الأحد، 17 فبراير، 2013







حسين السكاف



نشرت في جريدة الاخبار البيروتية

www.al-akhbar.com/node/2164?q=arts - 

8/2/2013


نجا الكلب ليدر من الموت في زمنَي الديكتاتور والاحتلال الأميركي لبغداد، وفرّ في شاحنة خارج البلاد. في باكورته «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات)، يتساءل القاصّ والشاعر المقيم في إسبانيا عن كيفية التخلّص من شباك الذاكرة المسكونة ببلاد الرافدين

«ليس هناك من تفسير معقول غير الذي أقوله لكم. لا بد أنني قد ولدت تحت تأثير نجم الفأل الحسن، وإلا كيف أفسر أنني لم أكن حتى الآن من الأموات في كل تلك المحن والتجارب التي مررت بها، والتي كنت فيها على شفا حفرة من الموت، قريباً من حتفي!» هكذا يختصر لنا الكلب العراقي «ليدر» سنوات حياته التي عاشها داخل العراق، لينتهي به المطاف منفيّاً في إحدى دول العالم «في بلد لا أريد أن أذكر له اسماً، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدوّن هذه المذكّرات التي مرّت من عمري». تمهيد يأخذنا لقراءة سيرة حياة الكلب ليدر بطل رواية «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات) للقاصّ والشاعر العراقي عبد الهادي السعدون (1968).
في روايته الأولى، يعمد عبد الهادي السعدون بتقنية سردية، تقترب من الكلاسيكية، إلى إخفاء الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان، حتى يخيّل للقارئ أنّ الرواية تحكي سيرة إنسان عراقي كان يعيش بدرجة كلب داخل مجتمعه. الرواية التي يرويها لنا الكلب ليدر، تحلّل وترصد مشاهد مهمة من حياة المجتمع العراقي على لسان كلب عراقي عاش حياة لا تختلف أبداً عن حياة الغالبية العظمى من أبناء الرافدين.
تبدأ الحكاية في زمن الديكتاتور وحرب الثمانينيات، من هناك، يسرد لنا بطل الرواية سيرة حياته المتلازمة مع يوميّات معلمه أو صاحبه «الرجل الشريف» الذي كان ناشطاً سياسياً معارضاً على خلاف دائم مع السلطة. الرجل الذي كان يلوذ بالثقافة والقراءة هرباً من واقع مرير، كان معروفاً بشكل يثير قلق السلطة، وبعدما هرّبَ ولديه خارج البلاد، صار يعيش وحيداً في بيت داخل مزرعة على ضفاف دجلة، حيث ولد الكلب ليدر من أمٍ إسبانية الأصل وأب «سلوقي» عراقي أصيل. هذا الجرو كبر واشتد عوده وصار مدار حديث الكثير وإعجابهم، وخصوصاً هواة الصيد، لتتسع بذلك سمعة مالكه «المعلم» وتصل إلى رجالات السلطة. وبالنظر إلى ما قاساه معلّمه من ظلم السلطة، صار ليدر يكره الحاكم قائد البلاد أيضاً. وبهذا يضعه المؤلف في منزلة البشر، حيث بات يشاركهم بغضهم للديكتاتور.
من حيث البناء والأسلوب، ينتمي العمل إلى الرواية «البيكارسكية». بطلها الكلب ليدر يعي تماماً أن الواقع الذي يعيشه منحطّ وزائف، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال. ذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوّه بإيمان، لكنه أيضاً يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. بالإضافة إلى أنه دخل عالم التسكع وعاش الصعلكة نتيجة الخراب الذي حلّ بالبلاد ومقتل معلمه على أيدي الغوغاء، طمعاً بما يحتويه بيته من طعام وأثاث. الكلب ليدر الذي يكره الديكتاتور، كان يقرأ ويحب الكتب ويفهم العربية والإنكليزية والإسبانية، ثم اضطُهد واعتُقل بعدما كان مطارداً من قبل السلطة. إنّه عراقي صميمي يحلم بالتخلص من الديكتاتور... الحلم الذي تعاظم مع بداية الاحتلال الأميركي لبلده.
عمد المؤلف إلى مناصفة روايته من حيث الفترة الزمنية، فالنصف الأول يحدثنا عن يوميات الكلب زمن الديكتاتور. أما النصف الثاني فكان ليوميات العراقي ليدر في زمن الاحتلال الأميركي. يصف لنا ليدر مشهد بغداد وهي تدخل تاريخ احتلال جديد. يقرر ليدر الهجرة من بلد صار فيه العيش مستحيلاً، وصار يجوب الصحراء باحثاً عن منفذ حدودي يخلّصه من جحيم بلده. هناك في قلب الصحراء، يسمع صوتاً آمراً: «هيه! تحرك وقلْ منْ أنت، وماذا تفعل هنا وإلا فالموت نصيبك». الموت والتحدي مرة أخرى يلاحقانه حتى وهو في قلب الصحراء: «اسمي ليدر... الكلب ليدر» فيردّ عليه الصوت الآمر «أميركي جاسوس!». كان الصوت خارجاً من وسط عصبة كلاب يقودها كلب جنرال، يكتشف ليدر في ما بعد أنّه أحد إخوته الذي منحه المعلم لعائلة من أصدقائه وهو صغير نظراً إلى عرج طفيف في ساقه.
يتمكن ليدر من الهرب من العراق بعدما حشر نفسه في شاحنة محمّلة بأثاث، فيعبر الحدود ويخلص من جحيم بلده. في طريق الهرب، يخبرنا بطل الرواية عن عراقه الذي صار يسير إلى الخلف: «لم يعد لي من فسحة سوى مراقبة الطريق يتراجع والبلد يسير إلى الخلف بلا أدنى أمل باسترجاعه... مخذولاً، جائعاً ومنهكاً، ضعيفاً، متآمراً وقاتلاً، كلها تنطبق عليَّ، كل شيء بي منها. لقد تحوّلنا من كائنات بسيطة إلى مخلوقات متوحشة، نرى الخراب والدم ولا يرمش لنا جفن ونحرص على الموت والقتل كأنه حقيقة كل شيء: اهرب، اهرب قال شقيقي، ونسيت أن أسأله: كيف نهرب يا شقيقي من الذاكرة المعشّشة في كل واحد منا؟».

ليست هناك تعليقات: