الأحد، 17 فبراير، 2013



مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)..


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)

ذكر الأحداث الغريبة والوقائع العجيبة
لما جرى للكلب العراقي المدعو ليدر

نشرت في موقع شهريار
http://www.shehrayar.com/ar/content/view/full/7408 


وقوعي بقبضة قطاع الطرق ولقائي بزعيمها الجنرال

كنت قد سلمت أمري للخلاص النهائي الذي أدركت انه قريب لا محالة، وان انفاسي الأخيرة الفظها الآن وحسب وستنطفئ شعلة عيني بظرف ثوان. كان جسدي يتطاير وتتناوشه الأنياب الحادة وأشعر بها تنغرز في كل أجزاء جسدي. في البدء شعرت بها مميتة قاسية مؤلمة، وبعد حين أصبحت مثل غرز أبر دقيقة لتنتهي بأن تكون بالنسبة لي بمثابة لسعات عابرة لا أشعر بأثرها سوى بتطويح جسدي من جهة لأخرى.
تخميني لم ينجح هذه المرة ايضاً.
بينما كنت اتهاوى ككرة بين أقدام الكلاب المتهيجة التي سبتني ونعتتني بالجاسوس، وجسدي لم يسلم من نهشها وتعذيبها، شعرت وكأن أحدهم قد ركلني ركلة قوية ليبعدني عن الأقدام المتوثبة المستمرة بالضرب والتقطيع، فما ان طار جسدي وحط بكل ثقله صاخباً ضاجاً كحجارة صلدة مثيراً زوبعة ترابية متعالية، سمعتُ من يؤنب الكلاب بأقبح الأوصاف ويتناوب على مواجهتها وتقريعها، وهي بين مصدقة ومكذبة لم تدرك سبب هياج ذلك الكلب الذي ينعتونه بالجنرال، ومن ثم يطلبون عفوه وسماحه لأنهم لم يفهموا ثورته دفاعاً عن كلب نافق "و فوق ذلك جاسوس"!
عندما سمعت تأوهات الكلاب تتصاعد ويخفت نباحها كأنها في إنتظار أمر ما. سمعت صوته للمرة الأولى، صوت ذلك الذي يدعونه بالجنرال، وهو يقول جملة واحدة لا غير:
ـ أجلبوه عندي؟!
ثم مضى بوثبة واثقة وإن بدى لي يعرج من قدمه اليسرى بشكل لا يرى بوضوح لو لم أكن ملتصقاً بالأرض لصق الغبار بالغبار.
جرجروني هذه المرة بين اكثر من واحد منهم، لم تخلو جرجرتهم من قسوة وجسدي يخط على الرمال إلا أنهم لم يجرأوا على ركلي أو نبش الأنياب في رقبتي كوسيلة أسهل لنقلي. لمحت فيهم الغضب وعدم الفهم، لكن ما عدا الغضب المستشيط والأنياب المشهرة والألسن المتدلية، لم يقوموا بأي رد فعل عنيف، إنقادوا لنداء ما يطلقون عليه "الجنرال" والذي على ما يبدو أنه المسيطر عليهم و الآمر الوحيد بينهم.
وصلنا عند كوخ من طوب الطين وصفائح القصدير، وضعوني بخفة أمام الجنرال الذي أشار لهم بالإنسحاب.
لم ينسحبوا بالكامل، إبتعدوا قليلاً عنا، كانوا يحيطوننا من كل جانب وإن كانوا سيسمعون كلامنا همساً. رأيت فيهم كلاباً ضخمة، جلودها مدبوغة من المعارك أو من أثر الشمس و ريح الصحراء، إلا أنها كلاب قوية صاخبة نابحة لا يسكتها ساكت إلا نظرات وأوامر الجنرال نفسه. لم يبق الجنرال في مقعده طويلاً، بل تقدم حين تركوني مضعضعاً ضعيفاً لا قوة لي على القيام و مواجهته وجهاً لوجه. على العكس مما توقعته، إنحنى الجنرال قربي وتركني لأتمعن بملامحه لوقت طويل. بدى لي مهيباً بوجه صارم، شارب كثيف ورأس ضخمة، لا يميزه عن الكلاب الأخيرة المطيعة لأوامره سوى ذلك الإصرار على أن كلمته هي العليا. في لحظة خطرَ على بالي أنني لا بد وأن تقابلتُ به ذات يوم. ملامحه رغم إنغلاق عيني وتعبي بدت لي مألوفة أو على الأقل من تمعني بعينيه، تأكد لي أنه لم ينو القيام معي بتجربة قاسية من تلك التي عاملني بها أتباعه، بل لمحته ينفرط وجهه عن إبتسامة تطمين وإشارة واضحة لنجاتي.
ـ إذاً تدعى ليدر؟ سألني أخيراً
ـ نعم هذا أسمي... ولكنني لست جاسوساً ولا أميركياً؟
ـ أعرف هذا، ولكنني أعرف أيضاً أن هناك كلب وحيد في هذا البلد يسمى ليدر لا غير؟
ـ أعتقد ذلك.. هذا هو أنا... ولكن لمَ تقول ذلك.
ـ لأنني على معرفة كافية بهذا المسمى ليدر، فإن كنت أنت هو فلا بد أن تكون قد عرفتني!
أسكتني جوابه، فبدأت بتقليب ذاكرتي عسى ولعل توصلني لذكرى أو معلومة تعينني ولو ببصيص أمل لأتعرف على هذا الماثل امامي المدعو "جنرال" والذي يعرفني أو يحاول أن يوقعني في شراكه.
ـ عذراً منك يا... يا.."جنرال"... ذاكرتي تضعف مع مرور الأيام. قلت أخيراً.
ـ سأنشط ذاكرتك!
قال ذلك الجنرال ونهض عارضاً على أنظاري قوامه الضخم، جسد حرقته الشمس ولا عيب فيه سوى عرج في قدمه اليسرى يكاد لا يتبين كثيراً. دار هنا وهناك أمامي، ثم انحنى قرب أسماعي واسرني بتعويذة كنت أتداولها في صغري ولا يعرفها سوى كلب واحد عندما كنا نتنادى فيما بيننا هناك في مكان عزيز أصبح بعيداً في الخلف منا... " ياه، مستحيل، لا أصدق ما تراه عيناي!".
ضحك الجنرال وازاح شاربيه لأتبين خلفها وجه شقيقي الذي فقدت منذ زمن.
رغم وجعي وجروحي فقد قفزت فرحاً دائراً خلفه ومتمعناً كيف صار شقيقي بهذه الصورة. هو بدوره لم يأت بأي رد فعل وكان كل لحظة يبدي مظهراً جدياً شرساً فهمت فيه بأنه لا يستطيع إبداء أي تعاطف أو تقرب أمام شلة كلابه المنقادة له والتي لم تكن ببعيدة عنا تراقب تصرفاتنا.
لم يصمت بعد ذلك للحظة. أمر الكلاب الأخرى أن تساعدني باسترجاع قواي، فكان أن نظفوني وعالجوا ما أمكن من جراحي التي تسببوا بها، وعندما شعرت بالإنتعاش والراحة قليلاً، قادني شقيقي خارج المجموعة " تعال معي لنجد مكاناً ننفرد فيه!". وترك عصبة كلابه متأهبة آمراً إياها أن تبقى حيث هي.
في مكان معزول بعيداً عن عيون ونباح كلابه المنقادة، سمع مني ما جرى لي في الأيام الاخيرة وكيف وصلت إليهم، ولم يسألني عما جرى لنا في بيت المعلم ولا ما آل له مصير أبوينا. أخبرني بدوره أنه قد عرف الكثير من حياتنا السابقة عندما وقعت بيده عليقة تضم دفاترأً حصل عليها من أحد الكلاب الذي قُتل في الآونة الأخيرة ويتذكر أسمه جيداً "هوذا"! كان قد وصل قبل شهر تقريباً إلى معسكرهم هذا وطلب المساعدة بالهرب من البلاد. قال شقيقي:" كنت أشك بوضعه الموارب، تصرفاته غريبة ومع ذلك كنت مستعداً أن أساعده على الهرب لطالما ساعدت العديد منها. لم أحر للأمر أهمية حتى وقع نظري على العليقة التي يحملها معه وعندما لم يتركنا نعرف ما فيها، زادني شكاً فأمرت كلابي أن تنهبها منه. ما أن رأيت الدفاتر وتعرفت فيها على مذكرات المعلم وما خطته يده، ولما لم يقدم لي "هوذا" تفسيراً مقنعاً عن كيفية وصولها له. آنذاك زدنا بتعذيبه، فأعترف لي بما قام به، ويا ليته كذب أو ماطل بكلامه ولم يعترف لي بالحقيقة!.. لم أطل الأمر وتركت مصيره لأنياب كلابي المسعورة فقطعوه تقطيعاً ورموه بجثته بعيداً وسط الصحراء لتأكلها الطيور الجارحة وبنات آوى.. وها هي اليوم معي وقد قرأت أغلب اجزائها وعلمت عبرها ما حل بالجميع، أوضاعكم الأخيرة، كيف مات أبوينا وما جرى لك أيضاً، فقد دون المعلم تفاصيلها بكل دقة".
هنا ادركت وحسب أن العليقة التي يحملها شقيقي معه ما هي إلا دفاتر و مذكرات المعلم التي نهبها "هوذا" من ضمن ما نُهِب من بيت المعلم، فلم اتأسف عليه و وعيت أنه قد خط مصيره جراء ما اقترفت يداه. ما كنت متلهفاً له هو أن يخبرني شقيقي كيف وصلت به الأمور إلى ان يقود عصبة كلاب في صحراء لا حد لها.
قال لي: " لا تزوق الكلمات يا ليدر، أنا أقود عصبة قطاع طرق وهذه هي الحقيقة... أما كيف وصلت لهذا الواقع، فقد كان منذ فترة طويلة، أوضاع الحرب الأخيرة والدمار زادها شراسة وزادني وعصبتي قوة وسلطة".
راح شقيقي يفكر مسترجعاً تاريخ أيامه التي تلت فراقه عنا بعد أن أهداه المعلم لصديقه، فكان أن أخبرني دون توقف وكأنه يرى كل شيء يمر أمامه عبر شاشة لا مرئية، مغمضاً عينيه شارد الذهن قال لي ملخصاً حياته الماضية:

شقيقي يسرد وقائع حياته الماضية

" لم أرك منذ أن منحني المعلم لصديق له، كان يظن بي قد انتهيت ولم أعد أنفع بشيء. لكن الصحيح أن قدمي المشروطة وعرجي زادني قدوة لأكون ما أرغب، وهذا ما لمحه بي ذلك الرجل الذي أصبحت بعهدته، فكان أن تركني لفترة طويلة لوحدي بلا أي طعام أو شراب. كان يجوعني لأيام ومن ثم يقدم لي فريسة سهلة، أقطعها تقطيعاً والتهمها بظرف دقائق. في البدء كان يقدم لي الدجاج والطيور بأنواعها، ومن ثم راح يلقي لي خرفاناً وأرانب وماعزاً، بل حتى خنازير برية لا أعلم من أين حصل عليها. كان على ما يبدو يدربني على القتال. تجويع وصمود لأيام، ونزاع معارك بعد ذلك. حتى جاءت اللحظة الحاسمة عندما رأيتني وجهاً لوجه مع أحد الكلاب المتشردة، والذي لم يصبر أمامي سوى دقيقة، مات المسكين بين أنيابي دون أن يكون له الأمل بمواجهة حقيقية أو على الأقل معركة متكافئة.
بعد مران طويل ومواجهات مع كلاب مختلفة الأنواع والحجوم، حضر يوماً ليقودني معه في سيارته إلى مكان بعيد خارج المدينة. هناك في مزرعة منعزلة تعود لرجال دولة مهمين، قمت بمعركتي الرسمية رقم1 والتي ستجر إلى معارك أخرى في المكان نفسه أو في أماكن أخرى. ما أن تزداد شهرتي و وحشيتي وانتصاراتي حتى أرى صاحبي سعيداً باشاً يقودني من حلبة لأخرى وليس علي سوى أن أزيد قائمتي من الكلاب النافقة تحت أقدامي ودمها يصبغ فمي وجسدي صبغاً. كانوا قد أطلقوا علي أسم "الأعرج المميت"، وكان الجميع يتمنى لكلابه أن تكون بنفس خفتي وإهتزاز جسدي وانا أحاصر ضحاياي. أصبحت شهيراً وما يمر أسبوع دون أن أكون في حلبة صراع يتحداني فيها كلب جديد. لقد مرت بين أنيابي هذه اجساداً لا تحصى و رقاباً مقصومة لدرجة لم اعد أتذكر كم صرعتُ في نزاعاتي تلك، ولم اعد قادراً على تذكر الوجوه الكلبية الممددة تحتي.
لكن كما انه لكل شيء بداية، لا بد وأن له نهاية قريبة!
في الأيام الأخيرة كان صاحبي يحملني لمنازعات في قصور ناس مهمين واحداً منها كان قصر الرئيس نفسه. كان الحضور من كل الطبقات والمراتب، كنت ألمح إبن الرئيس في مقدمتهم، وكان عليّ في واحدة من عراكاتي أن أصارع كلب إبن الرئيس نفسه. كنت واثقاً من قدرتي على صرعه بنفس السهولة التي صرعت فيها كلاباً عاتية، غير أنني في تلك المرة شعرت بحركة غريبة تجري من حولي ويشارك فيها صاحبي نفسه.
قادني برفقة آخرين إلى حجرة جانبية، هناك ربطوني إلى عمود وضربوني بقسوة على قدمي اليسرى ليزداد عرجي عرجاً، كما انهم راحوا يكيلون لرقبتي وظهري ضرباً وكسراً، ثم أدخلوا في خلفيتي أنبوباً ونفخوا فيه، ومسحوا أنيابي بمعجون غريب الطعم. تركوني لربع ساعة، ثم جاء صاحبي وفك قيدي وسحلني حتى الحلبة لأواجه بأكبر كلب رأته عيناي حتى اليوم. كنت محطماً بكل معنى الكلمة، مخدراً ولا قدرة لي كبيرة على الوقوف أو التحرك والقفز. عرفت و أنا في مواجهة هذا الوحش بأنه كلب إبن الرئيس، ولمحته متحمساً ينفث دخان سيكاره الطويل ليراه يسحقني سحقاً. هناك فهمت ما قاموا به معي من تكسير وتخدير حتى لا أستطيع الفوز على كلبه المدلل.
لم يمهلني الكلب الوحش ذاك أية فرصة للتنفس ومراجعة إمكانياتي، فكان أن هجم عليّ وقظمني قظماً شديداً ومن ثم طوحني عالياً لأحط مرتطماً بالسياج الحديدي الذي يحيط حلبتنا. لم يكن لي فرصة للنجاة حقيقة، فقد قرر الجميع أن أكون الضحية القادمة. لكنني في داخلي كنت رافضاً لهذه الخديعة، إذ بقيت أتحمل عضاته وركلاته بكل برودة أعصاب، حتى وجدت فرصتي الوحيدة لا غيرها عندما أرخى عظام رقبته ظاناً بأنني قد قضيت نحبي، فكان أن درت دورة كاملة محرراً جسدي قدر المستطاع وقفزت قفزتي العرجاء التي يعرفها جميع منْ حضر نزاعاتي السابقة... قفزة من الخفة أن فاجأت الكلب المتوحش هذا مثلما فاجأت الكلاب الأخرى التي فطست بين أنيابي. حركة من الدقة أن الكلب الآخر لم يعرف أين أختفيت عن انظاره حتى شعر بأنيابي القاطعة قد إنقضت على تفاحة رقبته، بينما أقدامي متشبثة بجسده الهائل لتمنعه من الحركة منعاً باتاً، فلا قوة في العالم آنذاك كانت قادرة على تخليصه من قبضتي.
كنت ألمح كلب إبن الرئيس يلفظ أنفاسه دون أن أرخي عضلاتي. بمواجهتي كان الحشد الهائل يصرخ بكل الألفاظ، ولكن لا أحد كان قادراً على تشجيعي أزاء نظرات إبن الرئيس المجنونة وهو يرى بعينيه كلبه ينفق بين أنيابي. لحظات قبل أن افك الكلب وقد تقهقر ومضت روحه بلا رجعة، لمحت إبن الرئيس بإشارة ما لآخرين، ولأرى نفسي وحيداً ـ جثة الوحش غارقة بدمائها على الأرض أمامي ـ بمواجهة ثلاثة كلاب بضخامة الوحش نفسه. شعرت بالهزيمة ولم أرّ منْ يحتج. لم أحتج انا نفسي مثلما لم أكن واثقاً بالمرة من فوزي القادم بمواجهة ثلاثة كلاب دفعة واحدة، كلاب مثلي متمرنة على الصراع والقتل. حاولت بكل ما بقي لي من جهد و قدرة على النهوض، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل، لأجد نفسي معضوضاً مدمى ومطوحاً بي من الكلاب الثلاثة التي كانت تتسلى بلعق دمائي وتقطيع أوصالي حتى فقدت الوعي تماماً. انطرحت على الأرض قرب جثة الوحش، وقد ظننت أنني قد انتهيت. مت. أغمضت عيني و رحت في إغفاءة عميقة مغادراً الدنيا للأبد...
لا بد أنني قد غبت عن الوعي لساعات قبل أن أشعر بنفسي مرمياً فوق أكوام أزبال خارج المدينة.
كان من الصعب عليّ تحريك جسدي. الجروح المفتوحة في كل أنحاء جسدي كانت ما تزال تنز دمها، رقبتي نصف معضوضة وأقدامي مكسرة، لكنني كنت ما أزال على قيد الحياة بعد فوق مزبلة عالية علو بناية ضخمة. فكرت أن صاحبي او آخرين قد حملوا جثتي الدامية ـ ربما عرفوا بانني حي ولا نفع بي بعد ذلك بشيء ـ  في سيارة ومن هناك رموني دون أن يراهم أحد، تاركين للقدر أن يقرر موتي من نجاتي. لا أعرف حتى اليوم كيف لم يقتلوني بطلقة واحدة، وكان هذا أسهل الحلول؟
ما جرى لي بعد ذلك كان رحلة عذاب و مداواة على مدار أشهر.
متخفياً عن الأنظار استرجعت قواي وبدأت انظر للأمور بشكل آخر. كان جل همي أن أداوي جراحي العديدة، ولم اكن ألجأ لخروج أو مجابهة سوى للحصول على ما يبقيني على قيد الحياة. كنت مثل فأر الجحور، لا حول لي ولا قوة على أي ظهور، متوارياً عن الأنظار قدر المستطاع، همي الوحيد العيش، العيش وحسب.
في تلك الفترة بدأت أفهم الحياة فهماً مختلفاً، ليست كحلبة صراع وحسب بل أكبر من ذلك بكثير، ومع ذلك فالحياة نفسها إن كانت قد قدرت لك درباً تسلكه فلا مجال لمخالفتها. كنت قد وطدت نفسي في تلك الشهور على منوال آخر وقد بدأت أشفى تدريجياً من جراح الجسد والروح، وفكرت أن الحياة ستلقاني بمصير آخر، لكن الأقدار تنقلك من جديد لمواجهات أخرى... فها أنت تراني أقود عصبة كلاب قطاع طرق، أجل قطاع طرق فهذا أسمها الحقيقي في بلاد بلا قانون ولا أمان. كان عليّ أن أتركها تنهش من لحمي لأن مواجهتها كلها كان مستحيلاً، أو أن أحك بظرف ثوان ما وطدت نفسي على نسيانه طوال أشهر الشفاء، وهو ما حصل تماماً.. بلفتة واحدة إسترجعت حاستي في القتل والمجابهة لأرضخها لسلطتي. حصل كل شيء دون مواجهات دموية تستحق الذكر، كأنها كانت بانتظاري، كانت بحاجة لقيادتي، وقد رضيت بتسلطي وهيمنتي عليها.. وأنا منذ ذلك الوقت حتى الآن أمضي بقيادتها متمتعاً بصفة "جنرال" وهمية تقدسها عصبتي حتى الموت. اليوم معهم، بعد الأحداث الأخيرة، أحكم مقاطعة طويلة قرب الحدود، لا أحد من رعيتي يرفض لي أمراً أو يعارضني بشيء. أمضي وحيداً في كل أفعالي، مقتنعاً يوماً بعد آخر بأنني جنرال فعلاً وسأنتصر إنتصاراً عظيماً أو سأموت شر ميتة كجنرال لهذه الزمرة... لكن دعني أخبرك شيئاً يا شقيقي، أنا مقتنع أن يومي الأخير سيقدم عن طريق واحد من أعواني أو عن طريق عصابة أقوى تنافسنا على الربح، وهي في تكاثر. لا شيء نافع بكل ما قمت به سابقاً، ولا شيء ينفع بما أقوم به اليوم، لكنه الشيء الوحيد الذي عرفته وعلموني منذ الطفولة، ومجبر على القيام به حتى النهاية... أن أقوم به على أفضل وجه ـ أو أسوأه منْ يدري ـ وهذا ما أنا ماض به حتى ختام الشوط... الختام لا غير".



ليست هناك تعليقات: