الأحد، 17 فبراير 2013



مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)..


مذكرات كلب عراقي (فصلان من رواية)

ذكر الأحداث الغريبة والوقائع العجيبة
لما جرى للكلب العراقي المدعو ليدر

نشرت في موقع شهريار
http://www.shehrayar.com/ar/content/view/full/7408 


وقوعي بقبضة قطاع الطرق ولقائي بزعيمها الجنرال

كنت قد سلمت أمري للخلاص النهائي الذي أدركت انه قريب لا محالة، وان انفاسي الأخيرة الفظها الآن وحسب وستنطفئ شعلة عيني بظرف ثوان. كان جسدي يتطاير وتتناوشه الأنياب الحادة وأشعر بها تنغرز في كل أجزاء جسدي. في البدء شعرت بها مميتة قاسية مؤلمة، وبعد حين أصبحت مثل غرز أبر دقيقة لتنتهي بأن تكون بالنسبة لي بمثابة لسعات عابرة لا أشعر بأثرها سوى بتطويح جسدي من جهة لأخرى.
تخميني لم ينجح هذه المرة ايضاً.
بينما كنت اتهاوى ككرة بين أقدام الكلاب المتهيجة التي سبتني ونعتتني بالجاسوس، وجسدي لم يسلم من نهشها وتعذيبها، شعرت وكأن أحدهم قد ركلني ركلة قوية ليبعدني عن الأقدام المتوثبة المستمرة بالضرب والتقطيع، فما ان طار جسدي وحط بكل ثقله صاخباً ضاجاً كحجارة صلدة مثيراً زوبعة ترابية متعالية، سمعتُ من يؤنب الكلاب بأقبح الأوصاف ويتناوب على مواجهتها وتقريعها، وهي بين مصدقة ومكذبة لم تدرك سبب هياج ذلك الكلب الذي ينعتونه بالجنرال، ومن ثم يطلبون عفوه وسماحه لأنهم لم يفهموا ثورته دفاعاً عن كلب نافق "و فوق ذلك جاسوس"!
عندما سمعت تأوهات الكلاب تتصاعد ويخفت نباحها كأنها في إنتظار أمر ما. سمعت صوته للمرة الأولى، صوت ذلك الذي يدعونه بالجنرال، وهو يقول جملة واحدة لا غير:
ـ أجلبوه عندي؟!
ثم مضى بوثبة واثقة وإن بدى لي يعرج من قدمه اليسرى بشكل لا يرى بوضوح لو لم أكن ملتصقاً بالأرض لصق الغبار بالغبار.
جرجروني هذه المرة بين اكثر من واحد منهم، لم تخلو جرجرتهم من قسوة وجسدي يخط على الرمال إلا أنهم لم يجرأوا على ركلي أو نبش الأنياب في رقبتي كوسيلة أسهل لنقلي. لمحت فيهم الغضب وعدم الفهم، لكن ما عدا الغضب المستشيط والأنياب المشهرة والألسن المتدلية، لم يقوموا بأي رد فعل عنيف، إنقادوا لنداء ما يطلقون عليه "الجنرال" والذي على ما يبدو أنه المسيطر عليهم و الآمر الوحيد بينهم.
وصلنا عند كوخ من طوب الطين وصفائح القصدير، وضعوني بخفة أمام الجنرال الذي أشار لهم بالإنسحاب.
لم ينسحبوا بالكامل، إبتعدوا قليلاً عنا، كانوا يحيطوننا من كل جانب وإن كانوا سيسمعون كلامنا همساً. رأيت فيهم كلاباً ضخمة، جلودها مدبوغة من المعارك أو من أثر الشمس و ريح الصحراء، إلا أنها كلاب قوية صاخبة نابحة لا يسكتها ساكت إلا نظرات وأوامر الجنرال نفسه. لم يبق الجنرال في مقعده طويلاً، بل تقدم حين تركوني مضعضعاً ضعيفاً لا قوة لي على القيام و مواجهته وجهاً لوجه. على العكس مما توقعته، إنحنى الجنرال قربي وتركني لأتمعن بملامحه لوقت طويل. بدى لي مهيباً بوجه صارم، شارب كثيف ورأس ضخمة، لا يميزه عن الكلاب الأخيرة المطيعة لأوامره سوى ذلك الإصرار على أن كلمته هي العليا. في لحظة خطرَ على بالي أنني لا بد وأن تقابلتُ به ذات يوم. ملامحه رغم إنغلاق عيني وتعبي بدت لي مألوفة أو على الأقل من تمعني بعينيه، تأكد لي أنه لم ينو القيام معي بتجربة قاسية من تلك التي عاملني بها أتباعه، بل لمحته ينفرط وجهه عن إبتسامة تطمين وإشارة واضحة لنجاتي.
ـ إذاً تدعى ليدر؟ سألني أخيراً
ـ نعم هذا أسمي... ولكنني لست جاسوساً ولا أميركياً؟
ـ أعرف هذا، ولكنني أعرف أيضاً أن هناك كلب وحيد في هذا البلد يسمى ليدر لا غير؟
ـ أعتقد ذلك.. هذا هو أنا... ولكن لمَ تقول ذلك.
ـ لأنني على معرفة كافية بهذا المسمى ليدر، فإن كنت أنت هو فلا بد أن تكون قد عرفتني!
أسكتني جوابه، فبدأت بتقليب ذاكرتي عسى ولعل توصلني لذكرى أو معلومة تعينني ولو ببصيص أمل لأتعرف على هذا الماثل امامي المدعو "جنرال" والذي يعرفني أو يحاول أن يوقعني في شراكه.
ـ عذراً منك يا... يا.."جنرال"... ذاكرتي تضعف مع مرور الأيام. قلت أخيراً.
ـ سأنشط ذاكرتك!
قال ذلك الجنرال ونهض عارضاً على أنظاري قوامه الضخم، جسد حرقته الشمس ولا عيب فيه سوى عرج في قدمه اليسرى يكاد لا يتبين كثيراً. دار هنا وهناك أمامي، ثم انحنى قرب أسماعي واسرني بتعويذة كنت أتداولها في صغري ولا يعرفها سوى كلب واحد عندما كنا نتنادى فيما بيننا هناك في مكان عزيز أصبح بعيداً في الخلف منا... " ياه، مستحيل، لا أصدق ما تراه عيناي!".
ضحك الجنرال وازاح شاربيه لأتبين خلفها وجه شقيقي الذي فقدت منذ زمن.
رغم وجعي وجروحي فقد قفزت فرحاً دائراً خلفه ومتمعناً كيف صار شقيقي بهذه الصورة. هو بدوره لم يأت بأي رد فعل وكان كل لحظة يبدي مظهراً جدياً شرساً فهمت فيه بأنه لا يستطيع إبداء أي تعاطف أو تقرب أمام شلة كلابه المنقادة له والتي لم تكن ببعيدة عنا تراقب تصرفاتنا.
لم يصمت بعد ذلك للحظة. أمر الكلاب الأخرى أن تساعدني باسترجاع قواي، فكان أن نظفوني وعالجوا ما أمكن من جراحي التي تسببوا بها، وعندما شعرت بالإنتعاش والراحة قليلاً، قادني شقيقي خارج المجموعة " تعال معي لنجد مكاناً ننفرد فيه!". وترك عصبة كلابه متأهبة آمراً إياها أن تبقى حيث هي.
في مكان معزول بعيداً عن عيون ونباح كلابه المنقادة، سمع مني ما جرى لي في الأيام الاخيرة وكيف وصلت إليهم، ولم يسألني عما جرى لنا في بيت المعلم ولا ما آل له مصير أبوينا. أخبرني بدوره أنه قد عرف الكثير من حياتنا السابقة عندما وقعت بيده عليقة تضم دفاترأً حصل عليها من أحد الكلاب الذي قُتل في الآونة الأخيرة ويتذكر أسمه جيداً "هوذا"! كان قد وصل قبل شهر تقريباً إلى معسكرهم هذا وطلب المساعدة بالهرب من البلاد. قال شقيقي:" كنت أشك بوضعه الموارب، تصرفاته غريبة ومع ذلك كنت مستعداً أن أساعده على الهرب لطالما ساعدت العديد منها. لم أحر للأمر أهمية حتى وقع نظري على العليقة التي يحملها معه وعندما لم يتركنا نعرف ما فيها، زادني شكاً فأمرت كلابي أن تنهبها منه. ما أن رأيت الدفاتر وتعرفت فيها على مذكرات المعلم وما خطته يده، ولما لم يقدم لي "هوذا" تفسيراً مقنعاً عن كيفية وصولها له. آنذاك زدنا بتعذيبه، فأعترف لي بما قام به، ويا ليته كذب أو ماطل بكلامه ولم يعترف لي بالحقيقة!.. لم أطل الأمر وتركت مصيره لأنياب كلابي المسعورة فقطعوه تقطيعاً ورموه بجثته بعيداً وسط الصحراء لتأكلها الطيور الجارحة وبنات آوى.. وها هي اليوم معي وقد قرأت أغلب اجزائها وعلمت عبرها ما حل بالجميع، أوضاعكم الأخيرة، كيف مات أبوينا وما جرى لك أيضاً، فقد دون المعلم تفاصيلها بكل دقة".
هنا ادركت وحسب أن العليقة التي يحملها شقيقي معه ما هي إلا دفاتر و مذكرات المعلم التي نهبها "هوذا" من ضمن ما نُهِب من بيت المعلم، فلم اتأسف عليه و وعيت أنه قد خط مصيره جراء ما اقترفت يداه. ما كنت متلهفاً له هو أن يخبرني شقيقي كيف وصلت به الأمور إلى ان يقود عصبة كلاب في صحراء لا حد لها.
قال لي: " لا تزوق الكلمات يا ليدر، أنا أقود عصبة قطاع طرق وهذه هي الحقيقة... أما كيف وصلت لهذا الواقع، فقد كان منذ فترة طويلة، أوضاع الحرب الأخيرة والدمار زادها شراسة وزادني وعصبتي قوة وسلطة".
راح شقيقي يفكر مسترجعاً تاريخ أيامه التي تلت فراقه عنا بعد أن أهداه المعلم لصديقه، فكان أن أخبرني دون توقف وكأنه يرى كل شيء يمر أمامه عبر شاشة لا مرئية، مغمضاً عينيه شارد الذهن قال لي ملخصاً حياته الماضية:

شقيقي يسرد وقائع حياته الماضية

" لم أرك منذ أن منحني المعلم لصديق له، كان يظن بي قد انتهيت ولم أعد أنفع بشيء. لكن الصحيح أن قدمي المشروطة وعرجي زادني قدوة لأكون ما أرغب، وهذا ما لمحه بي ذلك الرجل الذي أصبحت بعهدته، فكان أن تركني لفترة طويلة لوحدي بلا أي طعام أو شراب. كان يجوعني لأيام ومن ثم يقدم لي فريسة سهلة، أقطعها تقطيعاً والتهمها بظرف دقائق. في البدء كان يقدم لي الدجاج والطيور بأنواعها، ومن ثم راح يلقي لي خرفاناً وأرانب وماعزاً، بل حتى خنازير برية لا أعلم من أين حصل عليها. كان على ما يبدو يدربني على القتال. تجويع وصمود لأيام، ونزاع معارك بعد ذلك. حتى جاءت اللحظة الحاسمة عندما رأيتني وجهاً لوجه مع أحد الكلاب المتشردة، والذي لم يصبر أمامي سوى دقيقة، مات المسكين بين أنيابي دون أن يكون له الأمل بمواجهة حقيقية أو على الأقل معركة متكافئة.
بعد مران طويل ومواجهات مع كلاب مختلفة الأنواع والحجوم، حضر يوماً ليقودني معه في سيارته إلى مكان بعيد خارج المدينة. هناك في مزرعة منعزلة تعود لرجال دولة مهمين، قمت بمعركتي الرسمية رقم1 والتي ستجر إلى معارك أخرى في المكان نفسه أو في أماكن أخرى. ما أن تزداد شهرتي و وحشيتي وانتصاراتي حتى أرى صاحبي سعيداً باشاً يقودني من حلبة لأخرى وليس علي سوى أن أزيد قائمتي من الكلاب النافقة تحت أقدامي ودمها يصبغ فمي وجسدي صبغاً. كانوا قد أطلقوا علي أسم "الأعرج المميت"، وكان الجميع يتمنى لكلابه أن تكون بنفس خفتي وإهتزاز جسدي وانا أحاصر ضحاياي. أصبحت شهيراً وما يمر أسبوع دون أن أكون في حلبة صراع يتحداني فيها كلب جديد. لقد مرت بين أنيابي هذه اجساداً لا تحصى و رقاباً مقصومة لدرجة لم اعد أتذكر كم صرعتُ في نزاعاتي تلك، ولم اعد قادراً على تذكر الوجوه الكلبية الممددة تحتي.
لكن كما انه لكل شيء بداية، لا بد وأن له نهاية قريبة!
في الأيام الأخيرة كان صاحبي يحملني لمنازعات في قصور ناس مهمين واحداً منها كان قصر الرئيس نفسه. كان الحضور من كل الطبقات والمراتب، كنت ألمح إبن الرئيس في مقدمتهم، وكان عليّ في واحدة من عراكاتي أن أصارع كلب إبن الرئيس نفسه. كنت واثقاً من قدرتي على صرعه بنفس السهولة التي صرعت فيها كلاباً عاتية، غير أنني في تلك المرة شعرت بحركة غريبة تجري من حولي ويشارك فيها صاحبي نفسه.
قادني برفقة آخرين إلى حجرة جانبية، هناك ربطوني إلى عمود وضربوني بقسوة على قدمي اليسرى ليزداد عرجي عرجاً، كما انهم راحوا يكيلون لرقبتي وظهري ضرباً وكسراً، ثم أدخلوا في خلفيتي أنبوباً ونفخوا فيه، ومسحوا أنيابي بمعجون غريب الطعم. تركوني لربع ساعة، ثم جاء صاحبي وفك قيدي وسحلني حتى الحلبة لأواجه بأكبر كلب رأته عيناي حتى اليوم. كنت محطماً بكل معنى الكلمة، مخدراً ولا قدرة لي كبيرة على الوقوف أو التحرك والقفز. عرفت و أنا في مواجهة هذا الوحش بأنه كلب إبن الرئيس، ولمحته متحمساً ينفث دخان سيكاره الطويل ليراه يسحقني سحقاً. هناك فهمت ما قاموا به معي من تكسير وتخدير حتى لا أستطيع الفوز على كلبه المدلل.
لم يمهلني الكلب الوحش ذاك أية فرصة للتنفس ومراجعة إمكانياتي، فكان أن هجم عليّ وقظمني قظماً شديداً ومن ثم طوحني عالياً لأحط مرتطماً بالسياج الحديدي الذي يحيط حلبتنا. لم يكن لي فرصة للنجاة حقيقة، فقد قرر الجميع أن أكون الضحية القادمة. لكنني في داخلي كنت رافضاً لهذه الخديعة، إذ بقيت أتحمل عضاته وركلاته بكل برودة أعصاب، حتى وجدت فرصتي الوحيدة لا غيرها عندما أرخى عظام رقبته ظاناً بأنني قد قضيت نحبي، فكان أن درت دورة كاملة محرراً جسدي قدر المستطاع وقفزت قفزتي العرجاء التي يعرفها جميع منْ حضر نزاعاتي السابقة... قفزة من الخفة أن فاجأت الكلب المتوحش هذا مثلما فاجأت الكلاب الأخرى التي فطست بين أنيابي. حركة من الدقة أن الكلب الآخر لم يعرف أين أختفيت عن انظاره حتى شعر بأنيابي القاطعة قد إنقضت على تفاحة رقبته، بينما أقدامي متشبثة بجسده الهائل لتمنعه من الحركة منعاً باتاً، فلا قوة في العالم آنذاك كانت قادرة على تخليصه من قبضتي.
كنت ألمح كلب إبن الرئيس يلفظ أنفاسه دون أن أرخي عضلاتي. بمواجهتي كان الحشد الهائل يصرخ بكل الألفاظ، ولكن لا أحد كان قادراً على تشجيعي أزاء نظرات إبن الرئيس المجنونة وهو يرى بعينيه كلبه ينفق بين أنيابي. لحظات قبل أن افك الكلب وقد تقهقر ومضت روحه بلا رجعة، لمحت إبن الرئيس بإشارة ما لآخرين، ولأرى نفسي وحيداً ـ جثة الوحش غارقة بدمائها على الأرض أمامي ـ بمواجهة ثلاثة كلاب بضخامة الوحش نفسه. شعرت بالهزيمة ولم أرّ منْ يحتج. لم أحتج انا نفسي مثلما لم أكن واثقاً بالمرة من فوزي القادم بمواجهة ثلاثة كلاب دفعة واحدة، كلاب مثلي متمرنة على الصراع والقتل. حاولت بكل ما بقي لي من جهد و قدرة على النهوض، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل، لأجد نفسي معضوضاً مدمى ومطوحاً بي من الكلاب الثلاثة التي كانت تتسلى بلعق دمائي وتقطيع أوصالي حتى فقدت الوعي تماماً. انطرحت على الأرض قرب جثة الوحش، وقد ظننت أنني قد انتهيت. مت. أغمضت عيني و رحت في إغفاءة عميقة مغادراً الدنيا للأبد...
لا بد أنني قد غبت عن الوعي لساعات قبل أن أشعر بنفسي مرمياً فوق أكوام أزبال خارج المدينة.
كان من الصعب عليّ تحريك جسدي. الجروح المفتوحة في كل أنحاء جسدي كانت ما تزال تنز دمها، رقبتي نصف معضوضة وأقدامي مكسرة، لكنني كنت ما أزال على قيد الحياة بعد فوق مزبلة عالية علو بناية ضخمة. فكرت أن صاحبي او آخرين قد حملوا جثتي الدامية ـ ربما عرفوا بانني حي ولا نفع بي بعد ذلك بشيء ـ  في سيارة ومن هناك رموني دون أن يراهم أحد، تاركين للقدر أن يقرر موتي من نجاتي. لا أعرف حتى اليوم كيف لم يقتلوني بطلقة واحدة، وكان هذا أسهل الحلول؟
ما جرى لي بعد ذلك كان رحلة عذاب و مداواة على مدار أشهر.
متخفياً عن الأنظار استرجعت قواي وبدأت انظر للأمور بشكل آخر. كان جل همي أن أداوي جراحي العديدة، ولم اكن ألجأ لخروج أو مجابهة سوى للحصول على ما يبقيني على قيد الحياة. كنت مثل فأر الجحور، لا حول لي ولا قوة على أي ظهور، متوارياً عن الأنظار قدر المستطاع، همي الوحيد العيش، العيش وحسب.
في تلك الفترة بدأت أفهم الحياة فهماً مختلفاً، ليست كحلبة صراع وحسب بل أكبر من ذلك بكثير، ومع ذلك فالحياة نفسها إن كانت قد قدرت لك درباً تسلكه فلا مجال لمخالفتها. كنت قد وطدت نفسي في تلك الشهور على منوال آخر وقد بدأت أشفى تدريجياً من جراح الجسد والروح، وفكرت أن الحياة ستلقاني بمصير آخر، لكن الأقدار تنقلك من جديد لمواجهات أخرى... فها أنت تراني أقود عصبة كلاب قطاع طرق، أجل قطاع طرق فهذا أسمها الحقيقي في بلاد بلا قانون ولا أمان. كان عليّ أن أتركها تنهش من لحمي لأن مواجهتها كلها كان مستحيلاً، أو أن أحك بظرف ثوان ما وطدت نفسي على نسيانه طوال أشهر الشفاء، وهو ما حصل تماماً.. بلفتة واحدة إسترجعت حاستي في القتل والمجابهة لأرضخها لسلطتي. حصل كل شيء دون مواجهات دموية تستحق الذكر، كأنها كانت بانتظاري، كانت بحاجة لقيادتي، وقد رضيت بتسلطي وهيمنتي عليها.. وأنا منذ ذلك الوقت حتى الآن أمضي بقيادتها متمتعاً بصفة "جنرال" وهمية تقدسها عصبتي حتى الموت. اليوم معهم، بعد الأحداث الأخيرة، أحكم مقاطعة طويلة قرب الحدود، لا أحد من رعيتي يرفض لي أمراً أو يعارضني بشيء. أمضي وحيداً في كل أفعالي، مقتنعاً يوماً بعد آخر بأنني جنرال فعلاً وسأنتصر إنتصاراً عظيماً أو سأموت شر ميتة كجنرال لهذه الزمرة... لكن دعني أخبرك شيئاً يا شقيقي، أنا مقتنع أن يومي الأخير سيقدم عن طريق واحد من أعواني أو عن طريق عصابة أقوى تنافسنا على الربح، وهي في تكاثر. لا شيء نافع بكل ما قمت به سابقاً، ولا شيء ينفع بما أقوم به اليوم، لكنه الشيء الوحيد الذي عرفته وعلموني منذ الطفولة، ومجبر على القيام به حتى النهاية... أن أقوم به على أفضل وجه ـ أو أسوأه منْ يدري ـ وهذا ما أنا ماض به حتى ختام الشوط... الختام لا غير".






تمثيلات الخراب في رواية ( مذكرات كلب عراقي) لعبد الهادي سعدون

علي كاظم داود

جريدة العالم في 14/2/2013
http://www.alaalem.com/programs/pdf/upload/irq_1012398264.pdf

عمدت الرواية العراقية الجديدة، خصوصاً الصادرة بعد التغيير، إلى تقنيات مختلفة لتمثيل الواقع، حيث كثّفت من توظيف المعماريات السردية الجديدة وجماليات ما وراء القص (الميتا سرد)، بما في ذلك الاشتغال في أُطر فنتازية، إلا أنها ـ في كل ذلك ـ كانت تستهدف الواقع المعيش دلالياً.
في كتابه "رسائل إلى روائي شاب" يقول ماريو فارغاس يوسا: "إن أصالة الكاتب الفنتازي تكمن، قبل كل شيء، في الطريقة التي يُظهر بها مستوى الواقع..." ، وهذه المقولة، بالنظر لتعلقها بنظم لون من ألوان الفنون الحكائية، يمكن لها أن تكون عتبة مناسبة لقراءة رواية (مذكرات كلب عراقي) للروائي والقاص عبد الهادي سعدون، والصادرة عن دار ثقافة للنشر والتوزيع في بيروت عام 2012، في 170 صفحة، حيث تتخذ هذه الرواية من الفنتازيا إطاراً تقدم من خلاله واقعاً مرّاً، معيشاً على نحوٍ ما.
تتشكل الأدوات السردية في هذه الرواية من تلك النزعة التوثيقية في سردها للأحداث، خصوصاً في ما يتعلق بتمثيل الواقع الخارجي، بينما تتجه نحو التخييل لصناعة مدركات واقع السارد، الكلب ليدر، بوصفها سيرة حياة عاشها، أو أحداث كان شاهداً عليها.
في الرواية يتقمّص "ليدر" معاناة الإنسان العراقي، ويروي أحداثاً تتمثل واقعه، تجسيداً لذلك النموذج البشري المهمّش، بفعل فاعل. فإذا عُرف أن لا قيمة للكلب في ثقافة المجتمع العراقي، إذ إنها ـ أي هذه الثقافة، بخلاف ثقافات أخرى ـ تنظر له بازدراء، وتركز على إبراز الجوانب السلبية والوضيعة فيه؛ ولهذا يستخدم رمزاً للشتم والتقريع ـ على الأغلب ـ إذا وصف به أحد ما، كما ويتجسد فيه الإهمال والاحتقار وعدم الاعتناء، من قبل الإنسان، حتى ضرب به المثل في ذلك. إذا استحضرنا هذه الخلفية الثقافية، سنعلم أن هذه الرواية تستبطن فهماً جيداً لطريقة التفكير التي كانت تحكم البلد، و(المنهاج الثقافي) الحقيقي الذي كان يتجسد عملياً في ممارسات النظام وتعامله مع الفرد ... فما معنى أن يطعم الإنسان لحيوانات النظام المفترسة، وأية قيمة له وهو يعدم بهذه الطريقة البدائية البشعة، مهما كان جرمه، إذا كان له جرم فعلاً!
"ليدر" ذلك الكلب العراقي الذي انتهى به المآل في دولة أوربية، ينزوي في مأواه ليكتب مذكراته المليئة بالمآسي والأحزان والمفارقات؛ يروي كيف يُنتزع من حياته الهانئة في كنف صاحبه، الذي يدعوه المعلم، ليُلقى به في صراعات عديدة أريد لها أن تكون للفرجة والمتعة، وليكون هو الخاسر الوحيد فيها، لكنه يتحامل على جراحاته وآلامه ليحقق النصر في النهاية.
المعلم هو الآخر عاش معاناة كبيرة سببها له النظام الحاكم، حيث تصادر مزرعته ومنزله، وبعد ذلك يسجن. وهذه المآسي امتداد لما تعرضت له عائلته التي صودرت مزارعها المطلة على امتداد النهر، للضرورات الأمنية نفسها، "تلك الأحجية المخيفة التي يستخدمونها في كل شأن" بحسب تعبير الرواية. لكن هذه الضرورات، في الحقيقة، لم تكن إلا لبناء قصور لأتباع النظام في هذه الأراضي المستلبة من أصحابها قهراً.
الرواية تعيد سرد وقائع الخراب العراقي قبل وبعد حدث سقوط نظام صدام. خراب الإنسان، أو ما لحقه من تخريب، بامتهان كرامته وانعدام قيمته في حسابات أصغر أفراد ذلك النظام القمعي، ما أثّر على سلوكه الجمعي بعد ذلك. الكل كان معرضاً للاعتقال، دون سبب يستحق. "ليدر" أيضاً، بوصفه نموذجاً ممسوخاً لإنسان هذا البلد، يُلقى به في سجن كبير، يشاركه فيه عدد كبير من الكلاب المعتقلة.
السلطة تتخلى عن الجميع في اللحظات الحرجة، إلى هذه الميزة التي عرفها العراقيون في العهد السابق يشير "ليدر" في مذكراته، حيث يروي كيف ترك الحراس الزنازين مقفلة وهربوا مع دخول القوات الأمريكية للعراق.
بعد إفلاته من المعتقل يتجول في بغداد، ويراها كما لو كانت "شبح مدينة، مدينة خراب، وكأنها لم يسكنها أحد قبل الآن". فيوثق تلك الفترة الأقسى في تاريخ المدينة، حيث ملأتها الصواريخ والمواجهات المسلحة بالأنقاض والسيارات المحروقة والجثث. ثمة أيضاً من يهللون ويهتفون فرحاً بالحرية القادمة.
في هذه اللحظات تجسد الرواية انتقاماً رمزياً، نفذه الكلب بأحد تماثيل صدام التي لم تجد الجموع غيرها لتصفية الحساب معه، فيعمد لإفراغ مثانته الممتلئة على رأسه. يشعر لحظتها بالنصر، ولو افتراضياً، فيقول: "تلك اللحظة التي لن أنساها، شعرت بكل حزني وتعاستي تنزاح مع الجموع الهادرة، وأحسست بأنني أسعد كلب في العالم"... وفي هذا تأكيد على صورية النظام وهشاشته، خصوصاً في أواخر أيامه، فلم يكن يتراءى إلا في تماثيل من الحجر أو البرونز، موزعة على مفارق الطرق، لفرض هيبة الدولة الزائفة، والتي ارتبطت بشخص واحد فقط.
يلتقي "ليدر" بمعلمه ثانية، لكنه يفقده سريعاً، إذ يُقتل الرجل في اجتياح عارم من قبل السراق الملثمين لمنزله. يعيش بعد ذلك حياة التشرد واللاقرار، يقع بأيدي المستغلين والعصابات، حتى كأن شبح الموت يطارده أينما ذهب، فيرى نفسه يهوي نحو الأعماق في جحيم حقيقي، ما يدفعه إلى القناعة والاعتراف بأن "الغضب والكره هما المحركان الوحيدان للعالم... وأي عالم هو هذا، إنه الجحيم بعينه، لا أثر لرحمة ولا مكان لمحبة".
هذا اليأس من الواقع المأزوم لا يترك له خيارات كثيرة، فيضطر للاندساس متخفّياً في شاحنة متجهة خارج الحدود. يهرب تاركاً خلفه الخراب والدم الذي صبغ العراق في تلك الفترة، لكنه يتساءل: "كيف نهرب ... من الذاكرة المعششة في كل واحد منا؟". هجرة "ليدر" توازي في مدلولها هجرة ملايين من العراقيين للسبب نفسه، أو لأسباب أخرى، فهذا البلد قد امتهن كرامة الإنسان، بل والحيوان أيضاً، كما قرأنا.
وعلى الرغم من إتقان سرد الرواية إلى درجة عالية، تصل لإمكانية اعتمادها أنموذجاً لما يمكن الاصطلاح عليه بـ "شعرية الحدث" في الرواية، والتي نعني بها التأسيس لأدبية الروي بالتركيز على الفعل المنتج للحدث، لتحريك السرد ودفعه إلى الأمام دائماً، وهذا ما أوسعنا الكلام عنه في مقال منشور بعنوان "الرواية بين شاعرية اللغة وشعرية الحدث" ... إلا أن ما يؤخذ عليها، بالمقابل، هو ذلك الضمور في الإحساس بالواقع، ليس من قبل السارد الداخلي المشارك، بل من قبل المؤلف، حيث يبدو عمله تسجيلياً نوعاً ما، يركز على صناعة التاريخ الموازي، الذي يريد اطلاعنا على تفاصيله، دون أن نجد ذلك الشيء، الخفي والمؤثر، الذي يجعلنا نتفاعل معها شعورياً. في هذه الرواية، إذن، نقرأ عن حشد الخراب الذي اجتاحنا، ولكن بعين الراصد من بعيد، لا بمشاعر من عايش هذا الخراب أو اكتوى بجمره.
"مذكرات كلب عراقي" رواية مهمة للتاريخ، بما رصدته، وبما وجهته من إدانات ثقافية، سكت عنها البعض. فهي تدين، وبالأدلة المسرود لها في المتن، همجية نظام تخريبي حكم العراق عقوداً طويلة. كما تشير بإصبع الاتهام إلى القوات الأمريكية التي غزت العراق في 2003، مثيرة الأسئلة حول جدوى الفوضى العارمة التي أسهمت في إشاعتها. وتدين الإنسان أيضاً، بمقدار مسؤوليته، لأنه كان أداةً فاعلة في كرنفال العبث.
هذه الرواية لم تخرج من عالمها الواقعي، لكنها أفادت من الإمكانيات التخييلية التي تتيحها الفنتازيا، لتقديم رؤيتها الواقعية الخاصة، عبر تنويع تقني جديد على مستوى العراق، وصوت سردي مقموع روائياً، هو صوت الكلب، حتى لو كان ـ هو الآخر ـ يمتلك ما يريد البوح به.

الأحد، 7 مارس 2010


عبدالهادي سعدون:



ـ هذه التركة الثقيلة المسماة الوطن
ـ تفجيرات مدريد أعادت الصورة النمطية للعرب
ـ باولو كويلهو لا يمتلك الخيال الواسع



أجرى الحديث: عزمي عبدالوهاب



فور تخرجه في الجامعة من قسم اللغة الأسبانية‏,‏ خرج القاص والمترجم عبدالهادي سعدون من العراق‏,‏ نهاية عام‏1993.‏ وفي أسبانيا كانت تلازمه هواجس المغترب‏,‏ ويطارده الماضي‏,‏ فكتب مجموعتين‏:‏ انتحالات هائلة‏,‏ واليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر‏,‏ وأشرف علي إصدار مجلة ألواح وترجم الكثير من قصائد الشعر الأسباني إلي العربية‏,‏ إضافة إلي أنطولوجيا للشعر العراقي‏.‏عبدالهادي سعدون كان ضيفا علي القاهرة لمناقشة مختاراته المترجمة للشاعر بيثنته ألكساندر‏,‏ التي صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر‏,‏ ودار معه هذا الحوار فإلي التفاصيل‏.‏

‏*‏ في مجموعتك القصصية انتحالات عائلة تكتب‏:‏ منذ أن وضعت قدمي في مدريد وأنا أشعر في كل لحظة ثمة ثور سيباغتني وينبت قرنين في خاصرتي‏,‏ لماذا هذا التوجس؟

- هل مازالت لديك تلك الهواجس بعد عشر سنوات من الإقامة هناك؟الإنسان يشعر بالاغتراب بشكل دائم‏,‏ حين يمضي إلي بلد مختلف‏,‏ يحاول أن يوطن نفسه فيه‏,‏ لكنه في كل الأحوال يجد الوطن مغيبا‏,‏ حتي لو عاد إلي وطنه الأصلي يصبح ممزقا بين عالمين‏,‏ فوطنه الوحيد وهو ما يريد أن يصبح عليه‏,‏ وليس هناك وطن مجسد بأرض معينة‏,‏ بطل النص الذي أشرت إليه نموذج للمغترب المتوجة الخائف‏,‏ فالماضي يطارده‏,‏ حتي لو وصل إلي أرض جديدة‏,‏ أو عاش حياة أخري مختلفة‏,‏ وهو في نهاية النص‏,‏ بعد أن زال عنه الخوف‏,‏ يتصادف وجوده مع الثور من جديد‏,‏ ما يعني أن الخوف متجذر في نفسه‏,‏ قد ينساه قليلا‏,‏ لكنه موجود‏,‏ ومن الممكن أن يخرج في أية لحظة‏.‏


‏*‏ تبدو في المجموعة ذاتها وكأنك أحرقت كل المراكب التي تربطك بالعراق‏..‏ لماذا؟

- البطل لديه إحساس قوي بالتخلص من الوطن‏,‏ بسبب التركة الثقيلة لهذا المسمي الوطن لذلك هو يهرب دائما من ماضيه‏,‏ لكن الماضي يتبعه أينما سار‏,‏ وفي كل الأحوال فإن الحرق هنا غير حقيقي‏,‏ إنما فكري‏,‏ لأن الراوي بشكل أو بآخر يصادف أشياء تذكره بذلك الوطن‏,‏ لذلك يتحدث عن الـ هنا والـ هناك‏,‏ وقد يكون هذا الشئ له علاقة بالوطن متمثلا في ذكري حكاية معينة‏:‏في قصص هذه المجموعة حاولت أن أرسم شخصية العراقي المعاصر‏,‏ الرافض لما يحدث في بلاده‏,‏ إنه غير متكيف مع الوضع الجديد‏,‏ الذي يعيشه في المنفي أو الدولة الجديدة‏.‏


‏*‏ هل تتابع الحركة الأدبية في العراق؟

- منذ أن أصدرنا العدد الأول من مجلة ألواح سنة‏1997,‏ كنا حريصين علي متابعة الوضع الثقافي داخل العراق‏,‏ فأصدرنا أعدادا خاصة عن أدب التسعينيات‏:‏ شعرا وقصة ونقدا‏,‏ من أجل فهم وضعية المثقف العراقي في تلك الفترة‏.‏رغم أن المجلة لم تكن تصل إلي العراق إلا بشكل سري‏,‏ لكن هذا الوضع أتاح لنا فرصة قراءة الأدب العراقي منذ أن فرض الحصار علي أدبائه إلي اليوم الآن‏,‏ هناك نوع من الحرية في طرح أية فكرة‏,‏ لذلك تعددت الموجات والأصوات الأدبية‏,‏ فهناك أكثر من نمط كتابة يصور فترة الرئاسة والموت في زمن الديكتاتورية‏,‏ ولاتزال هذه الموجة مستمرة إلي الآن‏,‏ وما يصلنا من كتب يصور المأساة والوضع في العراق في زمنه الأمريكي الجديد‏.‏علي أية حال الكاتب العراقي يحاول في هذه الفترة كتابة نص توثيقي لما يحدث‏,‏ أي نص مهجن بعيد عن التصنيف الأدبي‏,‏ والغرض منه تجميع كل ما يجري في العراق حتي لا تضيع فرصة أرشفته‏.

‏
‏*‏ وهل تختلف الصورة في أدب الخارج‏,‏ حيث شهد العراق أكبر هجرة أدبية في تاريخه علي مدي السنوات الأخيرة؟

- هناك أدب جديد في المنفي يتناول موضوعات العراق‏,‏ ربما أصبح المكان أمكنة متعددة‏,‏ بمعني آخر فالموضوعات والشخصيات عراقية‏,‏ لكنها تتحرك في مكان غير العراق أغلب القصص تدور في مدريد‏,‏ وهناك نماذج كتبها آخرون في بلدان عربية أو أوروبية أو أمريكية‏,‏ لم نكتب نصا ليس له علاقة بالعراق‏.‏إضافة إلي ذلك لايزال الخط الكلاسيكي ممتدا في روايات فاضل العزاوي وجنان جاسم جلاوي وعلي بدر‏,‏ هذه الأسماء مستمرة في كتابة روايات تدور أحداثها في العراق‏,‏ لكن المنفي منحهم حرية تناول ما يجري هناك‏.‏ولدينا نماذج تناولت الوضع في المنفي من خلال حكايات عراقية‏,‏ ويمثل هذا الاتجاه نجم والي‏,‏ ومحسن الرملي‏,‏ وبتول الخضيري‏,‏ بعض الروايات تدور في مناخ عراقي‏,‏ والأخري خارجه‏,‏ لكنه لا تغفل انعكاسات ما يدور في العراق‏.‏


‏*‏ وأين موقع محمد خضير من هذه التقسيمات؟

- خضير حافظ خط جيل الستينيات الكلاسيكي‏,‏ ففي بصرياشا يتناول تاريخ البصرة قديما وحديثا‏,‏ من خلال تقنية التشظي‏,‏ أي أن الرواية ليس لها موضوع مركزي‏,‏ ولم يحدث الاختلاف لديه إلا عبر روايته الأخيرة دفاتر كانون‏,‏ فقد كتبها أثناء أيام الحصار‏,‏ قبل الحرب الأخيرة‏,‏ ويتناول فيها ضمن متخيل ذهني ما يحدث في العراق من خلال لوحة جرنيكا لبيكاسو‏,‏ وفي هذه الرواية لم يخرج خضير عن الإطار الكلاسيكي لأدب الداخل‏,‏ كان الخروج فقط في استلهام لوحة بيكاسو عن الحرب الأهلية الأسبانية‏,‏ يبقي أن خضير علامة من علامات القصة في العالم العربي‏,‏ وليس العراق فقط‏.‏


‏*‏ ما المعايير التي حكمت اختياراتك لأنطولوجيا الشعر العراقي المترجم إلي الأسبانية والكاتلانية التي قمت بإعدادها ؟

اخترت نصوصا لثلاثين شاعرا عراقيا‏,‏ وكان يحكم اختياري لهم العثور علي قصائد لها نفس محلي وتتحدث عن تفاصيل عراقية‏,‏ حتي لا تكون نمطا شعريا مشابها لأي شعر في أسبانيا‏,‏ وهذه الانطولوجيا الشعرية هي الأولي في اللغة الأسبانية‏,‏ وحاولت بها تمثيل الأصوات الشعرية منذ الستينيات حتي أواخر الثمانينات‏,‏ لتبيان التطور والفرق بين جيل وآخر‏,‏ وقد راعيت التنوع العرقي بقدر كبير‏.‏


‏*‏ وهل تلقي مثل هذه الترجمات رواجا شعبيا بعيدا عن مراكز الدراسات والمعاهد البحثية؟

- أغلب الترجمات العربية تصدر في طبعات محدودة‏,‏ باستثناء الأسماء المعروفة مثل نجيب محفوظ أو أمين معلوف‏,‏ فأعمالهما تطبع في كبريات دور النشر‏,‏ ولهما قراؤهما‏,‏ يبقي أن هناك ترجمات حتي وإن صدرت في دور نشر معروفة فإن جمهورها محدود‏,‏ وينحصر في دارسي اللغة العربية‏,‏ ومحبي الآداب المشرقية عموما‏,‏ لكن الأدب العربي لا يزال متوقفا عند عتبة دور النشر الأسبانية ولا يلقي الرواج المطلوب‏.‏


‏*‏ وأين المراكز الثقافية العربية في هذا الإطار؟

- دورها ضعيف في مجمله‏,‏ بسبب تبعية هذه المراكز للحكومات العربية‏,‏ ما يجعل منها مراكز غير مستقلة‏,‏ وبالتالي تصبح نشاطاتها تابعة لسياسة الحكومات‏,‏ حتي لو أقدمت هذه المراكز علي نشاطات معينة‏,‏ فهي تدخل ضمن دائرة الحلقة الأكاديمية للجامعات الأسبانية وحركة الاستعراب‏,‏ أي لا جمهور لها من خارج هاتين الحلقتين‏,‏ وهذه الآفة موجودة في كل المراكز العربية‏,‏ حتي ما يقع ضمن المركز المصري العريق‏,‏ ففي الفترة الأخيرة أغلقت مكتبته وتقلصت أنشطته‏,‏ فعلي مدي سنتين لم يقدم نشاطا ثقافيا حقيقيا‏.‏المشكلة أن أغلب الأشخاص الذين يديرون هذه الأماكن يؤسسون لأدوارهم الشخصية أكثر من الاهتمام بدور ثقافي يخص بلدانهم أو ثقافتهم العربية‏.‏


‏*‏ ألم تؤثر أعمال العنف في مدريد وفرنسا علي أوضاع العرب في أسبانيا؟

منذ وجود المسلمين هناك حتي اندلاع حروب أسبانيا مع الريف المغربي‏,‏ تشكلت رؤية فانتازية سلبية للشخصية العربية‏,‏ كانت الصورة النمطية للعربي أنه القبيح‏,‏ الدموي‏,‏ غير الوفي‏,‏ ومع تطور الحياة والمعرفة المباشرة بالبلدان العربية‏,‏ تغيرت الصورة بشكل جزئي وبعد تفجيرات مدريد أصبح الوضع أسوا‏,‏ وينظر إلي العرب نظرة ريبة وشك وتساؤل‏,‏ رغم أن الشعب الأسباني ليس عنصريا‏,‏ لكن الاتجاهات اليمينية استغلت هذه الأوضاع لترويج الكثير من الصور النمطية واستعادتها حول العربي المسلم‏.‏


‏*‏ ما الذي يجعل من رواية دون كيخوته لثربانتس الأكثر مقروئية في العالم بعد الكتاب المقدس؟

- ثربانتس صنع في دون كيخوته ما يسمي بالرواية المعاصرة‏,‏ لأنه كتب روايته في فترة كانت تكتب فيها روايات تقليدية مثل الروايات الرعوية والتاريخية وروايات الفروسية‏,‏ وهو في دون كيخوته خلق رواية واقعية‏,‏ دخل في صلب المجتمع الأسباني بجميع شرائحه‏,‏ إضافة إلي أنها رواية دينامكية متعددة الشخصيات والأمكنة‏,‏ مليئة بالمتعة الحكائية‏,‏ وتكاد تتبني كل الأنماط القصصية آنذاك بمزيج قل نظيره في زمنه وإلي الآن‏.‏


‏*‏ هل كان متعصبا ضد العرب كما يتضح من روايته‏.‏


- دون كيخوته رواية تكشف خلفية المجتمع الأسباني في ذلك الوقت‏,‏ بمعني أن ثربانتس كان ممثلا حقيقيا لصوت الشعب‏,‏ لذلك حاول في روايته تصوير المجتمع وأبنيته الداخلية‏,‏ ومنها ما كان متداولا عن العدو المسلم المتربص بأسبانيا‏,‏ لكن من يقرأ الرواية كاملة سيجد أكثر من نمط لمعالجة الشخصية العربية‏,‏ فهناك النمط التقليدي لأدب تلك الفترة من سب وتحقير شخصية المسلم والعربي‏,‏ وهذا في رأيي لم يكن إيمانا من ثربانتس بذلك‏,‏ بل إنه كان خاضعا لمحاكم التفتيش آنذاك‏,‏ ولتجربته الشخصية حين وقع أسيرا في أيدي قراصنة من الجزائر‏.‏وفي مواضع أخري يطري ثربانتس إطراء كبيرا علي العرب‏,‏ الشئ بسيط وهو أنه لم يكن ليستطيع متابعة التفاصيل والأحداث والوقائع التي تعرض لها بطله دون كيخوته إلا بفضل الشخصية الخيالية التي ابتكرها كمؤلف حقيقي للرواية‏,‏ وهو ما يصفه بالعالم الفاضل العربي سيدي حامد‏,‏ لذا فإن الرواية متعددة القراءات‏,‏ وبها أكثر من نموذج ورأي حول العربي المسلم‏.


‏‏*‏ تري أن أعمال باولو كويلهو مونتاج ذكي للحكاية مع معالجة هابطة علي أي أساس بنيت رأيك هذا؟

- كويلهو يستغل حكايات موجودة ويطورها بحشو حكائي‏,‏ قد يقضي علي الحكاية الأصلية نفسها‏,‏ يضاف إلي ذلك أنه ليس لديه خيال واسع‏,‏ بديل أنه لم يبتكر حكاية خاصة به‏,‏ بل يبني علي أنقاض نصوص عالمية معروفة‏,‏ ثم إنه ينجح بذكاء في صبغ حكاياته بصبغة فلسفية أو تأملية أو تصوفية‏,‏ حسب نمط الرواية التي يكتبها‏,‏ و هو ما يجعلها من روايات الرواج‏,‏ بدلا من البحث عن جماليات أدبية حقيقية‏,‏ لذا فإن نصوصه تباع بالملايين‏,‏ لكنها لا ترقي إلي مستوي روائع الأدب العالمي المعروفة والتي لا تبيع إلا آلاف النسخ بالكاد.

(نشرت في الأهرام العربي، القاهرة، 14/1/2006)
http://arabi.ahram.org.eg/arabi/Ahram/2006/1/14/CULT1.HTM

Poemas



Abdul Hadi Sadoun






POEMAS



Del poemario (Siempre Todavía)/ Premio Antonio machado de creación literaria, . Ed. Olifante (Estará en librerías en Mayo 2010.




Las nubes

Corzos disolutos
barbas canosas a tiempo
lechoso matorral sin guardián
besos de primer encuentro
del primer amor o del primer lamento

Son las nubes
que contemplo desde mi silla
invadiendo las ventanas de mis ojos
una y otra vez
como lluvia insalvable

Barbas
corzos
matorrales
y yo
contemplándolos
desde mi silla de confesión.




Te digo…

Te digo
que los caminos no son mi profesión
ya que soy por excelencia
un hombre de casa
no me gusta plagiarme
mis pies no aguantan el viaje
se tropiezan desde la eternidad
pero cada vez
me marcho más lejos
no me seduce el deseo de desaparecer
tampoco el gusto de vigilar los paisajes que pasan
gasto mi tiempo como un viajero en su habitación
contemplando la guía turística
y sonriendo sin apenas despeinarme

Te digo
que no soy Virgilio
no soy el dueño del ligero equipaje
soy una vista cansada
y la sonrisa ligera
de una imagen en color sepia.


Pino

Torcido
este pino
como el destino
de mis pasos en la tierra
aguantando largos caminos
y peores aires

Pero aquí estamos
simplemente para acariciarnos la sombra

Torcido pero en pie
a pesar de lo que nos esconde
el único bosque pausado

Torcida mi costilla
igual que tu postura



Torcidos sin espacio
Torcidos sin quimera.

قصائد


قصائد *

شعر : عبدالهادي سعدون *

في القطار
(إلى ماتشادو)

في قطار الضواحي
أو في الدرجة الثالثة
نفس القطار الذي نقلك قبل قرن تقريباً
أمضي أنا
ولكن بمتاع مكتظ بالذكريات
تاركاً مدريد خلفي
وبغداد أبعد مما تتصور.

أنا لا اتأمل شيئاً
ولكنك تعرف أن الكراسي
تختارك بالصدفة.

بجواري ثلاث صبايا، يخبرنني أنهن من الخضرا
قرية ضائعة
و يتصفحن باهتمام كبير
مجلات تافهة،
هناك ايضاً امرأة كبيرة وابنها
مازالت تحتفظ للآن ببريق شباب
و طراوة شاردة من تلك التي سنفقدها كلنا
ذات يوم.

أطلال بيوت، أرى من نافذتي
و حقول زيتون
يافطات و إشارات
ألوان كالأخضر، الأصفر والأحمر
وأخرى بلا تمييز
علامة الهذر المتطاول
بلا توقف.

أحاول أن أغلق أذني
أحاول أن انسى، بلا نجاح،
الأصابع التي تذكرني
أن لا أنسى.

الشمس هي نفسها
على الرغم من أن الشاعر العراقي ذاك
يصر على أنها الأجمل،
هناك
حيث تركت.

مكتفياً
أن لا أفتح
مصاريع الروح.

القطار يسير كعادته
بينما ما أزال ملتصقاً بحرارة النافذة
أو حرارة القصائد الحميمة.

كل شيء يحتاج لبداية
إلا نحن،
فالحياة تكرمنا أن نستمر
ولا تقرضنا
غير هذا السيرك.

أنت تعلم، دون أنطونيو
بأنه ليس هذا الذي نتأمل
كلانا يدرك ذلك
ما أفكر به في رحلتي
كما فكرت به في رحلتك
ما يشغلنا
هو أن نرى الحياة تمر
ـ بسرعة خارقة ـ
أمام أعيننا
مثل هذه الأشجار
التي نراها تتقافز عبر النوافذ
ولا حيلة لنا باللحاق بها.


أسفل شجر الكستناء

مثل بنلوب
أمضي المساءات
أخيط ثوب خيباتي
كي لا أهلك في الفراغ؛
أو مثل شهرزاد
أخيط كل ليلة على منوالي
حكاية لا تخلص
كي لا أموت بالرغبة.

ها أنا هنا
أسفل شجرة كستناء
في حديقة لا دهيسا،
أراجع أيامي الخاوية
مجذراً مغامراتي في المدينة
على الرغم مما يهرب من أيامي.

بلا ألم ولا مجد
متشبثاً بحظوظ متذبذبة
رغم أن كل شيء قد قيل سابقاً
قرون قبل ذلك
أجدادي قد كشفوا عنه
بأن النار
ـ كل النار ـ
لن تخلف بعدها
غيرهذا الرماد.


لا يمس

وجهنا لا يمسْ
بينما مثقوبون تماماً في الصدر،
كحمامة غرنيكا المستوحدة
ـ وسموها بالسذاجة ـ
ذلك أن المطر يتقاطع معنا
مرات عديدة
ولا يرمينا
سوى بالفضيلة.



إعتياد الموت

تنحاز للميتافيزيقيا
على هذا التعود غير المجدي للموت.

هكذا ولا شيء أكثر
شيء ما يجعلك تراقب
خفة الأشياء
وهروبها الطبيعي.

السكون الخافت
للكائن المرتحل
بينما نصر على نسيان
هدير السوط المتنامي.

حصار رومانسي
حراكنا الثابت الوحيد.

في مكان ما
و تشعر بنبض
الزمن المهلك.

نعتذر بالطبع
حتى لا نكرر اللغو.

كل يوم
أعتاد أكثر على الموت
هذا الجوال الأعرج، السليم
الذي يروض أقدامه
بهدوء
في ساحة قريبة
و لا يمنحك الوقت
لتأمل المشهد
ولا هدنة
لرهبة مرتقبة.


http://alketaba.com/index.php?option=com_content&view=article&id=892:2010-03-05-09-07-38&catid=1:vedio&Itemid=107
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قصائد من الديوان الفائز بجائزة أنطونيو ماتشادو العالمية لعام 2009
* شاعر عراقي يقيم في إسبانيا

الأربعاء، 27 يناير 2010

قصة قصيرة: كيس سكر فان كوخ



عبدالهادي سعدون


كيس سكر فان كوخ



( قصة أيروتيكية من كتاب سكر الباه غير المنشور)

نشرت في العدد الخامس/ من مجلة "جسد www.jasadmag.com/ بيروت/ 2010



هذا الكيس ليس له علاقة بمدينة وإنما بفندق، والفندق يسمى فان كوخ. ولكن لم لا، له علاقة ايضاً بمدينة ساحلية لا أجرؤ على ذكر إسمها هنا، لأسباب خارجة عن إرادتي. كنت قد أمضيت صيفاً بطوله عند ساحل تلك المدينة الإسبانية، ليس كسائح مثلما يمكن تصور الأمر، بل بسبب من بحثي عن عمل فيها. كنت قد طردت من عملي السابق في محل لبيع الملابس النسائية، والسبب لم يكن لتحرشي بإمرأة، بل لنقص في خيال صاحب المحل الذي ظن بأنني كنت أعاكس كل نساء المحل وأجرهن لفراشي، لمجرد أن يراني أمزح معهن. لكن هذا الأمر كان لا يعنيه بالضرورة ـ وإن كان يزعجه ـ لطالما أن المهم بالنسبة له هو دخل كل يوم. ولكن الحدث الأكبر هو عندما دخل يوماً من الأيام ووجدني أمزح مع زبونة دخلت تشتري، وقد احتفيت بها أكثر من أية امرأة أخرى، فقد كانت جميلة وخفيفة الظل، إضافة إلى أنها حدثتني عن سفراتها للبدان العربية وعشاقها العرب وهو ما جرنا لحوار طويل ومزاح أطول. الحقيقة أنني لم أتبين وجه صاحب المحل الغاضب وهو يدخل من بوابة المحل إلا في تلك اللحظة التي شرحت فيه للفتاة ما لدينا من حمالات صدر جديدة، فلم يتركني أكمل جملتي حتى أنقض علي وهو يسبني ويكيل لي كل التهم مما لم أسمعه بحياتي كلها. طردني من المحل وأراد الإتصال بالشرطة إلى أن رأيت الفتاة تمنعه من فعله. فهمت قبل أن اختفي دون أن أقبض أجري بالطبع، هو أن الفتاة هي شقيقته الصغرى التي لم أتعرف بها سابقاً ولم أرها تدخل لمرة إلى المحل. وقد تحقق بخياله المنطلق من أنني كنت أغازلها، وربما فكر أنني سأجرها هي الأخرى لفراشي.
في تلك المدينة كنت قد تعرفت على صاحب فندق ـ الأصح هو نزل، لطالما غرفه لا تتجاوز العشر ـ أمضيت فترات مطولة نزيلاً عنده في مواسم قطف الفراولة، والمواسم الأخرى التي لا أجد فيها غرفة في شقة مشتركة، فكان لزاماً علي تمضية الإقامة في النزل، والذي كان الأرخص في المدينة كلها. لذا لجأت له كي أسأله عملاً لطالما أخبرني بحاجة لي لأكثر من مرة، ولكنني لم أوافق لأنه لم يكن يدفع مرتباً مناسباً. عدت له هذه المرة على أمل أن يأويني لفترة في نزله، إذا كان غير قادر على تشغيلي معه. وجدته منشرحاً ووافق أن اعمل معه، ولكن في الفترة الليلية. وافقت فوراً، وهكذا كنت أشتغل ليلاً وأمضي أغلب فترات الصباح بالنوم حتى المساء، لأغتسل وآكل وأصعد للعمل في النزل نفسه الذي أنام في إحدى غرفه الجانبية المخصصة للعمال، والتي هي في الحقيقة حمام و مبولة عامة حولهما صاحب النزل لغرفة باضافة سرير فردي في الوسط.
في إحدى ليالي عملي في النزل حدثت معي هذه الحكاية التي لها علاقة بهذا الكيس.
لم أنم صباح اليوم بشكل كافي لذا كنت مشوشاً طوال عملي الليلي، ولكنني كنت منشرحاً قليلاً فالنزل كان مشغولاً بنسبة قليلة، مما يعني إزعاجاً أقل، وها قد مرت الساعة الثانية عشرة ولم يطرق باب النزل زبون جديد، مما يعني أنني ساغفو في الكرسي دون أي إزعاج. ولكن ما أن مرت ساعة حتى سمعت من يستعلم إن كان هناك غرفة شاغرة. كانت واحدة من تلك السيدات اللواتي لا يمكن تقدير عمرهن، ولكنها ما تزال تحتفظ ببريق شباب، لا أعرف إن كان طبيعياً أم مفبركاً في صالة عمليات. طلبت البقاء لليلة واحدة ودفعت الحساب مقدماً، وقبل أن تصعد إلى غرفتها، طلبت مني " أن كان ممكناً قنينة ماء" فأخبرتها أنها في المخزن ولا نخدم في ساعات الليل، فكان ردها التالي: " أتمنى لو تتعب نفسك من أجلي وتجلب لي قنينة المياه من المخزن، وأنا أنتظرك في الغرفة لأكافئك على صنيعك".
في الحقيقة فكرت في كل الحلول الممكنة إلا أن تلميح السيدة كان يعني مكافأتي مشاركتها الفراش، لسبب بسيط هو أنني لم أتمعن فيها بشكل كافي، وكنت قد فكرت انها ليست من النساء اللاتي يمكنهن شفائي في الفراش، ثم أن وصولها المفاجئ ليللاً واختيارها نزلنا الرخيص، يعني مما يعنيه أنها لم تكن واحدة من تلك الشهيرات اللاتي يبحثن عن رفيق ليلة واحدة. ولكن حدسي أخطأ هذه المرة. ما أن صعدت لها بقنينة الماء، حتى وجدتها قد خلعت ملابسها وأرتدت روب من الموسلين أسود اللون أظهرها كأمرأة جديرة بالحب المتفاني. طلبت مني أن أجلس وأشاركها الغرفة. قبل أن أفكر بماذا أجيبها، أمرتني قائلة: " أنزل واغلق البوابة الرئيسية وأصعد عندي، على أية حال لن يأتي نزيل آخر في هذه الساعة من الليل".
كانت على حق، إضافة إلى انه يمكنني سماع الجرس أو الطرق على البوابة الرئيسية من غرفتها في حال أي طارئ معين.
عندما أصبحت في غرفتها أمهلتني لحظات وكانت أن دخلت الحمام وخرجت علي بحلة ما رأيت مثلها سوى في صور كابريهات فرنسا إثناء الحرب العالمية الثانية. لم ترتد سوى لباس شفاف طرحت فوقه شالاً من القماش الوردي والأزرق بهيئة ورود كبيرة غير متناسقة، كان يغطي جزءاً بسيطاً من لحمها المكشوف تماماً.
قالت لي أن أجلس على الفراش، بعد أن أصرت على أن تخلع عني كل ملابسي بنفسها. ثم تحدثت وكأنها زوجة تقدم جرد يومها المعتاد: " لا تظن بي الظنون، فأنا فنانة معروفة، كنت نجمة تعري معروفة في أفلام الثمانينات، في تلك الموجة من السينما المسماة (ديستابي) التي إجتاحت إسبانيا بعد رحيل فرانكو، وكان لي شعبية كبيرة، وقد شاركت في أكثر من ثلاثين فيلماً، يمكنك التأكد من ذلك بنفسك، ولكني بالطبع كنت أشارك بإسمي الفني (لولا غراندي) وليس هو نفسه المدون في بطاقة هويتي.. إبحث وستجدني في أكثر من دور.. اليوم خدعني خطيبي، وتركني وحيدة وسط المدينة ولم يرغب برؤيتي، لذا قررت المبيت في النزل، وغداً أرجع إلى برشلونة مدينة إقامتي.. إذن يمكنك القول بأنك محظوظ، فكل ما هيأته لخطيبي المأفون، أصبح من نصيبك أنت وحدك.. هل أنت سعيد؟".
كانت من تلك السيدات اللاتي يعرفن قيمة الجسد، ولم تكن تضيع فرصة لحوار تافه. ولأنني كنت قد صعدت لغرض مطارحتها الفراش ليس إلا، فقد تركت لها حرية التصرف بما تشاء. قالت لي ما أن صعدت فوقي:" دعني أشاهدهما؟".
استغرابي لم يكن له محل في خيالها ما أن أمسكت قضيبي بيدها، فصرخت بتهذيب شديد :" ليس لديك سوى واحد، كيف ذلك؟ لقد نمت مع مغربي مثلك، وكان له قضيبان.. إذن أنت من أصحاب الواحد فقط؟". الحقيقة أنني لم أجبها بشيء، فأن تصفني بالمغربي، فهذا ليس جديداً، لطالما أن كلنا مغاربة بنظر الإسبان، والثاني أن أغلب الإسبان رجالاً ونساءً يعتقدون بأن العرب لدينا قضيبان وليس واحداً مثلك خلق الله، فهذا خيطه طويل، ليس له علاقة سوى بالخيال بالطبع. ولكنني لست هنا بمؤرخ كي أشرخ التاريخ الطويل من النعوت والصفات التي أطلقت علينا، ولست بجارح لشعور أية امرأة تصر على أنها نامت مع عربي له قضيبان، لربما كان حلماً أو حقيقة لم أطلع عليها بنفسي، وهذا ليس بمهم في حالتي الآن.
المهم أنها كانت أمرأة وفية لجسدها، وكريمة لأبعد حد مع رفيق فراشها. وإضافة لذلك، كانت هي نفسها لولا غراندي، تذيقني كل فنون أدوارها السينمائية التي مثلت. تمددني وتصعد فوقي، ثم تستكشفني شبراً شبراً، وهي تمثل شخصيتها كاملة، تقول لي:" والآن أنت الممثل الفلاني في فيلم صعود بلا نزول 1980... الآن أمثل دور راهبة وأنت لص دخل إلى غرفتي في فيلم مضجع الراهبات 1982... والآن أفضل دور كدت أحصل بفضله على جائزة غويا لأفضل ممثلة ثانوية مصاصة الدماء العارية 1983.. مثلت الدور كله دون أية قطعة من الملابس، وكل المشاهد كانت طبيعية بما فيها الإغتصاب والدماء..". لم أفهم عليها إلا بعد أن شعرت بأسنانها تنغرز في خلفيتي، وظهري ويداي، وعندما اقتربت منه وأرادت قضمه صرخت وطفرت من الفراش، قائلاً: إلا هذا، فما تزال أمامي وامامه أدواراً نؤديها.
ضحكت وهدأتني ثم انطرحت على الفراش فاتحة فخذيها ونادتني أن أؤدي دوراً أشتهيه معها. مثلت معها دوري الحقيقي والذي لم أتوقف فيه لمراجعة أية لقطة حتى أنطرحنا متعرقين منهكين لأكثر من ثلاث ساعات في شد و توتر و صراخ لا أول ولا آخر له.
ساعة واحدة قبل أن أهبط حتى إستعلامات الفندق، لأن الصبح قد قدم، ولأنني لم أرد أن يفاجأني صاحب النزل وأنا في غرفة زبونة، طلبت مني لولا غراندي أن أسمح لها بتصويري. وافقت على شرط أن لا تظهر وجهي كاملاً. ضحكت واخبرتني أنها في الحقيقة تريد تصوير قضيبي فقط لتحتفظ به كذكرى مثلما تفعل مع كل عشاقها. وكان أن بدأت تقود خطواتي وكيفية الجلوس والنوم، وهي منشغلة بتصويري عصاي التي انتصبت من جديد، وهو ما ذكرني بفيلم كنت قد شاهدته منذ فترة طويلة لمخرج أسباني أحبه جداً هو برلانغا، إذ يظهر في فيلمه (البندقية الوطنية) شخصية ماركيز مولع بقص شعر عانات السيدات اللاتي نمن معه، ويحتفظ بها في أنابيب زجاجية ويعرضها في صالة قصره، ملصقاً ورقة على كل أنبوبة تشير إلى إسم السيدة وتاريخ المناسبة.
لكن سيدة نزل فان كوخ ما أن انتهت من تصوير قضيبي، حتى تركت الكاميرا جانباً و أقعت على الأرض أمامي وأمسكته بكلتا يديها وبدأت تمرغ وجهها به، ومن ثم تقربه من شفتيها، تريق عليه اللعاب وتمسده بلوعة وهي تناديه بكل الأسماء التي سمعت ولم أسمع:
ـ آه يا قاتلي، يا حبي، يا عيني، يا مقطعي، يا سيف، يا خنجر، يا بتار، يا شقاق، يا بلاق، يا ممزق، يا دموي، يا رقيق، يا صلب، يا جلمود... يا ... يا.. وانهت توصيفاته بـ: يا الذي تخرجني الليالي بلا رشد.
وهي تعدد دون أن تتركه بين لطع ومص و تقبيل، تدخله كله في فمها وتخرجه بمطقة وآهة لم أسمع لها من قبل. وعندما أردت أن أخلصه من يديها كي أطرحها على الفراش وأعلوها.. أمرتني بيدها أن لا، واستمرت في المص إلى ما لا نهاية، وهي تصرخ " الآن في فمي.. أريده كله في فمي.. أريد أن أرتوي من ماءك". فما كان مني وأنا الذي كنت في رمقي الأخير، إلا أن أنهض وأدسه بتهيج وسرعة بالغة من دخول وخروج، حتى صببته كله في فمها، ولم أسمعها سوى وهي تتهدج وتنتحب وتولول ولا تتركه يخرج حتى بقي بحجم النواة. وكنت قد أصبحت بلا حيل ولا قوة منطرحاً على الفراش، ألمحها بطرف عيني منتشية ومنطرحة على أرضية الغرفة بفم مفتوح على آخره ووجه مشرق لا مثيل له مع خيط نحيف يمتد من حافة شفتها التحتية حتى حلمة ثديها الأيسر.

قبل دقائق من وصول صاحب النزل، كنت في الإستعلامات، مشوش الفكر بلا اغتسال. مخدراً، ناعساً وبوجه ذابل. وصل صاحب النزل حاملاً معه قدحي بلاستيك من القهوة الساخنة وجلس خلف المنضدة يجرد دخل النزل. بعد نصف ساعة نزلت لولا غراندي بكامل أناقتها، تحمل حقيبتها الصغيرة، وهي تتوجه حتى باب النزل للمغادرة. شكرت لي حسن الضيافة ـ كلمتني بالمفرد ـ وكأنها لم تر صاحب النزل معي، ثم تركت لي كيساً كهدية وغادرتنا بعد أن ارتدت نظاراتها الشمسية دون أن تلتفت أو تنتظر أية كلمة مني.
فتحت الكيس ووجدت في داخله، كاسيت فيديو وعنوانه (مصاصة الدماء العارية) وفيها تظهر لولا عارية تماماً وإشارة لإسمها باللون الأحمر.

الأحد، 3 يناير 2010

El poeta iraquí Sadoun Concluye la II Beca internacional Antonio Machado


El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun
concluye la II Beca Internacional Antonio Machado


S.A
3/1/2010
Han sido cinco meses intensos que le han hecho desprenderse de 15 años de "nostalgias", un 'exilio' poético en el que, entre siestas en el Duero y paseos por las calles de la ciudad, ha empezado a escribir sobre el amor y "paisajes coloridos", temas que creía perdidos. El poeta iraquí Abdul Hadi Sadoun puso fin en diciembre a su estancia en la capital soriana dentro de la II edición de la Beca Internacional Antonio Machado de Poesía, tiempo en el que ha estado componiendo una serie de diarios o cuadernos de viaje y el poemario 'Asirio en Soria'. A la ciudad en la que llegó en agosto del año pasado ha logrado, asegura el autor, recuperar "el presente", desprendiéndose de "las pesadas noches que dejé atrás".La obra es una reflexión sobre su condición de exiliado (llegó a España durante la primera Guerra del Golfo) y sus vivencias en la ciudad en la que, por espacio de cinco años, vivió su admirado Antonio Machado. Conocía la ciudad desde hacía algunos años, incluso había participado como ponente en la primera edición de la Feria del Libro Expoesía que organiza la Concejalía de Cultura del Ayuntamiento de Soria, pero su beca en la ciudad le ha servido para comprender mejor a sus gentes y sentirse, desde el primer momento, como un soriano más. "Este iraquí de nacimiento siente de ahora en adelante que Soria y sus tierras sellarán una gran huella igual en su obra literaria como en su persona", declara el escritor y traductor. Cinco meses viviendo en la capital han servido para 'abonar' los lazos que ya le unían a antiguos amigos sorianos y también para hacer nuevas amistades. A todos ellos y "también a los que me ayudaron durante mi estancia y me facilitaron el trabajo de conocer la ciudad y sus historia antigua" Hadi Sadoun agradece el apoyo recibido y "la magnífica acogida" obtenida. No en vano, ya durante su estancia en la ciudad, el poeta iraquí se definía sin reparos como un soriano más, tal había sido el grado de afinidad con el paisaje y el paisanaje de la ciudad. "Siento que ya es una parte de mi vida. Me ha dado mucho: tranquilidad, descanso y conocer gente y sitios maravillosos. Ha sido un descubrimiento muy agradable. Agradezco al propio Antonio Machado y al premio esta oportunidad", explicaba a HERALDO DE SORIA en una entrevista el pasado mes de noviembre. En 'Asirio en Soria', el poemario que ha compuesto durante sus cinco meses de residencia en la capital ha querido realizar un homenaje a la jarcha, un género lírico que surgió en la España medieval musulmana. "Es una manera de reivindicar este género poético muy interesante, corto como el haiku, que merece la pena recuperar", comentaba en aquella entrevista. Aunque la beca ha llegado a su fin, Abdul Hadi Sadoun promete volver a Soria. "Aquí mi sombra se merma/ sombra de tentativas crudas./ Nos une el miedo, no el amor, querida/ por eso nos abrazamos", reza uno de sus poemas que compondrán su libro
'Asirio en Soria'.