الأحد، 17 فبراير، 2013



علي عبدالسادة

عبدالهادي سعدون يرافق كلباً إلى عراقه المرير

جريدة الحياة البيروتية
بغداد - علي عبد السادة - Sat, Aug 18th 2012 4:48 PM

http://mobile.alhayat.com/content/1345294172389107400/Arts



يبدو أن الروائي العراقي عبد الهادي سعدون مرهقٌ جداً من «اعتياد الموت»، وصار في «مذكرات كلب عراقي»، عن دار «ثقافة» - بيروت، باحثاً عن إطلالة غير مألوفة على «الزمن المُهلك». ثمة سرد شديد الانتباه، للصورة العراقية، ولو من منفى إسباني.
رواية سعدون الجديدة جاءت في 176 صفحة، زيّنت غلافَها لوحةُ الفنان الإسباني «غويا». وهي تمنَحُ فعلَ القراءةَ حافزَ الانتقالِ إلى مساحةٍ جديدةٍ في التلقي؛ عليكَ الاستعداد لراوٍ كلب، له أسرة، وراعٍ، ومعه تتخلى عن حساسيةٍ شرقيةٍ مفرطةٍ في محاورةِ حيوان، وأن تتلقى بشغف قصصَ العصف العراقي، على لسانِه.
ولا أميلُ، مع هذا الراوي، لتصنيف «مذكرات كلب عراقي» على أنها سليلة تقاليد الحكايات التي تدور على ألسنة حيوانات، هي أقربُ ما تكون إلى شهادةٍ على حمى العراق المزمنة، لكن بسرد محتال يفرض عليك معاينة عوالم متشابكة بعين كلب.
وهي أيضاً ليست من قصص الرعاة، أو أدب المشردين والتائهين، كما يبدو للوهلة الاولى أن «ليدر» نموذج لهم. قد يضعُ القارئ هذه الرواية في مصاف قصصِ «البيكاريسك» التي تلازم الإنسان منذ ولادته حتى يفارق الحياة. بيد أن هذه المذكرات، وعلى رغم لغتها التي تسمح بقراءة كلاسيكية، تعاينُ حيوات عراقية متعددة، وتخلق، لتحولات سياسية واجتماعية تسعينات القرن الماضي، عيناً فذّةً لامة.
يبدو عبد الهادي سعدون في هذه المذكرات منسجماً مع جيلٍ روائي عراقي لا ينفكُ يفكرُ في ملامح وهوية أكثر تمرداً، أقل تعقيداً. هذا الجيل طالما أعلن نفسَه في روايةٍ مجددة. في ثمانية وعشرين فصلاً يكون البطل – الكلب صديقاً حميماً لك، ولا مفر من مشاركته كل منعطف غرائبي يمرّ به، وقد تشعر، بلغة طائرة فوق النوع والصنف، أنك ترافقُ كلباً «مواطناً» في مسارات مُرّة.
«ليدر»، وهو إسم الكلب، يسجلُ هويةَ أحواله مطلعَ المذكرات: «ولدتُ – كما علمت في ما بعد – عند حافة نهر دجلة، في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يُطلقُ عليه لقب المعلم (...) أنجبتني أمي المدعوة «سابويسو» مع شقيق لي آخر وشقيقتين، ولم أحظ برؤية والدي «السلوقي» إلا بعد أيام ثلاث». (ص13).
ويتقنُ عبد الهادي سعدون فرضَ نمطٍ لغوي لـ «ليدر»، لا يكونُ معه التباس بينه راوياً، وكلباً.
ليدر هو عينٌ مُطهَرةٌ من أنماط السلوك الانساني. لن تجدَه، كما في خلق الشخصيات المبذولة في الروايات حقوداً منافقاً، وطيباً صادقاً. هو شخص– كلب مؤنسنٌ بطريقةٍ تكفي لكل هذه الحميمية: «رأيتٌ للمرة الأولى وجه المعلم مقترباً من السلة حيث أنا وإخوتي وأراه مبتسماً مربتاً على فرواتنا وسمعته يقول: يا للجراء الجميلة!». ومن «ليدر» تتعرفُ على بغدادي يعيش هاجس اليوتوبيا؛ عاشقٌ فطري للبلد، ويكافح، على رغم كل الاخفاقات، للحفاظ على حُلمِه الذي لا مفر من اغتياله نهاية المطاف.
هذه مقاربة لعبد الهادي سعدون نفسه، يضعُ في «مذكرات» ليدر هاجسه، ويُفرغُ حسرته على الهوية.
ليدر يحرص في مذكراته على إظهار حيوات مقتولة لدى العراقي: «صحبت المعلم المتيم بالآثار من بابل وعقرقوف حتى عاصمة آشور، من دون العودة الى البيت قبل أن نمر بكل شبر من أور. في ظرف أشهر أخرى، مروراً بقرى ضائعة في الشمال أو الجنوب أو الوسط لمجرد أن يريني أثراً يدل على عظمة هذه الأرض التي يسميها ميزوبوتاميا» (ص30). وعليك أن تتجاوب مع هذا النمط المحترق، عراقياً، من العلاقة بين رجل وكلب: «كل شبر تحتنا يضم آلاف الآثار يا ليدر».
نقفُ في المذكرات أمامَ مستويات متعددة: الكلبُ وإخوته، يخوضون في حياةِ العملِ الشاق، والصداقةِ الحميمةِ مع معلمِهم، مغامراتُ الصيد، والانكسار والفرقة. ولاحقاً، التشرد والعزلة والوفاة... المعلمُ، الرجل الذي يُعطي رمزيةً عاليةً لآخر الأرستقراطيين المعارضين لحزب البعث في العراق والمجبولِ في معادلةٍ صعبة على البقاءِ تحت رحمته:
«عائلةُ المعلمُ كانت من أعيان بغداد أباً عن جد وقد ملكوا تقريباً كل المزارعِ المطلةِ على نهرِ دجلة من أقصاها حتى أقصاها. لكنهم بدأوا يفقدونها تدريجاً بقرارات حكومية بحججٍ لا تخرجُ عن مسألةِ الضرورات الأمنية، تلك الأُحجية المخيفة التي يستخدمونها في كل شأن» (ص 35)
انتقالُ ليدر السلس الجذاب من عالم إلى آخر، يُقرأُ مثل تسجيل للانحدار والانزواء، ومن ثم الضمور لحياة هذه الأسرة، بدءاً من اخراج السلطة لها من مزرعة على النهر: «صرنا في مواجهة رجال غامضين يرتدون بدلات متشابهة، لم تكن بالعسكرية، لهم سحنات قاسية ويتحدثون بلغة الأمر. سمعت قائدهم يخبر المعلم قائلاً: قررت الدولة مصادرة الأرض الزراعية المطلة على النهر لضرورات أمنية. (...) ستكون هناك وحدات حراسة خاصة في المزرعة. كنت على وشك أن أبادر المتكلم بعضة في رقبته» (ص33).
وبين غضبِ الكلب على رجالِ الأمن وهم يأمرون المعلمَ بإخلاء المزرعة، وقوله موقفاً مناوئاً لمضايقات السلطةِ وتفسيره «الضرورات الأمنية» بالحجج الواهية، في لغة مباشرة، يكون ليدر مفرطاً في إنسانيته. عليك النجاح في تمرين القراءة هذا، ان تمسك «رسالة» عبد الهادي سعدون، وتتجاوب، في الوقت نفسه، مع ليدر «الانسان».

قصيدة
الكلب «ليدر» يداوي جروح قلبه، بعد مقتل المعلم، بقصيدة: «ليس لي غير وحدتي... الدار – الخراب، وهذا النباح، نباح... نباح... نباح» (ص110). هذا جزء مهم من المتعة التي يجدها قارئ المذكرات، لكنها جاءت بعد انعطافة درامية في مسارِ الرواية، فالمعلم، الذي عانى من تضييقِ أجهزةِ الأمن، يُقتل على يد «الغوغاء». وكان مشهداً سُخر، بهذا الشكل أو ذاك، لخلقِ رسالةِ نقدية للوثة العنف في العراق: «اجتاحتنا الجموعُ المتنافرة من كل الجهات. دخل من دخل من البوابة، وجاء آخرون من المزارع المجاورة (...) كانوا من رجالِ مسلحين بالعصي والسكاكين والخناجر، وحمل البعضُ منهم مسدسات، ومن خلفهم كلاب مسعورة» (ص 107).
والأكثر تلذذاً بالصنعة الروائية في هذه المذكرات حين تصل إلى انقلاب الحياة في العراق، وهوس تشكل «الكارتلات» والخنادق، وشيزوفرينيا عراقية تُعللُ وحوشَ اليوم، بمسوخ تحت الحرب اليومية بالأمس. فبعد ضياعِ «المعلم» في فورة دم، وشحنة عنف لا مثيل لها: «لمحنا رجلاً يقترب منا (...) يحمل مسدساً في يده ويرتدي غترة بيضاء لفّها على وجهه (...) سحب أقسام المسدس ووجهه إلى جبهة المعلم» (ص109). تأتي الذروة ذاتها ليكون «ليدر» ضحيةَ تصفية مشابهة من كلاب مسعورة، ينهشونه ويتركونه من دون أمل.
المكانُ في خاتمة المذكرات يعجّ برمزية الكلب، ستعودُ معها إلى دلالة واضحة عليه حيواناً، مع الفارقِ أنك تُعاينُ كلباً يبكي. يحدثُ هذا في الواقع: «اليوم في خصيي لا قوة لي على الحركة (...) عالمي لم يعد أبعد من هذه الأمتار (...) أترقب النباح القادم من جهات غير معلومة» (ص171).
في خاتمة المذكرات يتصاعد الشعور بالأسى، تماماً مثل عراقي يقلب خياراته الضئيلة، المتصحرة، في المنفى. وعلى رغم تأثيث لغوي بارع لعالم يدلُ على «كلب»، لكنك، وبمتعة ولذة كبيرة، تتمكن من إسقاط ليدر على أي عراقي مهتوك يُعالجُ اغترابه المرير: «... منتظراً أيامي الأخيرة بإشارة سماوية كي أتبع آثار أحبتي الذين سبقوني، والدي السلوقي وأمي السوبويسو والحبيبة جميلة» (ص 172). 
وتجدر الاشارة اخيراً الى أنّ الشاعر اللبناني يوسف الخال كان أصدر عام 1985 كتاباً بعنوان «مذكرات كلب» (دار النهار) ويؤدي فيه الكلب دور الراوي. وكتب الشاعر بسام حجار أيضاً نصاً طويلاً جعل بطله كلباً






حسين السكاف



نشرت في جريدة الاخبار البيروتية

www.al-akhbar.com/node/2164?q=arts - 

8/2/2013


نجا الكلب ليدر من الموت في زمنَي الديكتاتور والاحتلال الأميركي لبغداد، وفرّ في شاحنة خارج البلاد. في باكورته «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات)، يتساءل القاصّ والشاعر المقيم في إسبانيا عن كيفية التخلّص من شباك الذاكرة المسكونة ببلاد الرافدين

«ليس هناك من تفسير معقول غير الذي أقوله لكم. لا بد أنني قد ولدت تحت تأثير نجم الفأل الحسن، وإلا كيف أفسر أنني لم أكن حتى الآن من الأموات في كل تلك المحن والتجارب التي مررت بها، والتي كنت فيها على شفا حفرة من الموت، قريباً من حتفي!» هكذا يختصر لنا الكلب العراقي «ليدر» سنوات حياته التي عاشها داخل العراق، لينتهي به المطاف منفيّاً في إحدى دول العالم «في بلد لا أريد أن أذكر له اسماً، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدوّن هذه المذكّرات التي مرّت من عمري». تمهيد يأخذنا لقراءة سيرة حياة الكلب ليدر بطل رواية «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات) للقاصّ والشاعر العراقي عبد الهادي السعدون (1968).
في روايته الأولى، يعمد عبد الهادي السعدون بتقنية سردية، تقترب من الكلاسيكية، إلى إخفاء الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان، حتى يخيّل للقارئ أنّ الرواية تحكي سيرة إنسان عراقي كان يعيش بدرجة كلب داخل مجتمعه. الرواية التي يرويها لنا الكلب ليدر، تحلّل وترصد مشاهد مهمة من حياة المجتمع العراقي على لسان كلب عراقي عاش حياة لا تختلف أبداً عن حياة الغالبية العظمى من أبناء الرافدين.
تبدأ الحكاية في زمن الديكتاتور وحرب الثمانينيات، من هناك، يسرد لنا بطل الرواية سيرة حياته المتلازمة مع يوميّات معلمه أو صاحبه «الرجل الشريف» الذي كان ناشطاً سياسياً معارضاً على خلاف دائم مع السلطة. الرجل الذي كان يلوذ بالثقافة والقراءة هرباً من واقع مرير، كان معروفاً بشكل يثير قلق السلطة، وبعدما هرّبَ ولديه خارج البلاد، صار يعيش وحيداً في بيت داخل مزرعة على ضفاف دجلة، حيث ولد الكلب ليدر من أمٍ إسبانية الأصل وأب «سلوقي» عراقي أصيل. هذا الجرو كبر واشتد عوده وصار مدار حديث الكثير وإعجابهم، وخصوصاً هواة الصيد، لتتسع بذلك سمعة مالكه «المعلم» وتصل إلى رجالات السلطة. وبالنظر إلى ما قاساه معلّمه من ظلم السلطة، صار ليدر يكره الحاكم قائد البلاد أيضاً. وبهذا يضعه المؤلف في منزلة البشر، حيث بات يشاركهم بغضهم للديكتاتور.
من حيث البناء والأسلوب، ينتمي العمل إلى الرواية «البيكارسكية». بطلها الكلب ليدر يعي تماماً أن الواقع الذي يعيشه منحطّ وزائف، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال. ذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوّه بإيمان، لكنه أيضاً يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. بالإضافة إلى أنه دخل عالم التسكع وعاش الصعلكة نتيجة الخراب الذي حلّ بالبلاد ومقتل معلمه على أيدي الغوغاء، طمعاً بما يحتويه بيته من طعام وأثاث. الكلب ليدر الذي يكره الديكتاتور، كان يقرأ ويحب الكتب ويفهم العربية والإنكليزية والإسبانية، ثم اضطُهد واعتُقل بعدما كان مطارداً من قبل السلطة. إنّه عراقي صميمي يحلم بالتخلص من الديكتاتور... الحلم الذي تعاظم مع بداية الاحتلال الأميركي لبلده.
عمد المؤلف إلى مناصفة روايته من حيث الفترة الزمنية، فالنصف الأول يحدثنا عن يوميات الكلب زمن الديكتاتور. أما النصف الثاني فكان ليوميات العراقي ليدر في زمن الاحتلال الأميركي. يصف لنا ليدر مشهد بغداد وهي تدخل تاريخ احتلال جديد. يقرر ليدر الهجرة من بلد صار فيه العيش مستحيلاً، وصار يجوب الصحراء باحثاً عن منفذ حدودي يخلّصه من جحيم بلده. هناك في قلب الصحراء، يسمع صوتاً آمراً: «هيه! تحرك وقلْ منْ أنت، وماذا تفعل هنا وإلا فالموت نصيبك». الموت والتحدي مرة أخرى يلاحقانه حتى وهو في قلب الصحراء: «اسمي ليدر... الكلب ليدر» فيردّ عليه الصوت الآمر «أميركي جاسوس!». كان الصوت خارجاً من وسط عصبة كلاب يقودها كلب جنرال، يكتشف ليدر في ما بعد أنّه أحد إخوته الذي منحه المعلم لعائلة من أصدقائه وهو صغير نظراً إلى عرج طفيف في ساقه.
يتمكن ليدر من الهرب من العراق بعدما حشر نفسه في شاحنة محمّلة بأثاث، فيعبر الحدود ويخلص من جحيم بلده. في طريق الهرب، يخبرنا بطل الرواية عن عراقه الذي صار يسير إلى الخلف: «لم يعد لي من فسحة سوى مراقبة الطريق يتراجع والبلد يسير إلى الخلف بلا أدنى أمل باسترجاعه... مخذولاً، جائعاً ومنهكاً، ضعيفاً، متآمراً وقاتلاً، كلها تنطبق عليَّ، كل شيء بي منها. لقد تحوّلنا من كائنات بسيطة إلى مخلوقات متوحشة، نرى الخراب والدم ولا يرمش لنا جفن ونحرص على الموت والقتل كأنه حقيقة كل شيء: اهرب، اهرب قال شقيقي، ونسيت أن أسأله: كيف نهرب يا شقيقي من الذاكرة المعشّشة في كل واحد منا؟».


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)..


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)

ذكر الأحداث الغريبة والوقائع العجيبة
لما جرى للكلب العراقي المدعو ليدر

نشرت في موقع شهريار
http://www.shehrayar.com/ar/content/view/full/7408 


وقوعي بقبضة قطاع الطرق ولقائي بزعيمها الجنرال

كنت قد سلمت أمري للخلاص النهائي الذي أدركت انه قريب لا محالة، وان انفاسي الأخيرة الفظها الآن وحسب وستنطفئ شعلة عيني بظرف ثوان. كان جسدي يتطاير وتتناوشه الأنياب الحادة وأشعر بها تنغرز في كل أجزاء جسدي. في البدء شعرت بها مميتة قاسية مؤلمة، وبعد حين أصبحت مثل غرز أبر دقيقة لتنتهي بأن تكون بالنسبة لي بمثابة لسعات عابرة لا أشعر بأثرها سوى بتطويح جسدي من جهة لأخرى.
تخميني لم ينجح هذه المرة ايضاً.
بينما كنت اتهاوى ككرة بين أقدام الكلاب المتهيجة التي سبتني ونعتتني بالجاسوس، وجسدي لم يسلم من نهشها وتعذيبها، شعرت وكأن أحدهم قد ركلني ركلة قوية ليبعدني عن الأقدام المتوثبة المستمرة بالضرب والتقطيع، فما ان طار جسدي وحط بكل ثقله صاخباً ضاجاً كحجارة صلدة مثيراً زوبعة ترابية متعالية، سمعتُ من يؤنب الكلاب بأقبح الأوصاف ويتناوب على مواجهتها وتقريعها، وهي بين مصدقة ومكذبة لم تدرك سبب هياج ذلك الكلب الذي ينعتونه بالجنرال، ومن ثم يطلبون عفوه وسماحه لأنهم لم يفهموا ثورته دفاعاً عن كلب نافق "و فوق ذلك جاسوس"!
عندما سمعت تأوهات الكلاب تتصاعد ويخفت نباحها كأنها في إنتظار أمر ما. سمعت صوته للمرة الأولى، صوت ذلك الذي يدعونه بالجنرال، وهو يقول جملة واحدة لا غير:
ـ أجلبوه عندي؟!
ثم مضى بوثبة واثقة وإن بدى لي يعرج من قدمه اليسرى بشكل لا يرى بوضوح لو لم أكن ملتصقاً بالأرض لصق الغبار بالغبار.
جرجروني هذه المرة بين اكثر من واحد منهم، لم تخلو جرجرتهم من قسوة وجسدي يخط على الرمال إلا أنهم لم يجرأوا على ركلي أو نبش الأنياب في رقبتي كوسيلة أسهل لنقلي. لمحت فيهم الغضب وعدم الفهم، لكن ما عدا الغضب المستشيط والأنياب المشهرة والألسن المتدلية، لم يقوموا بأي رد فعل عنيف، إنقادوا لنداء ما يطلقون عليه "الجنرال" والذي على ما يبدو أنه المسيطر عليهم و الآمر الوحيد بينهم.
وصلنا عند كوخ من طوب الطين وصفائح القصدير، وضعوني بخفة أمام الجنرال الذي أشار لهم بالإنسحاب.
لم ينسحبوا بالكامل، إبتعدوا قليلاً عنا، كانوا يحيطوننا من كل جانب وإن كانوا سيسمعون كلامنا همساً. رأيت فيهم كلاباً ضخمة، جلودها مدبوغة من المعارك أو من أثر الشمس و ريح الصحراء، إلا أنها كلاب قوية صاخبة نابحة لا يسكتها ساكت إلا نظرات وأوامر الجنرال نفسه. لم يبق الجنرال في مقعده طويلاً، بل تقدم حين تركوني مضعضعاً ضعيفاً لا قوة لي على القيام و مواجهته وجهاً لوجه. على العكس مما توقعته، إنحنى الجنرال قربي وتركني لأتمعن بملامحه لوقت طويل. بدى لي مهيباً بوجه صارم، شارب كثيف ورأس ضخمة، لا يميزه عن الكلاب الأخيرة المطيعة لأوامره سوى ذلك الإصرار على أن كلمته هي العليا. في لحظة خطرَ على بالي أنني لا بد وأن تقابلتُ به ذات يوم. ملامحه رغم إنغلاق عيني وتعبي بدت لي مألوفة أو على الأقل من تمعني بعينيه، تأكد لي أنه لم ينو القيام معي بتجربة قاسية من تلك التي عاملني بها أتباعه، بل لمحته ينفرط وجهه عن إبتسامة تطمين وإشارة واضحة لنجاتي.
ـ إذاً تدعى ليدر؟ سألني أخيراً
ـ نعم هذا أسمي... ولكنني لست جاسوساً ولا أميركياً؟
ـ أعرف هذا، ولكنني أعرف أيضاً أن هناك كلب وحيد في هذا البلد يسمى ليدر لا غير؟
ـ أعتقد ذلك.. هذا هو أنا... ولكن لمَ تقول ذلك.
ـ لأنني على معرفة كافية بهذا المسمى ليدر، فإن كنت أنت هو فلا بد أن تكون قد عرفتني!
أسكتني جوابه، فبدأت بتقليب ذاكرتي عسى ولعل توصلني لذكرى أو معلومة تعينني ولو ببصيص أمل لأتعرف على هذا الماثل امامي المدعو "جنرال" والذي يعرفني أو يحاول أن يوقعني في شراكه.
ـ عذراً منك يا... يا.."جنرال"... ذاكرتي تضعف مع مرور الأيام. قلت أخيراً.
ـ سأنشط ذاكرتك!
قال ذلك الجنرال ونهض عارضاً على أنظاري قوامه الضخم، جسد حرقته الشمس ولا عيب فيه سوى عرج في قدمه اليسرى يكاد لا يتبين كثيراً. دار هنا وهناك أمامي، ثم انحنى قرب أسماعي واسرني بتعويذة كنت أتداولها في صغري ولا يعرفها سوى كلب واحد عندما كنا نتنادى فيما بيننا هناك في مكان عزيز أصبح بعيداً في الخلف منا... " ياه، مستحيل، لا أصدق ما تراه عيناي!".
ضحك الجنرال وازاح شاربيه لأتبين خلفها وجه شقيقي الذي فقدت منذ زمن.
رغم وجعي وجروحي فقد قفزت فرحاً دائراً خلفه ومتمعناً كيف صار شقيقي بهذه الصورة. هو بدوره لم يأت بأي رد فعل وكان كل لحظة يبدي مظهراً جدياً شرساً فهمت فيه بأنه لا يستطيع إبداء أي تعاطف أو تقرب أمام شلة كلابه المنقادة له والتي لم تكن ببعيدة عنا تراقب تصرفاتنا.
لم يصمت بعد ذلك للحظة. أمر الكلاب الأخرى أن تساعدني باسترجاع قواي، فكان أن نظفوني وعالجوا ما أمكن من جراحي التي تسببوا بها، وعندما شعرت بالإنتعاش والراحة قليلاً، قادني شقيقي خارج المجموعة " تعال معي لنجد مكاناً ننفرد فيه!". وترك عصبة كلابه متأهبة آمراً إياها أن تبقى حيث هي.
في مكان معزول بعيداً عن عيون ونباح كلابه المنقادة، سمع مني ما جرى لي في الأيام الاخيرة وكيف وصلت إليهم، ولم يسألني عما جرى لنا في بيت المعلم ولا ما آل له مصير أبوينا. أخبرني بدوره أنه قد عرف الكثير من حياتنا السابقة عندما وقعت بيده عليقة تضم دفاترأً حصل عليها من أحد الكلاب الذي قُتل في الآونة الأخيرة ويتذكر أسمه جيداً "هوذا"! كان قد وصل قبل شهر تقريباً إلى معسكرهم هذا وطلب المساعدة بالهرب من البلاد. قال شقيقي:" كنت أشك بوضعه الموارب، تصرفاته غريبة ومع ذلك كنت مستعداً أن أساعده على الهرب لطالما ساعدت العديد منها. لم أحر للأمر أهمية حتى وقع نظري على العليقة التي يحملها معه وعندما لم يتركنا نعرف ما فيها، زادني شكاً فأمرت كلابي أن تنهبها منه. ما أن رأيت الدفاتر وتعرفت فيها على مذكرات المعلم وما خطته يده، ولما لم يقدم لي "هوذا" تفسيراً مقنعاً عن كيفية وصولها له. آنذاك زدنا بتعذيبه، فأعترف لي بما قام به، ويا ليته كذب أو ماطل بكلامه ولم يعترف لي بالحقيقة!.. لم أطل الأمر وتركت مصيره لأنياب كلابي المسعورة فقطعوه تقطيعاً ورموه بجثته بعيداً وسط الصحراء لتأكلها الطيور الجارحة وبنات آوى.. وها هي اليوم معي وقد قرأت أغلب اجزائها وعلمت عبرها ما حل بالجميع، أوضاعكم الأخيرة، كيف مات أبوينا وما جرى لك أيضاً، فقد دون المعلم تفاصيلها بكل دقة".
هنا ادركت وحسب أن العليقة التي يحملها شقيقي معه ما هي إلا دفاتر و مذكرات المعلم التي نهبها "هوذا" من ضمن ما نُهِب من بيت المعلم، فلم اتأسف عليه و وعيت أنه قد خط مصيره جراء ما اقترفت يداه. ما كنت متلهفاً له هو أن يخبرني شقيقي كيف وصلت به الأمور إلى ان يقود عصبة كلاب في صحراء لا حد لها.
قال لي: " لا تزوق الكلمات يا ليدر، أنا أقود عصبة قطاع طرق وهذه هي الحقيقة... أما كيف وصلت لهذا الواقع، فقد كان منذ فترة طويلة، أوضاع الحرب الأخيرة والدمار زادها شراسة وزادني وعصبتي قوة وسلطة".
راح شقيقي يفكر مسترجعاً تاريخ أيامه التي تلت فراقه عنا بعد أن أهداه المعلم لصديقه، فكان أن أخبرني دون توقف وكأنه يرى كل شيء يمر أمامه عبر شاشة لا مرئية، مغمضاً عينيه شارد الذهن قال لي ملخصاً حياته الماضية:

شقيقي يسرد وقائع حياته الماضية

" لم أرك منذ أن منحني المعلم لصديق له، كان يظن بي قد انتهيت ولم أعد أنفع بشيء. لكن الصحيح أن قدمي المشروطة وعرجي زادني قدوة لأكون ما أرغب، وهذا ما لمحه بي ذلك الرجل الذي أصبحت بعهدته، فكان أن تركني لفترة طويلة لوحدي بلا أي طعام أو شراب. كان يجوعني لأيام ومن ثم يقدم لي فريسة سهلة، أقطعها تقطيعاً والتهمها بظرف دقائق. في البدء كان يقدم لي الدجاج والطيور بأنواعها، ومن ثم راح يلقي لي خرفاناً وأرانب وماعزاً، بل حتى خنازير برية لا أعلم من أين حصل عليها. كان على ما يبدو يدربني على القتال. تجويع وصمود لأيام، ونزاع معارك بعد ذلك. حتى جاءت اللحظة الحاسمة عندما رأيتني وجهاً لوجه مع أحد الكلاب المتشردة، والذي لم يصبر أمامي سوى دقيقة، مات المسكين بين أنيابي دون أن يكون له الأمل بمواجهة حقيقية أو على الأقل معركة متكافئة.
بعد مران طويل ومواجهات مع كلاب مختلفة الأنواع والحجوم، حضر يوماً ليقودني معه في سيارته إلى مكان بعيد خارج المدينة. هناك في مزرعة منعزلة تعود لرجال دولة مهمين، قمت بمعركتي الرسمية رقم1 والتي ستجر إلى معارك أخرى في المكان نفسه أو في أماكن أخرى. ما أن تزداد شهرتي و وحشيتي وانتصاراتي حتى أرى صاحبي سعيداً باشاً يقودني من حلبة لأخرى وليس علي سوى أن أزيد قائمتي من الكلاب النافقة تحت أقدامي ودمها يصبغ فمي وجسدي صبغاً. كانوا قد أطلقوا علي أسم "الأعرج المميت"، وكان الجميع يتمنى لكلابه أن تكون بنفس خفتي وإهتزاز جسدي وانا أحاصر ضحاياي. أصبحت شهيراً وما يمر أسبوع دون أن أكون في حلبة صراع يتحداني فيها كلب جديد. لقد مرت بين أنيابي هذه اجساداً لا تحصى و رقاباً مقصومة لدرجة لم اعد أتذكر كم صرعتُ في نزاعاتي تلك، ولم اعد قادراً على تذكر الوجوه الكلبية الممددة تحتي.
لكن كما انه لكل شيء بداية، لا بد وأن له نهاية قريبة!
في الأيام الأخيرة كان صاحبي يحملني لمنازعات في قصور ناس مهمين واحداً منها كان قصر الرئيس نفسه. كان الحضور من كل الطبقات والمراتب، كنت ألمح إبن الرئيس في مقدمتهم، وكان عليّ في واحدة من عراكاتي أن أصارع كلب إبن الرئيس نفسه. كنت واثقاً من قدرتي على صرعه بنفس السهولة التي صرعت فيها كلاباً عاتية، غير أنني في تلك المرة شعرت بحركة غريبة تجري من حولي ويشارك فيها صاحبي نفسه.
قادني برفقة آخرين إلى حجرة جانبية، هناك ربطوني إلى عمود وضربوني بقسوة على قدمي اليسرى ليزداد عرجي عرجاً، كما انهم راحوا يكيلون لرقبتي وظهري ضرباً وكسراً، ثم أدخلوا في خلفيتي أنبوباً ونفخوا فيه، ومسحوا أنيابي بمعجون غريب الطعم. تركوني لربع ساعة، ثم جاء صاحبي وفك قيدي وسحلني حتى الحلبة لأواجه بأكبر كلب رأته عيناي حتى اليوم. كنت محطماً بكل معنى الكلمة، مخدراً ولا قدرة لي كبيرة على الوقوف أو التحرك والقفز. عرفت و أنا في مواجهة هذا الوحش بأنه كلب إبن الرئيس، ولمحته متحمساً ينفث دخان سيكاره الطويل ليراه يسحقني سحقاً. هناك فهمت ما قاموا به معي من تكسير وتخدير حتى لا أستطيع الفوز على كلبه المدلل.
لم يمهلني الكلب الوحش ذاك أية فرصة للتنفس ومراجعة إمكانياتي، فكان أن هجم عليّ وقظمني قظماً شديداً ومن ثم طوحني عالياً لأحط مرتطماً بالسياج الحديدي الذي يحيط حلبتنا. لم يكن لي فرصة للنجاة حقيقة، فقد قرر الجميع أن أكون الضحية القادمة. لكنني في داخلي كنت رافضاً لهذه الخديعة، إذ بقيت أتحمل عضاته وركلاته بكل برودة أعصاب، حتى وجدت فرصتي الوحيدة لا غيرها عندما أرخى عظام رقبته ظاناً بأنني قد قضيت نحبي، فكان أن درت دورة كاملة محرراً جسدي قدر المستطاع وقفزت قفزتي العرجاء التي يعرفها جميع منْ حضر نزاعاتي السابقة... قفزة من الخفة أن فاجأت الكلب المتوحش هذا مثلما فاجأت الكلاب الأخرى التي فطست بين أنيابي. حركة من الدقة أن الكلب الآخر لم يعرف أين أختفيت عن انظاره حتى شعر بأنيابي القاطعة قد إنقضت على تفاحة رقبته، بينما أقدامي متشبثة بجسده الهائل لتمنعه من الحركة منعاً باتاً، فلا قوة في العالم آنذاك كانت قادرة على تخليصه من قبضتي.
كنت ألمح كلب إبن الرئيس يلفظ أنفاسه دون أن أرخي عضلاتي. بمواجهتي كان الحشد الهائل يصرخ بكل الألفاظ، ولكن لا أحد كان قادراً على تشجيعي أزاء نظرات إبن الرئيس المجنونة وهو يرى بعينيه كلبه ينفق بين أنيابي. لحظات قبل أن افك الكلب وقد تقهقر ومضت روحه بلا رجعة، لمحت إبن الرئيس بإشارة ما لآخرين، ولأرى نفسي وحيداً ـ جثة الوحش غارقة بدمائها على الأرض أمامي ـ بمواجهة ثلاثة كلاب بضخامة الوحش نفسه. شعرت بالهزيمة ولم أرّ منْ يحتج. لم أحتج انا نفسي مثلما لم أكن واثقاً بالمرة من فوزي القادم بمواجهة ثلاثة كلاب دفعة واحدة، كلاب مثلي متمرنة على الصراع والقتل. حاولت بكل ما بقي لي من جهد و قدرة على النهوض، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل، لأجد نفسي معضوضاً مدمى ومطوحاً بي من الكلاب الثلاثة التي كانت تتسلى بلعق دمائي وتقطيع أوصالي حتى فقدت الوعي تماماً. انطرحت على الأرض قرب جثة الوحش، وقد ظننت أنني قد انتهيت. مت. أغمضت عيني و رحت في إغفاءة عميقة مغادراً الدنيا للأبد...
لا بد أنني قد غبت عن الوعي لساعات قبل أن أشعر بنفسي مرمياً فوق أكوام أزبال خارج المدينة.
كان من الصعب عليّ تحريك جسدي. الجروح المفتوحة في كل أنحاء جسدي كانت ما تزال تنز دمها، رقبتي نصف معضوضة وأقدامي مكسرة، لكنني كنت ما أزال على قيد الحياة بعد فوق مزبلة عالية علو بناية ضخمة. فكرت أن صاحبي او آخرين قد حملوا جثتي الدامية ـ ربما عرفوا بانني حي ولا نفع بي بعد ذلك بشيء ـ  في سيارة ومن هناك رموني دون أن يراهم أحد، تاركين للقدر أن يقرر موتي من نجاتي. لا أعرف حتى اليوم كيف لم يقتلوني بطلقة واحدة، وكان هذا أسهل الحلول؟
ما جرى لي بعد ذلك كان رحلة عذاب و مداواة على مدار أشهر.
متخفياً عن الأنظار استرجعت قواي وبدأت انظر للأمور بشكل آخر. كان جل همي أن أداوي جراحي العديدة، ولم اكن ألجأ لخروج أو مجابهة سوى للحصول على ما يبقيني على قيد الحياة. كنت مثل فأر الجحور، لا حول لي ولا قوة على أي ظهور، متوارياً عن الأنظار قدر المستطاع، همي الوحيد العيش، العيش وحسب.
في تلك الفترة بدأت أفهم الحياة فهماً مختلفاً، ليست كحلبة صراع وحسب بل أكبر من ذلك بكثير، ومع ذلك فالحياة نفسها إن كانت قد قدرت لك درباً تسلكه فلا مجال لمخالفتها. كنت قد وطدت نفسي في تلك الشهور على منوال آخر وقد بدأت أشفى تدريجياً من جراح الجسد والروح، وفكرت أن الحياة ستلقاني بمصير آخر، لكن الأقدار تنقلك من جديد لمواجهات أخرى... فها أنت تراني أقود عصبة كلاب قطاع طرق، أجل قطاع طرق فهذا أسمها الحقيقي في بلاد بلا قانون ولا أمان. كان عليّ أن أتركها تنهش من لحمي لأن مواجهتها كلها كان مستحيلاً، أو أن أحك بظرف ثوان ما وطدت نفسي على نسيانه طوال أشهر الشفاء، وهو ما حصل تماماً.. بلفتة واحدة إسترجعت حاستي في القتل والمجابهة لأرضخها لسلطتي. حصل كل شيء دون مواجهات دموية تستحق الذكر، كأنها كانت بانتظاري، كانت بحاجة لقيادتي، وقد رضيت بتسلطي وهيمنتي عليها.. وأنا منذ ذلك الوقت حتى الآن أمضي بقيادتها متمتعاً بصفة "جنرال" وهمية تقدسها عصبتي حتى الموت. اليوم معهم، بعد الأحداث الأخيرة، أحكم مقاطعة طويلة قرب الحدود، لا أحد من رعيتي يرفض لي أمراً أو يعارضني بشيء. أمضي وحيداً في كل أفعالي، مقتنعاً يوماً بعد آخر بأنني جنرال فعلاً وسأنتصر إنتصاراً عظيماً أو سأموت شر ميتة كجنرال لهذه الزمرة... لكن دعني أخبرك شيئاً يا شقيقي، أنا مقتنع أن يومي الأخير سيقدم عن طريق واحد من أعواني أو عن طريق عصابة أقوى تنافسنا على الربح، وهي في تكاثر. لا شيء نافع بكل ما قمت به سابقاً، ولا شيء ينفع بما أقوم به اليوم، لكنه الشيء الوحيد الذي عرفته وعلموني منذ الطفولة، ومجبر على القيام به حتى النهاية... أن أقوم به على أفضل وجه ـ أو أسوأه منْ يدري ـ وهذا ما أنا ماض به حتى ختام الشوط... الختام لا غير".






تمثيلات الخراب في رواية ( مذكرات كلب عراقي) لعبد الهادي سعدون

علي كاظم داود

جريدة العالم في 14/2/2013
http://www.alaalem.com/programs/pdf/upload/irq_1012398264.pdf

عمدت الرواية العراقية الجديدة، خصوصاً الصادرة بعد التغيير، إلى تقنيات مختلفة لتمثيل الواقع، حيث كثّفت من توظيف المعماريات السردية الجديدة وجماليات ما وراء القص (الميتا سرد)، بما في ذلك الاشتغال في أُطر فنتازية، إلا أنها ـ في كل ذلك ـ كانت تستهدف الواقع المعيش دلالياً.
في كتابه "رسائل إلى روائي شاب" يقول ماريو فارغاس يوسا: "إن أصالة الكاتب الفنتازي تكمن، قبل كل شيء، في الطريقة التي يُظهر بها مستوى الواقع..." ، وهذه المقولة، بالنظر لتعلقها بنظم لون من ألوان الفنون الحكائية، يمكن لها أن تكون عتبة مناسبة لقراءة رواية (مذكرات كلب عراقي) للروائي والقاص عبد الهادي سعدون، والصادرة عن دار ثقافة للنشر والتوزيع في بيروت عام 2012، في 170 صفحة، حيث تتخذ هذه الرواية من الفنتازيا إطاراً تقدم من خلاله واقعاً مرّاً، معيشاً على نحوٍ ما.
تتشكل الأدوات السردية في هذه الرواية من تلك النزعة التوثيقية في سردها للأحداث، خصوصاً في ما يتعلق بتمثيل الواقع الخارجي، بينما تتجه نحو التخييل لصناعة مدركات واقع السارد، الكلب ليدر، بوصفها سيرة حياة عاشها، أو أحداث كان شاهداً عليها.
في الرواية يتقمّص "ليدر" معاناة الإنسان العراقي، ويروي أحداثاً تتمثل واقعه، تجسيداً لذلك النموذج البشري المهمّش، بفعل فاعل. فإذا عُرف أن لا قيمة للكلب في ثقافة المجتمع العراقي، إذ إنها ـ أي هذه الثقافة، بخلاف ثقافات أخرى ـ تنظر له بازدراء، وتركز على إبراز الجوانب السلبية والوضيعة فيه؛ ولهذا يستخدم رمزاً للشتم والتقريع ـ على الأغلب ـ إذا وصف به أحد ما، كما ويتجسد فيه الإهمال والاحتقار وعدم الاعتناء، من قبل الإنسان، حتى ضرب به المثل في ذلك. إذا استحضرنا هذه الخلفية الثقافية، سنعلم أن هذه الرواية تستبطن فهماً جيداً لطريقة التفكير التي كانت تحكم البلد، و(المنهاج الثقافي) الحقيقي الذي كان يتجسد عملياً في ممارسات النظام وتعامله مع الفرد ... فما معنى أن يطعم الإنسان لحيوانات النظام المفترسة، وأية قيمة له وهو يعدم بهذه الطريقة البدائية البشعة، مهما كان جرمه، إذا كان له جرم فعلاً!
"ليدر" ذلك الكلب العراقي الذي انتهى به المآل في دولة أوربية، ينزوي في مأواه ليكتب مذكراته المليئة بالمآسي والأحزان والمفارقات؛ يروي كيف يُنتزع من حياته الهانئة في كنف صاحبه، الذي يدعوه المعلم، ليُلقى به في صراعات عديدة أريد لها أن تكون للفرجة والمتعة، وليكون هو الخاسر الوحيد فيها، لكنه يتحامل على جراحاته وآلامه ليحقق النصر في النهاية.
المعلم هو الآخر عاش معاناة كبيرة سببها له النظام الحاكم، حيث تصادر مزرعته ومنزله، وبعد ذلك يسجن. وهذه المآسي امتداد لما تعرضت له عائلته التي صودرت مزارعها المطلة على امتداد النهر، للضرورات الأمنية نفسها، "تلك الأحجية المخيفة التي يستخدمونها في كل شأن" بحسب تعبير الرواية. لكن هذه الضرورات، في الحقيقة، لم تكن إلا لبناء قصور لأتباع النظام في هذه الأراضي المستلبة من أصحابها قهراً.
الرواية تعيد سرد وقائع الخراب العراقي قبل وبعد حدث سقوط نظام صدام. خراب الإنسان، أو ما لحقه من تخريب، بامتهان كرامته وانعدام قيمته في حسابات أصغر أفراد ذلك النظام القمعي، ما أثّر على سلوكه الجمعي بعد ذلك. الكل كان معرضاً للاعتقال، دون سبب يستحق. "ليدر" أيضاً، بوصفه نموذجاً ممسوخاً لإنسان هذا البلد، يُلقى به في سجن كبير، يشاركه فيه عدد كبير من الكلاب المعتقلة.
السلطة تتخلى عن الجميع في اللحظات الحرجة، إلى هذه الميزة التي عرفها العراقيون في العهد السابق يشير "ليدر" في مذكراته، حيث يروي كيف ترك الحراس الزنازين مقفلة وهربوا مع دخول القوات الأمريكية للعراق.
بعد إفلاته من المعتقل يتجول في بغداد، ويراها كما لو كانت "شبح مدينة، مدينة خراب، وكأنها لم يسكنها أحد قبل الآن". فيوثق تلك الفترة الأقسى في تاريخ المدينة، حيث ملأتها الصواريخ والمواجهات المسلحة بالأنقاض والسيارات المحروقة والجثث. ثمة أيضاً من يهللون ويهتفون فرحاً بالحرية القادمة.
في هذه اللحظات تجسد الرواية انتقاماً رمزياً، نفذه الكلب بأحد تماثيل صدام التي لم تجد الجموع غيرها لتصفية الحساب معه، فيعمد لإفراغ مثانته الممتلئة على رأسه. يشعر لحظتها بالنصر، ولو افتراضياً، فيقول: "تلك اللحظة التي لن أنساها، شعرت بكل حزني وتعاستي تنزاح مع الجموع الهادرة، وأحسست بأنني أسعد كلب في العالم"... وفي هذا تأكيد على صورية النظام وهشاشته، خصوصاً في أواخر أيامه، فلم يكن يتراءى إلا في تماثيل من الحجر أو البرونز، موزعة على مفارق الطرق، لفرض هيبة الدولة الزائفة، والتي ارتبطت بشخص واحد فقط.
يلتقي "ليدر" بمعلمه ثانية، لكنه يفقده سريعاً، إذ يُقتل الرجل في اجتياح عارم من قبل السراق الملثمين لمنزله. يعيش بعد ذلك حياة التشرد واللاقرار، يقع بأيدي المستغلين والعصابات، حتى كأن شبح الموت يطارده أينما ذهب، فيرى نفسه يهوي نحو الأعماق في جحيم حقيقي، ما يدفعه إلى القناعة والاعتراف بأن "الغضب والكره هما المحركان الوحيدان للعالم... وأي عالم هو هذا، إنه الجحيم بعينه، لا أثر لرحمة ولا مكان لمحبة".
هذا اليأس من الواقع المأزوم لا يترك له خيارات كثيرة، فيضطر للاندساس متخفّياً في شاحنة متجهة خارج الحدود. يهرب تاركاً خلفه الخراب والدم الذي صبغ العراق في تلك الفترة، لكنه يتساءل: "كيف نهرب ... من الذاكرة المعششة في كل واحد منا؟". هجرة "ليدر" توازي في مدلولها هجرة ملايين من العراقيين للسبب نفسه، أو لأسباب أخرى، فهذا البلد قد امتهن كرامة الإنسان، بل والحيوان أيضاً، كما قرأنا.
وعلى الرغم من إتقان سرد الرواية إلى درجة عالية، تصل لإمكانية اعتمادها أنموذجاً لما يمكن الاصطلاح عليه بـ "شعرية الحدث" في الرواية، والتي نعني بها التأسيس لأدبية الروي بالتركيز على الفعل المنتج للحدث، لتحريك السرد ودفعه إلى الأمام دائماً، وهذا ما أوسعنا الكلام عنه في مقال منشور بعنوان "الرواية بين شاعرية اللغة وشعرية الحدث" ... إلا أن ما يؤخذ عليها، بالمقابل، هو ذلك الضمور في الإحساس بالواقع، ليس من قبل السارد الداخلي المشارك، بل من قبل المؤلف، حيث يبدو عمله تسجيلياً نوعاً ما، يركز على صناعة التاريخ الموازي، الذي يريد اطلاعنا على تفاصيله، دون أن نجد ذلك الشيء، الخفي والمؤثر، الذي يجعلنا نتفاعل معها شعورياً. في هذه الرواية، إذن، نقرأ عن حشد الخراب الذي اجتاحنا، ولكن بعين الراصد من بعيد، لا بمشاعر من عايش هذا الخراب أو اكتوى بجمره.
"مذكرات كلب عراقي" رواية مهمة للتاريخ، بما رصدته، وبما وجهته من إدانات ثقافية، سكت عنها البعض. فهي تدين، وبالأدلة المسرود لها في المتن، همجية نظام تخريبي حكم العراق عقوداً طويلة. كما تشير بإصبع الاتهام إلى القوات الأمريكية التي غزت العراق في 2003، مثيرة الأسئلة حول جدوى الفوضى العارمة التي أسهمت في إشاعتها. وتدين الإنسان أيضاً، بمقدار مسؤوليته، لأنه كان أداةً فاعلة في كرنفال العبث.
هذه الرواية لم تخرج من عالمها الواقعي، لكنها أفادت من الإمكانيات التخييلية التي تتيحها الفنتازيا، لتقديم رؤيتها الواقعية الخاصة، عبر تنويع تقني جديد على مستوى العراق، وصوت سردي مقموع روائياً، هو صوت الكلب، حتى لو كان ـ هو الآخر ـ يمتلك ما يريد البوح به.