: لقد أعدم حسن! لمعرفتي اللصيقة بذلك الصديق ومعرفته بي، سرد لي أجزاء كبيرة عن كل ما جرى، أو ما ظن أنه جرى، لأن كل شيء كان آنذاك بمثابة أحجية وتراكم لغز فوق آخر.
قررت أن أمضي إلى إسديرة، ولكن الصديق أمهلني حتى يسأل محسن. في تلك الأيام وصلتني رسالة من محسن يمنعني فيها منعاً باتاً الوصول إلى القرية لأن هناك خطر كبير على حياتي، ولإدراكه بأن ذلك ليس بسبب سيوقفني لحظتها، أضاف، بان الأمر سيشكل خطراً واستجواباً على عائلة حسن نفسه وما يجر ذلك من متاعب أخرى. أدركت ما كان يريد محسن تبليغي إيـاه.
في تلك الأشهر البعيدة، كانت أخبار محسن قد انقطعت تماماً. لكنه من وقت لآخر يبعث لي سلاماً، وأحياناً كلمات متناثرة على ورقة صغيرة. كان يخبرني بها انشغاله بتجميع أعمال حسن. كتب متكاملة، قصص، أشعار، مذكرات، مشروع رواية. وكان يكتب أيضاً دراسة طويلة عن معالم دابادا. كان محسن يخشى آنذاك أن يمر الوقت وتبرد الهمة عن مشروع مثل هذا، حتى أتمه نهائياً بدراسة مهمة وطويلة فاقت المئتي صفحة من الحجم الكبير لم يترك فيها جانباً من دابادا إلا وأضاءه، وكان على حق في ذلك لأننا فيما بعد سنضيع ونتشتت ونفقد الوقت إلا درجة لن نستطيع أن نتذكر عبارات التذكر نفسها. في تلك الفترة جاء محسن إلى بغداد وبقي معي لمدة ثلاثة أيام. كنت في تلك الفترة قد عملت محرراً ثقافياً في إحدى الصحف وكنت قد نشرت قصيدة طويلة أسميتها " أعراس الكرة الأرضية"، وهو عنوان موح للذين يعرفون بأن رواية دابادا كان أسمها الأولي قبل النشر هو هذا، وكذلك أهديتها إلى الشهيد شاهين محمود، وهو بطل الرواية.
هذه المرة عدنا سوية. طلب محسن أن أرافقه إلى إسديرة. هناك في تلك الزيارة الوحيدة للقرية إلتقيت بـ حسن مطلك وجهاً لوجه.
حملني محسن لزيارة قبر حسن. لم أذرف دمعة ولم أكن أعرف حقاً هل قرأت الفاتحة على روحه أم ماذا فعلت لأنني أدرك الآن إنني ربما فكرت بكل شيء سوى ذرف دمعة أو قراءة الفاتحة، لأنني ابتسمت فقد كان شاهين بن محمود برفقتي وكان يبتسم لهذه الكش، ولأنه لم يخرج منذ اختفاء الأب وراء أرنب مبقع، ولأنه خرج الآن ولم تعد الأشجار أكبر من حجمها الحقيقي. تواجهت بحسن مثلما تركته. كان هناك أعلى التل، بقبر لا يدل على شيء، ممسوح بالأرض كأنه منها، تشكل موزاييك لوح وجهه حصى لامع وكبير تشيران بلا كلمات: هنا يرقد حسن بن مطلك صاحب دابادا ذلك " أنه لم يرد لحضوره أن يكون شبيهاً بغسل الأحجار قبل رميها في النهر".
في غرفة طينية في أقصى إسديرة الوسطى على مدى أيام جلسنا ثلاثتنا، أنا ومحسن وحسن. نقرأ، نتكلم ونضحك من نشيد (الكش) ذاك. في تلك الزيارة أطلعت على أغلب نتاج حسن غير المنشور، على المقابلة الوحيدة المسجلة له، صوته، أحتجاجاته، تواضعه الكبير، ومدى معرفته الجادة بما يريد أو ما يرى. حملت في عودتي إلى بغداد ما أستطعت، ومنها دراسة محسن عن دابادا. ولكن وجه حسن حملته معي أيضاً.. التقينا ولم نلتق وجهاً لوجه. ولكننا نلتقي كل يوم بعد ذلك وجهاً لوجه.
صورة: حسن مطلك في كردستان - العراق

***
هنا في أسبانيا، لا أبالغ إذا قلت بأن أغلب مشاريعنا يصححها حسن. لأننا في معاركنا وفي اختلافاتنا وتوافقنا دائم الحضور. أحكي عن حسن لأنه معي الآن، مثلاً وأنا أكتب هذه المقالة، ولا أريد أن أذكر " كان" وهو من الأفعال الكريهة له. كان ينادي بقتل كان، والتخلص من الصفات، والبحث عن لغة يشعر فيها الكاتب بأنه مبتدعها هو وحده، وهي ملكه، ميزته واختلافه عن الآخرين في آن واحد. عندما فكرت بكتابة الرمادية، كان شاهين يساعد البطل بإرشاده إلى السلم الذي به يعرج إلى السماء. في بلد متنقل أول من يطفر من فوهة الهاتف شاهين لأنه لا يستطيع أن يقول هاجر وهي أمه، ولأنه يقرر أن يمضي خلف الأب المختفي للحاقه بأرنب مبقع. في (ماوت) وجدته مرافقاً " عجمي" وهو في مواجهة بياض اشد نصاعة من الأبيض نفسه.
علي أن أصحح هنا إنني التقيت و ألتقي حسن مرات عديدة. نلتقي به كل مرة، أسماء وأسماء أفصحت أو لم تفصح، كتبوا على منواله وتأثروا به، وأكرر هنا ما قلته بحوار سابق معي بأن الأفضل البدء بقراءة الرواية العراقية المعاصرة بدءاً من تاريخ صدور دابادا، وهي نقطة مضيئة لا يمكن تجاوزها أبداً.
بعد مرور هذه الأعوام، أفتح الملحق الثقافي لصحيفة الباييس وأقرأ ما يلي عن مجموعة روائيين شباب في المكسيك حصل أغلبهم على جوائز الأدبية في بلدهم وهم يشكلون ظاهرة جديدة وصوت آخر مختلف عن نمط الرواية السابقة، وفيها يتحدث أغلبهم ـ يطلقون على أنفسهم جماعة الـ كراك ـ عن ما أسموه بأدب الواقعية المطلقة Realismo Total الذين وجدوا فيه معبراً جديداً عن إبداعهم الذي ظهر منتصف التسعينات. أضحك وأضحك وأترك لمرفقي حرية أن يسقطا على قاعدة الشباك وأنادي حسن:
ـ ياه يا حسن بن مطلك، حتى هؤلاء تأثروا بك و ينادون بواقعيتك المطلقة دون أن يعرفوك ولا قرأوا لك بعد.

( مدريد في 6/6/2001 ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (ألواح) العدد 11 سنة 2001م مدريد
*وفي مدونة حسن مطلك

قراءة في رواية (دابادا)

كل الأمكنة تصلح كرؤية للوجود

مقدمة للإقتراب من رواية (دابادا)


عبدالهادي سعدون


تــقــديــم:
في الرسالة الأخيرة لي قبل رحيله، كتب حسن مطلك:" إن علينا أن نُـسطر كل ما لدينا بصدق وحرص شديد وأن نمنح العمل الإبداعي طاقتنا القصوى حتى لو شعرنا بالنضب، وأننا لن نقدر على الكتابة بعد ذلك "(1). وشبه ذلك بحال إحدى القبائل الإفريقية عند حِدادها، إذ تُظهر حزنها بالبكاء حد شعورهم بجفاف العين من مائها... وكأنه يتكهن بمصير حياته؛ فقد غاب عنا بعد سنتين: أُعدم أثر اشتراكه في عملية انقلابية مناهضة للنظام عام 1990م.. ولكنه ترك لنا رفرفات روحه تُحلق فوق عواطفنا وأفعالنا ورؤيتنا للحياة وأسئلتها الأزلية.. غاب ولم يترك من مؤلفاته منشوراً سوى رواية بكر هي (دابادا)(2)، موضوع قراءتنا النقدية، وبضعة قصص لم تنشر في كتاب حتى اليوم.
--------------------------


1 ـ الواقعية المُـطلَـقة:
يجتهد حسن مطلك في عمله الأدبي الوحيد المنشور، ونعني به (دابادا) إلى التأكيد على جملة أمور لم تُمهله الحياة على إتمامها أو وضع صيغتها النهائية وجعلها حركة أدبية أو اتجاه طليعي جديد، فمن خلال أولى قصصه القصيرة حتى روايته (دابادا) شاء العمل من خلال ما أسماه بـ(الواقعية المطلقة) والتي كان قد ألقى عليها الضوء في أكثر من لقاء خاص ومنشور، مؤكداً أنه:" ليس ثمة فارزة أو حدود ما بين الواقعي والخيالي في الأدب.. أحدهما يكون ذراعاً والآخر رأساً واللغة روح لهذا الجسد الهجين"(3) فالواقع متداخل بالخيال والعكس صحيح، وأن كل ما هو خيالي، هو بالتالي؛ جذره واشتراكه العام واقعي بحت. أي أن عالمنا مطلق بكل نتاجاته واقعاً وخيالاً، وطالما كان للواقع خيال مطلق، فللخيال واقع مطلق وممكن. إن (مطلق) واقعيته يسبح بكل إنجازات الأدب ما بين خالص وهجين، وإن تناوله منها هو في حدود حاجة النص، وإن ما يخرج عن ذلك إخلال بالنص وبمطلقية الواقع الروائي. يقول في ذلك:" تأثرت بجميع الكتاب بما فيهم (المنفلوطي) ولم أُقلد أحداً. أنا مُـعلم نفسي"(4). وهنا يذكرنا بأسماء مثل: فرجينيا وولف، جويس، فولكنر. حيث يشكلون عند لوكاش خير الأمثلة على تخفيف الواقع في الكتابات التي تنحو منحى حداثوي. وهو في هذا إنما يستفيد من كل تجارب الأدب السابقة؛ من الأساطير والملاحم والتراث، إلى الواقعية الشعبية، الاشتراكية والواقعية السحرية ممثلة بماركيز، إلى الوجودية ونظريات الرواية الجديدة أو اللارواية.. حتى أنه يلجأ إلى القصص العلمي، بل كل فنون التعبير الذاتي ومنها السينما والصحافة، وهو ما نراه بوضوح من خلال قراءتنا لرواية دابادا.


2 ـ دابادا.. ما هـي؟:
إن رواية (دابادا) ليست برواية سهلة، إذ أن قراءتها تحتاج لوعي ونَـفَـس طويل ومتمكن من فك رموزها وخوض مسالكها الكثيرة الصعبة واسقاطات تداخل شخوصها وأحداثها وأمكنتها والأزمنة والأفعال المُحركة لها. رواية (دابادا) بقدر ماهي عصية عن الإمساك بجذورها الحكائية والمكانية والزمنية، بقدر ما يزرقها بمضادات القراءة السهلة أو القراءة ذات الاتجاه الواحد، كما يصف الروائي الإسباني خوان غويتيسولو ومن قبله جينيه الفرنسي.. إن رواية دابادا تشبه قصيدة غليظة مشحونة بحس الفجيعة المضحك. غائرة في تراثنا الاجتماعي الحالي وواقعها الأزلي ممثلاً بالتاريخ البعيد والحاضر، تاريخنا المشترك، تاريخ حضارة وادي الرافدين، أو هي، كما يسميها كاتبها،:" تمريناً شاقاً لتعلم الخطأ". هي رواية لا ترسخ اتجاهاً معيناً ولا تدافع عن أي مدرسة أدبية أو حركة بعينها، بل تتحدى كل قدسية تراثنا الأدبي، المحلي والعالمي منه. قراءتها تبدأ من مدلول (اسمها) وتسمياتها الأخرى الظاهرة والخفية. من تداخل أقطاب الروي فيها إلى الأصوات المختلفة النغمة والسرد، إلى الأزمنة الممتدة منذ الأزل إلى اللحظة الراهنة.. وكأنها مختزنة في لحظتها الحالية، لحظة خروج شاهين ـ بطل الرواية ـ من غرفته بعد عشرين عاماً من العزلة أثر اختفاء الأب وراء أرنب مبقع، وهي تمتد منذ كانت " الأشجار أكبر من حجمها الحالي". أو من لحظة مشاهدته للمكان/القرية للمرة الأخيرة وكأنه يراها للمرة الأولى.
دابادا.. صرخة الفراغ المسيطر على واقعنا، أمكنتنا المتداخلة والتي تلتقي في المكان الأوحد/القرية، مثل رمز قريتهم ذاتها، إذ تتفرع طُرقاً عدة من مكان (السدرة) الأسم الحقيقي للقرية في الرواية، ولكنها لا تشاء أن تفترق إلا لتجتمع عندها:" يبدو شاهين محايداً في وقفته تحت السدرة، محايداً تجاه كل مواضيع الحياة الممكنة بالنسبة للمارين به نحو مزارعهم باستثناء لعبة الانتظار التي يأمل أن تنتهي عندما يجد فيها بعض العزاء، على اعتبارات أن الأمر سـيثبت طرفاً منه بمثابة مـشجب لكي لا يـنزلق الـطرف الآخر إلى النسـيان"(5).
دابادا.. هي الصرخة الأولى للتكوين والخلق، صرخة الوليد، صرخة اللامعنى التي تُقاس بمعانٍ أخرى.. هي صرخة المكان ذاته بفعل مواقعته الدائمة ما بين الآن واللحظة القادمة… دابادا اللفظة الغامضة، العصية على إدراك فحواها منذ الوهلة الأولى وتحتاج لتدريب شاق للقاريء، مثلما فعل كاتبها (6). يذكر محمود جنداري في مقال حول الرواية:" إن كل أشخاص الرواية الذين يعلنون عن وجودهم من حين لآخر في الحياة وفي صورتها، في الرواية؛ هاجر وشاهين وشرار (الكلب) وعواد وعزيزة وحلاب ووزة وزهرة والحمار قندس والأرنب المبقع و(المعذَب صابر يوم الأربعاء بعد المطر) لأنهم كلهم مرتبطون بقوة أسباب الحياة. وبقوة أسباب البناء الروائي، مرتبطون بنسيج قوي لا يمكن أن يسيل من خيط واحد دون أن تتحرك بقية الخيوط كما هي حقيقة الحياة في القرية"(7).
إن نص دابادا الروائي بلغته المميزة وتكوينه الاهتدائي، إنما يُنشيء عالمه الخاص والخالص، الأولى:" يحاول ببساطة أن يعطينا لغة للفهم من خلال لغة الشعر. فهو من المنطلق الوجودي، حسب ما يذهب إليه (هيدجر) يحاول جعل اللغة ممكنة كمادة يتصرف بها لأنها مُعطاة إليه من قبل. وذلك لأن ماهية الشعر حقيقة لا تقوم في التدفق التلقائي للأحاسيس والعواطف، وإنما من خلال مجموعة مدهشة من النشاطات البشرية العلوية التي تجعل الموجودات معروفة من جديد من حيث المجازي الذي هو لعبة الأدب"(8).

3 ـ المكان.. ما هو صالح لرؤية الوجود.
يُدخلنا حسن مطلك عبر روايته في المكان الأول والوحيد الذي هو متفرع وأساسي تؤكده الوقائع المار ذكرها بين حين وآخر في متن الرواية. القرية كمكان.. الذي هو العالم الأكبر كطرف منه دون اللجوء إلى فرض عزلة ما بين عالم روائي متخيل، مبتدع وآخر هو عالم حسي، حقيقي للقرية التي تدور فيها الأحداث/الرواية. إن موضوع الرواية الوجودي كأي تساؤل أولي وأزلي يعتبر أي مكان في العالم فسحة صالحة للإنسان من أجل أن يخلق ويبلور رؤيته للوجود، ذلك أن معظم تساؤلاته الرؤيوية للوجود تنبع من الإنسان نفسه، الإنسان العادي أو الخارق أو مجرد ظله فوق الأرض. حضوره أينما كان فوق هذه الكريات الأرضية (أحد أسماء الرواية) حتى لو كان ذلك ممثلاً بقرية مجهولة في خارطة بلده نفسه. والقرية كمكان حدث واقعي وكمكان لوقائع الرواية كذلك، يشكل ثراءاً كبيراً لإغناء الحدث، لأن الأشياء في القرية لها حياة أخرى، حياة لا تشبه قرية أخرى أو أي مكان في أقصى بقاع العالم. فيها أليس هناك ما هو دون حياة.. تحسس الحياة عبر الأمكنة الماثلة والشاخصة منذ بداية التاريخ، يمنح رؤية دقيقة وواعية للوجود اعتماداً على تعامله مع كل الموجودات بذات الأثر الحي؛ شاهين، حزن هاجر، تجارب الرسم، النهر، الغرفة، التل، الوادي، الجبل، النباتات والأشواك… إلخ. تلك المسميات. وهو يشعر بوجع المسمار وهو يُدق ما بين طرفي المطرقة وضيق فسحة دخوله في الحائط، مثلما سيشعر بتفاهة ما يدعون إلى الخروج من غرفته وعزلتها الدائمة، أثر ضحك منفلت وصاخب لم يسمع بمثله منذ عشرين عاماً.. والبطل كرؤية الكاتب ذاتها يتعامل مع الأشياء جميعها كروح حيّة، والضحك لديه هو نقطة التلاقي في الجهات مع بعضها مثل التقاء الشرق بالغرب كما يصفها في الرواية.. والقرية رغم أنها منعزلة في الواقع وأحداث الرواية إلا أنها على تواصل مكاني/رمزي مع العالم، عبر الأخبار التي يحملها الراديو وعبر التقصي عنها حتى أننا نجد الأصوات تصدح بذكر أزمات العالم وأحداثها من مكان غرفة شاهين، نافذة تواصله ورؤيته للعالم، إلى الحد الذي يجد فيه تلاحماً حياً بين اسمه (شاهين) مع محنة (هيروشيما) يقول:" وضحك آنذاك بعد انطلاق العجلة الهرمة من جديد وانحدارها في واد. كانت هيروشيما معهما رغم الضوضاء…"(9).
إن هذه الإشارات ما هي كذلك إلا عُقد الشعور بالذنب أزاء الآخرين ونتيجة الإحساس بالضعف والخيبة اللـتين تلازمان شـاهين على مدى أحـداث الروايـة(10).
المكان لدى مطلك هو بقعة للرؤية، مثلما هو بقعة لإبراز الواقع، مثلما لكل كائن حي بقعته الخاصة كما يكرر الراوي أو بطلها باستمرار. مكانه الدائم/غرفته هي نقطة الرؤية للعالم، للبطل أن يشاهد، أن يخرج للأحداث، أن يعقب على الذكريات، على استذكار خذلانه أو ضياع الأب وراء أرنب مبقع، صمت الأم وحزنها الذي يعرفه ولا يعرف كيف يحييها أو يناديها: هاجر.. أمي. غرفته هي نقطة الالتقاء والانفراج، ومن " كوتها " يطل لاستعراض ما يدور:" الغرف مظلمة ما عدا غرفته لأنها مرتفعة. مكان دائم لتبدل الفصول. مكان خاص للنوم والطعام والعري...". حتى أن الأمكنة تتبدل في الرمز أو المعنى الإيحائي كما في علو غرفة شاهين عن علو بيت حلاب (شخصية التسلط في الرواية) عن بيوت القرية، ما بين رمزها التطهيري في الأولى عن إيحائية التمايز الطبقي في الثانية:" تغوص القرية خلف خيط التلال ويبقى منزل حلاب يدفع الضوء من نوافذه إلى مديات الطرق الفضية..(ص18)". وكما نرى فإن مكان غرفته/ تواجد شاهين، دائم رغم تبدل الأحوال أو المعنى الزمني، ففي محاولة وصف بيت هاجر وشاهين يقول:" البيت ذابل في مركز العالم..." لا حدود مكانية للقرية، هي في المركز، عند خط الاستواء أو إفريقيا مثلما هي بقعة نائية من شمال القُطر، أو أي مكان آخر في العالم، هي الممثل عنهم، ونظرتها تصلح كبعد مكاني لأي وجود آخر. إن أي مشهد صوري من وقائع الرواية هو صورة مكانية ما للقرية/العالم. مكاني وشخوصي متحرك رغم أنه أزلي فالـ" حياة مكرسة في مقهى صغير…(ص38)". إن صلة الوقائع مع المكان في دابادا هي؛ الممارسة الأزلية لطقوس الموت، من خلال الحياة. المكان الذي تتحطم فيه كل الحقائق لتنشأ على أشلائها حقائق تلبس أردية ملونة قابلة للتأمل والزوال " فالقاص يتأمل كثيراً بتشكيلات المكان الطبيعي ومن حوله ويعيد ترتيب بناء الأشياء المادية بلا محاولة إقناع تقليدي ومباشر، بل يلجأ إلى الإقناع الفني..."(11). إن بقدر ما للزمن من قياس حدي في الرواية ممثلاً في ثلاثة أيام بلياليها، هي زمن خروج شاهين من عزلته، والتي فيما بعد تمتد إلى بدايات اختفاء الأب قبل عشرين عاماً، متقاطعة من خلال لغة متماسكة أراد بها الكاتب أن يُصدر واقعه الذي يشهده من خلال بطله الأبله والطريقة المأسـاوية التي تـتصف بـها الحياة في المكان الذي يـعيش فيه ( ألا هي الطفولة)..."(12).
إن الأمكنة في رواية دابادا متداخلة في وضوحها وغائمة بدافع عمقها التاريخي. القرية، البناء المكاني الحالي فوق الأثر الحضاري ( الآشوري هنا أو أعمق بحيث يشمل كل حضارة وادي الرافدين) وصلتها الأركز والأقوى تمكناً من خلال تداخلها مع عمقها التاريخي كماضي أول وحاضر للتو.. بناء الحاضر فوق آثار الماضي، القرية/المشهد قرب، فوق، مع آثار آشور بكل قطعها وأمكنتها الأولى ملتحمة (مكاناً واقعياً) معها يقدر التحامها وجوداً مع الناس الذين هم بالسياق (العرفي) أبناء أولئك الآشوريين أو من خلال الصلة الآنية المكانية والتواجد الحتمي معها:" فتح النافذة، على اعتبار أن فتح النافذة، بل مجرد فتحها، كان يقرب إليه سماء زقورات الآثار: ها هي قريبة، ها هي. ويدخل فجر الحقول في غرفته... ساعة الحائط، رفوف القواقع، ملابس الطفولة ويداه في الظل مفتوحتان للإمساك بشيء ما..(ص38)". والحال ما تنطق به أحداث الرواية، إن العيش اشتراك مكاني ما بين الحالي والماضي، الأثري وما فوق ألأثر، الرفقة المتتابعة للانصهار فيما بين الاثنين. ونجد أن المكان ذاته من ضمن تصورات الوجود. الأمكنة تنطبق مع الأمكنة الأخرى، والأثر يبرز بين فترة وأخرى مع أثرهم الحاضر:" أما البيوت الأخيرة فيها... حيث ينمو الفطر في أكواب الآشوريين..(ص12)".
إذا كان محمود جنداري في وقائع قصصه الأخيرة، والتي تتخذ من التاريخ القديم بذرة تجريب إنساني جديد، ويرتأي فيها البحث في عمق المكان، أي نبش التاريخ كمكان دائم ومتداخل مع عمقه الآخر، فإن مطلك يعالج ترميمات البنية التاريخية في روايته (دابادا) ولا يجد مفراً من أن يطفر الأثر المكاني التاريخي بين حين وآخر كحيز حي وواقع حاضر. الإسقاطات التاريخية تُلمح كفعل حي من خلال السرد الروائي كحالة وجودية مكانية لها عمق رمزي. وهو يكررها عبر أحداث الرواية.
أقتطف هنا وصفه للأثر الآشوري المعروف (اللبوة الجريحة) ويعيد تصويره في أكثر من موضع من الرواية، مؤكداً رمزها الحاضر كواقع عن مأساتنا الخاصة ومأساة الإنسان بوجه العموم:" يرتفع أحياناً بين هندسة الوسائد حتى الإعلان السياحي؛ صورة اللبوة الجريحة. يقول لنفسه كلمة وهو يطيل التحديق في جلستها الملتاعة، وضع الابتهال والنجدة عبر العصور. يمكنه أن يفسر بلا معرفة وبلا أي شعور بنقصان الألم، لأن الإنسان الأقدم كان ينقصه التعبير عن الألم. يضيق بتوسلاتها فلا يجد مهرباً. الإنسان الذي يقدس صورة تعلو على توحل الحظ، في قائمتيها الأماميتين. ولكن آخرها قد سقط مثل كرسي محطم، فكها الهلالي، الجوف الملتصق بالجلد، مخالبها التي أهملت كخطوط في رقيم طيني لكي تخلد لحظة الاحتضار، كأنها كانت تنتظر المصور أن يتم نقشها.. تتحامل وتتساند قبل أن تسقط بمستوى الأرض وتسلم لذباب التفسخ. إنه يسمع نجدتها القادمة من قعر العصور حتى ساعة القيامة. صرخة ملتاعة صادرة عن أسفل القصبة الهوائية.. وقد صارت السهام عزيزة عليها.. لحظات طويلة أخرى. يرفع بصره حيث جروح اللبوة، مستنكراً ومعتذراً بشكل أسف..."(13).
المكان تخليد للحظة الروي، النظرة لذلك الأثر. وهو في تقصيه لا يمنحه اتحاداً مطلقاً مع الزمن، توهانه بهدف أعلى لا يلتقي مع زمنه، لأنه متجزئ منه كضلع آدمي يخلق أنثاه:" كان الزمن ضائعاً في فراغ المكان (ص21)" ومرة أخرى يقول:" يمد الطريق نفسه إلى هدف سري في الهاوية، لأن الهاوية في كل مكان".
إن تداخلاتها الكثيرة ورموز التنوير فيها والعتمة متلازمة، وهي خطوة الفهم المطلق للنص، إذ لا يمكن تجزئتها، وأن قراءتها كعمل روائي تقليدي بحكم الشكل الروائي السائد إجحاف في حقه.. فهي كأي عمل ذهني يحتمل قراءات متتالية. وفي كل قراءة إنارة لجهة أو زاوية صغيرة فيه. ولا أجدني مغالياً إذا وضعتها في مصاف وأهمية روايات ذهنية متميزة، أعمال احتجنا لقراءتها والقراءة عنها عشرات المرات وبمناسبات مختلفة مثل: الدون كيخوته لثربانتس، حكايات بورخس، أو نصوص التصوف العربية الاسلامية، أو التصوف الإسباني ممثلاً بغويتيسولو أو روايات تداعي الوعي أو أعمال غاية في ألإيقاظ والاسترداد الواعي لإشكالية الفرد وعلاقته مع العالم، مثل؛ يوليسيس، الصخب والعنف أو الفنار... رحلتها غوص في عمق الذات والمكان الشاخص منذ بدء الخليقة، ومحاولة خلق حضورها من عين البراءة والبدء ـ عين شاهين ـ ووصفها مع مدلولها في اللسان المرتبك، غير الواضح النبرة ـ لسان شاهين ـ. من خلال الآخرين، من خلال عيوننا نحن، أو حتى عين المؤلف ذاته كخطاب مباشر يعينك على تفقد؛ أن ما تقرأه لم يكن في أية لحظة عملاً خالصاً، وإنما استقراء لأفكارنا وقراءات أخرى قد تكون بحد ذاتها محتملة الصواب أو التخطيء:" أقص الوقائع ولا أدري. إنها الأكاذيب تأتي بها الروايات الواقعية عادة، ربما لم يكن الأمر صحيحاً وربما العكس، غير أنه مبالغ فيه...(ص105)". أو:" أقول شهدتها، لأن الكُتاب يشهدون على جميع مآتم الأرض ويتحدثون عنها، لأنهم أكثر المخلوقات بطالة...(ص129)".

4 ـ حسن مطلك.. الأثر القائم:
إن التعريف بحسن مطلك ونصه الروائي (دابادا) ليس سوى خطوة أولى لإظهاره إلى النور من جديد (بعد مرور 13 سنة على صدورها، و11 عاماً على رحيله) وهي محاولة لإبراز أهم ما تتضمنه أمام النقد للتصدي لها والاهتمام بجوانبها الأخرى التي لم نتطرق لها: لغتها، دلالاتها الرمزية، تعدد شخوصها وتداخل موضوعاتها الزمانية كذلك... كما أنني أذكر بأن رواية (دابادا) قد خلقت وأثرت في جيل أدباء شباب كامل، ولا أجدني مخطئاً إذا ما أشرت إلى أثرها في نصوص ظهرت بعدها في فترة زمنية مناسبة ولكُتاب عريقين في مجال القص العراقي المعاصر.
إن اختلاف (دابادا) عن ذلك الكم الهائل من الروايات والأعمال القصصية التي ظهرت في فترتها أو الفترة التي تلت، تكمن في أن " طريقة كاتب دابادا تختلف، بأنه يأخذ الأشياء التي تؤثر في الحدث، سواء كانت زمانية أو مكانية، وتناول العلاقة أو نوع العلاقة بين العالم والوعي"(14). إن نظرة متفحصة للرواية تدلنا بوضوح إلى قيمة وقوة اللغة وديناميكية النص الأدبي، وهو ما يستذكره حسن مطلك في إحدى المقابلات معه قائلاً:" لم احاول في يوم ما أن أجبر اللغة على قول ما لا تريد أن تقوله.. واللغة هي أنا فأحاول أن لا أكذب.. إنها ليست مجرد أداة للتوصيل، فهي تشمل الصوت أحياناً. المهم أن نجرب كيف نخطيء في اللغة بعد أن نتقن الإعراب.."(15).
إن رواية (دابادا) قد عانت التهميش المتعمد من قبل المؤسسة الثقافية أولاً، ومن ثم رقابة السلطة. الأولى: بدعوى (طليعيتها)!. والثانية: بعد أن تصدى لها بعملية مباشرة لتقويضها مما حدى بالسلطة إلى مصادرتها بعد تصفية الأديب. إن جهد التعريف بها بقي مهمشاً هو الآخر، ولم يصل إلى حدوده القصوى، وهي من المهام النبيلة التي علينا إبرازها في المستقبل القريب، لأن أثرها مازال قائماً في مشهد الإبداع العراقي... لقد قلت في قصيدة رثاء، بعد رحيل الروائي حسن مطلك، ونشرتها في ملحق صحيفة عراقية، أسميتها: (الكريات الأرضية) (عنوان مستمد من الأسم الآخر لرواية دابادا) وأهديتها إلى شاهين محمود بطل الرواية ولسان حال الكاتب. قلت فيها:
" ذاكرتنا بعيدة الوصول
ولكن آثارهم تقترب !".
-------------------------------------------
هـــوامــش:
(1)ـ مقاطع من رسالة حسن مطلك إلى عبدالهادي سعدون في عام1989.(2)ـ داربادا/رواية/حسن مطلك/221 صفحة/الدار العربية للموسوعات/ط1 بيروت 1988م.(3)ـ حسن مطلك/ مقابلة في جريدة (الطلبة والشباب) العدد253 الثلاثاء28/6/1988 بغداد.(4)ـ المصدر السابق نفسه.(5)ـ دابادا/الرواية ص176.(6)ـ يرد ذكر (دابادا) اللفظة في أكثر من موضع من الرواية، الصفحات:161،162،171،199،201.(7)ـ د جنداري/جريدة (القادسية)العدد3095 السنة10بتاريخ 5/12/1989م بغداد.(8)ـ باسل الشيخلي/جريدة(الجامعة)العدد 5 الأربعاء9آب1989م بغداد.(9)ـ دابادا/الرواية،ص133.(10)ـ صلاح حسن/جريدة(القادسية) بتاريخ27/9/1988م بغداد.(أزاء ذلك تحفل الرواية بإشارات الأماكن والأحداث العالمية كما في الصفحات:16،170،171،173،174.(11)ـ باسل الشيخلي،مصدر سابق.(12)ـ صلاح حسن، مصدر سابق.(13)ـ دابادا/الرواية ص64 ويعود لتذكرها في ص134.(14)ـ محسن الرملي/جريدة (صوت الشعب) الخميس 28 تشرين أول1993م الأردن.(15)ـ حسن مطلك/مقابلة، مصدر سابق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المقالة هي قراءة عامة كتبت لغرض تقديمها في ( ندوة القصة العراقية) التي أقيمت في لندن عام 1997.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (ألواح) العدد 11 سنة 2001م مدريد.
*وفي مدونة حسن مطلك

رسالة من حسن مطلك

رسالة غير منشورة لصاحب (دابادا)



الروائي العراقي الراحل حسن مطلك !


عبدالهادي سعدون

لهذه الرسالة قصة لا بد أن أقدم بها هنا قبل أن نمضي بقراءة ما جاء فيها.
وصلتني في ذلك العام نسخة من (دابادا) رواية حسن مطلك الأولى، المنشورة في بيروت، بعد أن رفضت لجنة وزارة الأعلام العراقية آنذاك السماح بنشرها بحجة مضحكة "بسبب من طليعيتها"!. هي النسخة نفسها التي تنقلت معي حتى مدريد والتي أعيد قراءتها على الأقل مرة واحدة في السنة. حمل لي نسخة الرواية، صديقي محسن الرملي ـ شقيق حسن ـ حيث كنا ندرس سوية في كلية اللغات وتعارفنا أساساً كان عن طريق الأدب والقصة على وجه الخصوص.
كان الكتاب الأول الذي يصلني بإمضاء صاحبه، لم يكن لي علاقة متينة بالوسط الثقافي العراقي، رغم معرفتي الدقيقة بأجوائه وكتابه عن طريق القراءة الدائمة، وعن طريق الصحافة التي اشتغلت فيها بوصفي مترجماً لمواضيع أدبية عن اللغة الأسبانية، وكنت أتجرأ في أحيان أخرى على نشر قصة لي هنا أو قصيدة يرضى عنها محرر هذه الصحيفة أو تلك المجلة. كنا نعرف بعضنا بشكل كبير ـ محسن وأنا ـ ونقرأ لبعضنا، ولكنني حتى اللحظة لم أكن قد قرأت لحسن مطلك غير قصة واحدة أو اثنتين.
ذكرت في مقالة سابقة (العدد الخاص عن حسن مطلك/مجلة ( ألواح)11 سنة 2001) بان قراءتي الأولى للرواية جاءت بلا فهم، وشكّل مسك خيوط تتابع أحداثها وشخصياتها صعوبة كبيرة، لم تواجهني شخصياً، بل واجهت أغلب الأصدقاء الذين قرءوها عن طريقي. بل أن العودة اليوم لقراءة المقالات التي كتبت عنها في فترتها، يكشف لنا سذاجة وضحالة وعدم فهم العديد من النقاد لها. ما يؤلم حقاً أن (دابادا) وبعد مرور هذه الفترة الطويلة، ما يزال يكتب عنها وبحقها مقالات سطحية، لا تمس سوى القشرة منها ولا تتطرق لعمقها وتفردها الروائي المتقدم. وهو نفس الألم الذي شعر به حسن مطلك عندما لم يجد من يتصدى لروايته الفريدة ضمن روايات فترتها والفترات التي تلتها، ليس في النتاج العراقي فحسب، بل على مستوى الرواية العربية. لعل من المناسب هنا الإشارة لما قلته في حوار سابق معي بأنه "من الأفضل البدء بتقويم الرواية العربية من فترة ظهور رواية دابادا" وهذا ما أصر عليه اليوم ونحن نقترب من ذكرى مرور عقدين من الزمن على كتابتها، وهي الفكرة التي تتجدد اليوم مع قراءة شاملة للمشهد الثقافي العراقي والعربي، ومع مناسبة صدور رواية جديدة لأسماء معروفة أو مبتدئة.
من مصادفات القدر أن يعاد نشر رواية (دابادا) بطبعتين جديدتين في مصر وبيروت، دون أن تحظى ولو بطبعة واحدة في بلده العراق، لا عن طريق دور النشر الرسمية ولا دار نشر أهلية، بينما نرى عشرات الكتب الضحلة تنشر ويحتفى بها، بينما في الواقع لا تصل لإبداع صفحة واحدة من كتابة حسن مطلك. ولكن اليوم لا مجال لتجاهل كتابات حسن مطلك، بعد أن أعيد نشر قصصه وأشعاره القليلة، وتم إصدار روايته الثانية المخطوطة (قوة الضحك في أورا)، وهي الرواية التي تجيء مكملة لمشهد (دابادا) الروائي، صياغته النثرية وأسلوبه التجديدي في طرق أكثر المواضيع قرباً من العراق بمغايرة حقيقية، وتؤكد بشكل لا مجال للشك فيه بموقع حسن مطلك في قمة روائيي العرب اليوم.
الحديث عن أدب حسن مطلك، يتطلب دراسات مطولة، وهنا ليس موضعها. بل ما دعاني للعودة لها هو اكتشافي لرسالة غير منشورة وجهها الروائي لي في عام 1988، رداًَ عن رسالة تهنئة بعثت بها بيد محسن الرملي أثناء نزوله نهاية الأسبوع لقريته (إسديرة الوسطى)، وكان أن استلمت إجابة عنها، تماماً بعد يومين من تاريخ رسالتي. لا بد من التأكيد على أن نشري لرسالتي ومن بعدها إجابة حسن، لا يأتي سوى للتوثيق لا غير (فرسالتي من تعابيرها وأسئلتها الساذجة وطريقة كتابتها المخجلة، لا مجال للالتفات لها، ولم يكن لي من عبرة في نشرها، سوى أنها كانت الدافع لرد حسن مطلك برسالة قيمة ذات جدوى كبير لدارسي أدبه ومتذوقي فنه الروائي، ومنها لفك بعض رموز روايته وتفحص آرائه في الكتابة والحياة).
نلاحظ من خلال قراءة كلمات حسن مطلك في رسالته ما شغل الروائي في فترة كتابة (دابادا) وبعدها. همه الدائم بكتابة الجديد بعيداً عن أسوار الرواية التقليدية التي وقع في شركها أغلب كتاب الفترة (كان قد شرع وقتها بمخطوط رواية الثانية (قوة الضحك في أورا) والتي يشير لها في الرسالة دون تسميتها). فهمه واختلافه مع الآخرين، رؤيته الحدية لمفهوم الأديب والكاتب، رغبته الصريحة بجدية الكتابة التي تحولت لمسرح سهل الدخول لأي شخص لمجرد كتابة نصوص بلا معنى.
إن قراءة كلمات حسن مطلك بعد كل تلك الفترة، تحيلنا للتمعن بها بوصفها نصوصاً جدية، عميقة حتى وهو يكتب بصورة شخصية لآخر. أنها فرصة التمعن من جديد لأثر أدبي قلما يصادفنا في الحياة الأدبية العراقية، ولعلها تذكرة لتناول أدب حسن مطلك بشكل أكثر عمقاً قبل أن تمر الذكرى العشرين لكتابه الأول، مروراً عابراً، مثلما مرت به رواياته وآثاره الكتابية المتعددة.

* * *

الرسالتان :

1ـ رسالة عبدالهادي سعدون:

" الأخ المحترم حسن مطلك.
إنه لمن دواعي سروري وفرحي أن أجد كاتباً عظيماً بأسلوبه وصنعته الأدبية يهديني روايته القيمة ألا وهي دابادا..
كما أكن لك كل التقدير لأنك سبقتنا واقتحمت بجرأة سياج الرواية الواقعية التقليدية، وصرنا بديهياً نجد من نستند عليه بعلو هاماتنا حين نطرق أساليب جديدة، أسميها مع نفسي "القصة اللا إنتمائية" وروايتك بأسلوبها التفكيكي والغرابة التي تحيطها بالتأكيد واحدة منها.
أكتب لك باقتضاب وإن شاء الله سيكون لنا لقاء قريب، ولكن هناك سؤال يحيرني أرجو أن تجيب عليه بوجهة نظر خاصة ومطولة!.
طالما كانت صرخة "دابادا" تعني اللاشيء بالنسبة للأبله شاهين والذي هو في الحقيقة أعقل الجميع.. فإنها كانت تعني الكثير.. أرجو أن تطلعني يا صديقي: لماذا اخترت "شاهين" أبلهاً.. هل هو بالتأكيد سيتكلم بصراحة.. أرجو الشرح لأجواء الرواية.. وهل أن الحمار هو القدر أم الحياة المنتهية طالما أن صاحبه هو السلطة التي تحكم؟.
كلها أسئلة وعندي الكثير لكنني سأكتفي وأنتظر جوابك القيم.. لك تحياتي القلبية على هذا النجاح وتحيات جميع أصدقائي ممن قرأوا (دابادا) بإعجاب..
يا رب؛ إنني لا أستطيع كتم ضحكي الهستيري المليء بالبكاء على شاهين وهو يعرف أنه لم يقتل الحمار بل ضرب نفسه لأنه لم يستخدم السكين بصورة صحيحة.. لقد شهقت لروعة التصوير.
وأخيراً لك كل التقدير والإعجاب ".

الصديق
عبدالهادي سعدون
8/11/1988

* * *

2ـ رسالة / رد حسن مطلك:

" الأخ عبدالهادي السعدون المحترم.
أفضَل تعريف سمعته للقصة "أنها تجربة عزلة". وأعتقد أنني لو تمنيت حقاً أن أفرد لك توضيحاً لـ(دابادا) لاحتجت لرواية أخرى سأسميها مثلاً "ميتا دابادا" فالمعذرة إذن.
ولكن.. أسمع. أعدك في يوم ما عن شيء سماه أحد الأصدقاء "الواقعية المطلقة" إشارة إلى كتاباتي، وهي فكرة مفصلة، إصبع ديناميت في جسد الموروث الأدبي، ـ أنا متعَب وقلق هذه اللحظة ـ ولا أرغب في الحديث عن (دابادا) بالذات، لأنها أتعبتني.. أريد أن أستريح يا أخي، هناك بعض التطور الذي أسميه تراجعاً عن (دابادا) في بعض الأحيان، تجربة روائية جديدة ستذبحني، أكثر عمقاً.. العقدة هذه المرة ليست في الشكل بل في الفكرة، لا سيما أنني مهووس بتاريخ الحضارات القديمة، وأشعر أنها ليست مجرد أحداث انتهت، بل هي طفولتي أنا، طفولتكم.. وأننا نحتاج جميعاً إلى وعي تاريخي، لا إلى وعي في التاريخ.
أنني لعلى ثقة بأنك أنت وجميع الكتاب الشباب يجدون في (دابادا) باباً للأدب القادم. إذ لم يعد من السهل أن نبدأ بكلمة "كان" كاستهلال قصصي، وهذه أول خطوة للنجاح../ قتل "كان".
حسناً: الحمار "قندس" هو الأيديولوجيا. أو لنقل الروح الخشبية المدللة لكل سلطة.
هناك إشارة لا أملّ من تكرارها على الأصدقاء: يا عبدالهادي لسنا جادين أبداً، لا في قراءتنا ولا في كتابتنا.. فلنجرب الكتابة في وضع الوقوف. لنكن جادين مرة واحدة وإلى الأبد.. وعلينا أن نفرق بين الأديب والكاتب، وذلك سهل لمجرد أن نجلس في اتحاد (الكتاب) العراقي.. ولا بأس أن نصاب ببعض الغرور، وليذهب موظفو الأدب إلى الجحيم ما دمنا نكتب بألم ونتعذب ونحترق. لنجرب أن نعطي أقصى ما لدينا في كل قصة مهما كانت حتى لو كانت طاقتنا ستفرغ نهائياً في قصة قصيرة واحدة، ولننس أسمائنا. فلتكن قصة واحدة عظيمة ثم نعتزل.. لنصرخ قبل أن يصل الطين إلى أفواهنا. قرأتُ في بعض كتب الأنثروبولوجيا عن قبيلة تعطي لكل لحظة حقها. في الحزن يهلك بعضهم من البكاء، وفي الفرح يهلك آخرون من السعادة، وفي العمل تنهار أجسادهم.. ولكن هناك، سينشأ في الداخل، داخل كل شخص، قوة عجيبة ورؤية واضحة للعالم.. فلنجرب.
المعذرة.. سنلتقي في يوم ما ".

حسن مطلك
10/11/1988

----------------------------------------------------
*نشرت في موقع (جذور) بتاريخ 13 أكتوبر 2006م.
*وفي مدونة حسن مطلك