الخميس، 27 أغسطس، 2009

مسألة الاستهلال السردي مرة أخرى

مسألة الاستهلال السردي مرة أخرى
اكتب ما تكتب.. هذا عالم جايف
الكتابة بالاستعارة هي أفضل توصيف لفن عبد الهادي سعدون السردي
وديع العبيدي
هي رصاصة الانطلاق في رواية عراقية أثيرة. حكاية هذه الرواية أن صاحبها لم يتخذ قرار نشرها وذلك لأسباب فنية في الغالب. أما أنا فقد وقفت مع النشر، مستندا إلى معيار القيمة الاجتماعية والفكرية للنص. ولذلك احرص على تناول النص هنا مع تجنب الاشارة إلى عنوان الرواية واسم المؤلف.* قد تبدو هذه الجملة عادية جدّا في ثنايا التداول (اللفظي) العراقي المحمّل بطاقة سخرية نقدية متمرّدة، ولكن رفعها للمستوى النصي الأدبي يمنحها بعدا آخر، بعدا يتجاوز الانتقال من (الشفاهية) إلى (التدوينية). فالنص هنا معيار تطوري، انزياح فكري في الزمن. والانسان الكاتب يعيش في النص، وينمو أو يتطور فيه. التطور هنا يعني التغير، ويعني التحول من مستوى إلى مستوى أرقى في مجال الفكر والتعامل مع الواقع. التعامل مع الواقع يعني الاحتراق والتأكسج أو التأكسد في مرجل تداولاته اليومية الساخنة. ومضاعفات هذه الحالة قاسية وخطيرة. قاسية لأن اقتران الفكر بالشعور، يعني الكتابة في طقس عصابي متشنج يستهلك من الكاتب الكثير من الوقت والجهد، ولكن الكثير من الأصدقاء والعائلة والأوقات الجميلة أيضاً. تضحية الكاتب بأوقاته الجميلة من أجل انجاز (نص) يؤرخ للواقع ويفكر به بصوت مسموع، مسألة غير ملحوظة داخل النص، وغير معنية لدى القارئ أو التقليد الاجتماعي في النظرة إلى الأدب والمنتج الأدبي. وأصعب النصوص هي تلك المقطوعة من شريحة الحياة، حياة الكاتب الخاصة. الكاتب هنا فرد، وهو فرد غير عادي، وانما فاعل اجتماعي له دور حاسم يتجاوز اللحظة إلى التاريخ. الوعي الاجتماعي للكاتب هو مهمازه في الكتابة. أنه لا يعيش حياته فقط، وانما يعيش حياته وحياة الآخرين وحياة البشرية والعالم في آن. واللحظة العابرة في يوميات الكثيرين، تتحول لدى بعض الكتاب إلى قطرة (تيزاب) تظل تتفاعل في الجلد حتى تغوص في أعماقه وتنتشر في أصقاع لا تكون متخيلة لمن يتعامل مع الحياة بسطحية لحظوية. في الغالب يمكن رصد نوعين من الكتابات، أو استقراء صنفين من الناس (الكتاب) حسب كتاباتهم. وسوف أعتمد هنا أمرين:- طول النص وتلبّسه بالواقع..- عمق وحرارة الجملة البنائية في النص.عندما يشعر القارئ بالكلمات أو الصور النصية تنهال على نهايات شعيراته الحسية مثل مطارق خشبية هائلة، يعرف أن الكتابة هي بمثابة آلة حادة تعبث في أحشاء الكاتب مثل الجنين الذي لكي يتكون ينتزع قوته من الأم، ولكي يولد ينتزع معه غشاء الرحم ويترك الأم في بحيرة من الدم. قولة الجاحظ (أن المعاني مطروحة في الطريق) لا غبار عليها، وهناك أشياء كثيرة مطروحة في الطريق، ولكن ليس كلّ شيء مغرياً. يقول أحد كتاب اللاهوت*: صحيح أن (الكتاب المقدّس) هدية مجانية- ولكنها (متعِبة)!، فمع كل ما يقال عنه من مديح، لا تنسى متاعبُه. وفي مكان آخر يقول (أن للكلمة -الالهية- ثمن)!.. مغزى التعب والتكلفة يتعلق بالباب الضيق والباب الواسع في الفكر الانجيلي، وفي الحياة كذلك، الطريق الصعب والطريق السهل. وعندما يقرر المرء أن يكون جادّا في الحياة لا يجد أمامه طريقا سهلا. والكاتب الجادّ لا يجد أمامه أفكاراً فنتازية طائرة أو نكات معلقة من نهاياتها. في التعامل مع الواقع ثمة اسلوبان أو طريقتان تتعلقان بالآلية أكثر من أي شيء آخر، ويمكن توصيفهما بحالة الصيد البحري. الأولى تبتدئ من السطح وتغور وتستغور العمق وتصدر عنه، والثانية تكون غائرة في اللحم ثم تتلجلج وتندفع نحو الخارج. الأولى هي طريقة الصيد بالسنارة أو الشبكة، والثانية هي طريقة الغوص لاستخرج اللؤلؤ والمحار. لكلّ من الحالين صفتان، فالأولى تكون أسهل في الوصول إلى القارئ والفكرة وأكثر وضوحا. والصفة الثانية أنها تكون طازحة ساخنة ومستمرة في الألم (للكاتب). الثانية بالمقابل سوف تكون أعمق غوراً، وأبعد عن عين القارئ، فليست يسيرة الالتقاط. وعموما تستدعي قراءة غير عادية أو قارئ نوعي. الأمر الآخر، هو ابتعادها في الزمن كما في اللحم. وهذا يعني مبدئيا وجود مسافة زمنية أمكن خلالها حسم بعض جوانب الموضوع أو تهدئة الموقف باستخدام العقاقير. الطريقة الأولى قد تبدو بسيطة مباشرة، الطريقة الثانية قد تبدو معقدة ولغزية. الطريقة الأولى هي الأكثر شيوعا في التداول العام، وهي تتفاوت أو تتحكم في مدى العمق التي تذهب للغور فيه طالما هي تبتدئ من السطح، (هل هي طريقة شعبية!)، والقارئ يحسّ بانسجام معها لقربها من حياته ومفهوماته وملفوظاته، ولكنها قد لا يبلغ بها المغزى. أما الثانية فيكون وقت كافٍ لترتيب الأفكار والمعاني والتوفر على التقنيات اللازمة لتسويق الفكرة. قد تتوفر الثانية على درجة من الجمال تعوّضها انخفاض الحرارة، ولكنها تبقى أقرب إلى اللغز والأحجية عسيرة الادراك. هذه الطريقة ترتبط من جانب خلفي بطبيعة البيئة الأدبية ومدى سعة الحرية السائدة في المجتمع والنظام. ان انخفاض سقف الحريات يستثير لغة الأحاجي والطلاسم المضاهي للباطنية في مجال الفلسفة والدين. النوع الأول يتحرك وفق سعة الواقع الفكري والاجتماعي ويستطيع التحكم بأفق المعنى. يمكن درج كتابات حسن مطلك الروائية في النوع الثاني – الباطني. وإلى حدّ ما وضع سرديات محسن الرملي ضمن دائرة الصنف الأول. وكلّ منهما أثبت نجاحا في مجاله. هنا يختلف عبد الهادي سعدون عن الرملي في الاتجاه. لذلك تبدو معانيه غائمة، مضببة. فهو في حديثه عن أجاثا كريستي في العراق أو منعم فرات لا يعني لا هذا ولا ذلك. وهو يراوغ القارئ -ويصرف فكره في اتجاه آخر- عندما يضع (الرمز/ القناع) في العنوان، ثم يستهلك معظم قماشة السرد في وصف شخصية الرمز. ذلك يتيح له بثّ أفكاره خلال السرد وليس السرد المحض مقصوده.
الكتابة بالاستعارة هي أفضل توصيف لفن عبد الهادي سعدون السردي. ففي (انتحالات عائلة) يوهم القارئ أنه يكتب سيرة شخصية. أنه يصعد القارب أو يتسلل. ولكنه في الصفحات الأولى، يكشف عن إصابته بحالة من الذهان، لا يقول هو ذلك وانما يستخدم استهلالا بسيطا جدا.. فعندما كانوا في القارب كان كلّ واحد يتحدث ويقدم قصة، وهو لم تكن لديه قصة، ونزولا في السياق، يقرر أن يؤلف قصة يرويها لهم (لنا) باعتبارها قصته. هذه القصة تظهر في (امرأة القارورة) لسليم مطر، الذي يحوّل قطعة من النحت إلى محور رواية يحملها الثقل التاريخي للقضية العراقية. على عكس الطريقة الأولى، توحي الطريقة الثانية بتقصد حالة هروب من الواقع. ولكن الحقيقة غير ذلك بالتأكيد. شعرية عبد الهادي سعدون تختلف عن سرديته. وهو ما يصح كذلك على محسن الرملي. ثمة حالة من التناظر هنا. لا يمكن ادعاء أن قصائد أحدهما كتبها الثاني، أو أننا بحاجة لعمل ذلك لتقريب النص. عبد الهادي سعدون في قصائده ينطلق من لحظته، من الحجرة واللون والماء والسرفات. محسن الرملي ينطلق من ذاكرة بعيدة- أوراق بعيدة في الذاكرة-. ربما أمكن تعميم هذا الوصف على الرملي الذي يعيش فيه الماضي أكثر من حياته في نص الحاضر. لقد كان منتظَرا أن يكتب عن مدريد، عن الشاطئ الآخر، لكنه بقي مشدودا نحو الخلف. في قصيدته المعنونة – عيد ميلاد- هو بالتأكيد عيد ميلاده الأربعين- يحدث انفجار يقلب المكان والطاولة وو.. فبالنسبة له، ومع الاعتذار لجميع المدعوين، كان يحضر عيد ميلاده في شارع السعدون في بغداد. أما هم فكانوا في مدريد، قريبا من الأطلسي. هذه المرواغة الشعرية أو الاستعارة قريبة من سرديات سعدون. ولكن سرفات الدبابة في قصيدة سعدون قريبة من (أوراق بعيدة عن دجلة). الحديث عن أدب التسعينيات لا يتجرد من إشارة إلى أدباء أجيال سابقة يواصلون الكتابة (الحديثة)، أي خروجهم على أنماطهم التقليدية المعروفة إلى نصوص أكثر انفتاحا – ليس في التفعيلة- انما في العلاقة بالواقع المباشر. وقد سبق أن أشرت لجانب من هذا في قراءة (صلاح نيازي وقصيدة التسعينات) المحيلة على القصائد الأولى من مجموعته (وهم الأسماء). مما يبدو أن التغيرات الهائلة التي جرت في التسعينيات سياسيا واقتصاديا وثقافيا انعكست تردداتها على مختلف مجالات الحياة الأخرى، والأدب في المقدمة. ثمة نفس جديد تخلل بعض التجارب الأدبية لأمثال سعدي يوسف ومحمود درويش في التماهي التام مع اللحظة -الزمكانية- وخارج القوالب اللفظية أو الأيديولوجية المتعارَفة. ان حالة الفقدان التام وانقلاب المعايير تركت الانسان المعاصر وحيداً في مواجهة عصره وقدره. ليس مواجهة الموت والمرض، وانما مواجهة تبعات الحياة اليومية وانتحار الأمل أو الحلم. مرة أخرى، التسعينيات تعني انتحار اليوتوبيا، والعودة إلى الواقع، إلى الذات، إلى أبسط التفاصيل وأكثرها مللا، فهذه هي الحياة. هكذا ينقسم الماضي (past tense) والحاضر (present tense) إلى مملكتين لكل منهما نظام ودستور وحاكم. أن تعيش في الواقع ولا تعيش فيه. ان تتحول الذاكرة إلى واقع والواقع إلى منفى. أن تكون موجودا في كلّ مكان، إلا حيث أنت موجود. ان تذهب الذاكرة القريبة (short memory) في طريق، والذاكرة البعيدة (long memory) في طريق آخر. هذه الظاهرة ليست نادرة في قراءة الأدب العراقي، ولكن موعد قراءة هذا الأدب تأخر كثيراً، لغير صالح النص. متناسين أن الدراسة الأدبية هي جزء من التاريخ الاجتماعي والسياسي، وعند دراسة أدب مرحلة معينة، فأن هذه الدراسة تهيء الوعي الاجتماعي والسياسي للانتقال إلى صفحة جديدة. من غير دراسة أدب الستينات ما أمكن الانتقال للسبعينيات، ولكن دراسة أدب السبعينيات وما بعدها بقيت متلعثمة، لذلك تداخلت ملامح العقود الثلاثة الأخيرة بشكل متضارب ومشوّه. مما شكل عائقا أمام انتقالة جادة في الألفية الجديدة أو قرن جديد، والعراق يجرجر سرابيله منذ ثلاثين عاما أو ثلاثة قرون أو ثلاثة آلاف.. فكأن زمن ولادة جديدة لم يحن. خارج الواقع - تمتح قصائد حسن مطلك من أفق وجودي منفتح وشاسع، أفق يتجاوز ثكنات الواقع، وهو ما يقارب إلى حدّ كبير شعريات مؤيد سامي (مهر وحيد يصهل في الكون) المتباينة كذلك عن طريقة أدائه القصصي. الوجودية أو الخيال الميتافيزيكي يمثل حالة هدنة مع الذات، هدنة مع العقل، يستريح فيها الذهن من تعب واقع يجترّ نفسه. الخيال الميتافيزيكي هنا بمثالبة (بُطْل العَرَق) حسب توصيف الرصافي لمنح العقل راحة اجبارية والرفق به من ضراوة التفكير. *تنصيص الواقع..زحف الواقع الاجتماعي (الشعبي) داخل النص الأدبي تأخر في الأدب العراقي مقارنة بالأدب المصري السردي. في الأدب العراقي كانت (الفكرة) لها السبق على النص، والشكل أكثر حظوة من المعنى. بينما بقي الأدب العراقي متأخرا عن ذلك. وبقيت علاقته بالقارئ والواقع برجوازية (بالمفهوم الدارج) محدودة الفعالية. ولا يزال كثير من العراقيين يحفظون نصوص الأدب من مختلف مراحل التاريخ لمداواة بؤس الحاضر أو التشفي بالزمن، ولكن هذا الأدب، لم يخرج من دائرة التقليد وتكرار الواقع (الوصف) إلى دائرة التمرد والتغيير. - لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم - إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفا أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا - وردت سفحك ظمآنا ألوذ به لوذ الحمائم بين الماء والطين- حتى الظلام هناك أحلى، فهو يحتضن العراقكثير مثل هذه المقاطع والصور جرت مجرى الأمثال التي ترسخ عقلية العجز والتسليم، والحياة داخل النص دون نزول للواقع. وبالتالي ثمة حالة عزل أو حاجز بين النص والواقع، وبين الانسان وحياته. ثمة أسماء محدودة وكتابات معينة أمكن لها تشرّب الواقع المباشر بعيدا عن قوالب الفكرة والأيديولوجيا، في شقيها البرجوازي والماركسي. وهو ما يقتضي إعادة التأرخة والقراءة النقدية للثقافة العراقية من أجل خلق صلة جديدة بين الكاتب والواقع، والقاري والنص. يقول أحد الكتاب* أن نسبة عظمى من العراقيين عادوا من بعد التسعينيات لقراءة علي الوردي، واصفا الوردي بالمثقف المستقل أو المحايد، والصحيح أن الوردي تعامل مع حيثيات الحياة العراقية بشكل مباشر وصادق بدون اسقاطات فكرية وأيديولوجية.الظاهرة الأكثر وضوحا في مجال تنصيص الواقع تتمثل بأدب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ الذين واظبا بلا كل أو ملل منذ أواسط عشرينيات القرن العشرين تقديم قراءات اجتماعية مباشرة للواقع المصري وبالشكل الذي أسس قاعدة متينة للفكر الاجتماعي المستقل والمسرح والدراما المصرية. بينما بقي الأدب العراقي مرتبطا بعجلات الأحزاب والأيديولوجيا، وبالشكل الذي أعاق نمو الفكر المستقل والفنون المسرحية والتشكلية والدراما. فيما بقي الفرد العراقي يتقافز من حزب إلى آخر ومن أيديولوجيا إلى أخرى، ومن جماعة لغيرها، هروبا من واقعه، وهروبا من وضعه الحياتي دون ظهور أبسط مستلزمات التغيير والانتقال من الوهم إلى الواقع. وإذا كان المصطلح الذي جسّد التجربة المصرية هو (التمصير)، فأن المصطلح المقابل له سيكون (التعريق) العراقي الحرّ، وفي هذه الحال، سوف تحتاج كثير من نصوصنا حملة (تعريق) لوضعها في حلبة الواقع المباشر ومتناول القارئ العراقي الجديد، مع تأكيد مبدأ الاستقلال عن الأيديوولوجيا والأفكار المسبقة.
• ليست هذه الرواية الوحيدة في وضعها، وهناك روايات وكتب أخرى – حسب معرفتي - يحجم أصحابها عن نشرها لأسباب مختلفة، رغم أهميتها.
• أدولف بول- في كتابه : ما أعجب أن يتكلم الله- ترجمة ماهر ناثان- دار منهل الحياة- لبنان- 2007- ص42• أحمد المهنا- الانسان والفكرة- منشورات مركز الحضارة العربية- القاهرة- 2000
*
لندن في الثاني من مايو 2009

ليست هناك تعليقات: