الأربعاء، 20 مايو، 2009



تذكار العصفور


حاتم الصكر


( عصفور الفم ) هو عنوان ديوان الشاعر العراقي المقيم في أسبانيا عبدالهادي سعدون الذي يضيف له الغلاف الداخلي عبارة ( وقصائد أخرى) التي سندقق لاحقا في جدواها وما تشير إليه من ستراتيجيات ورؤى وخطط نصية.
ستأخذنا عتبة العنوان حتما إلى مغزى أو- للدقة- دلالة أن يكون العصفور في الفم ..عصفور في فم شاعر ستعني في مرمى التفسير القريب الذي تصله كل يد أنه يطلق غناءه العصفوري جميلا مبتهجا سعيدا..هذا هو التفسير الساذج الذي أستبطن به قراءة قارئ عابر في طريق القصيدة وليس حفارا في طبقاتها ، مقيما فيها بالضرورة ، معاودا الكر على بنياتها ، ملتذا بتأويل ملفوظاتها، تلك السعادات والملاذ المتوهمة التي يهبها الشعر عبر نص لغوي صوري لا تقل حقا عن الإنصات لزقزقة عصفور، لكن هذا الافتراض سيهدمه وجود العصفور داخل الفم حيث سيفقد الاثنان وظيفتهما الرمزية : العصفور منغمرا بمساحة الفم –مختنقا؟- ، والفم الممتنع عن البوح محشوا بجسد العصفور-جثته؟-.
ها قد افترقت طرق القراءة : هنا نتلمس فضاء حزينا لا بهجة فيه لأن العصفور لا يصدر صوتا والفم منشغل بجسد العصفور، ولكننا سنتعقب الوجود العصفوري في الفم الشعري ، ولا سبيل لذلك سوى اقتناص العصفور في القصيدة التي تحمل العنوان ذاته( عصفور الفم) وهي التي تسيدت الديوان وصار عنوانها عنوانا له ، القصيدة قصيرة لكن موقعها الدلالي ينتشر على صفحات الديوان ، بينما تتقازم القصائد الخمس والعشرون الباقية مكتفية بوصفها الذيلي ، فهي قصائد ( أخرى ) تنزوي بحرف صغير أسفل العنوان الرئيس ، وهي لسانيا تقبع في ظل حرف العطف الذي يلحق وجودها ب( عصفور الفم) ...
العنونة ذات بعد فني ورؤيوي أيضا كما تتفق الدراسات الحديثة بصدد العتبات ، والنسق الذي يطالعنا في رصف وسبك عنوان عبدالهادي سعدون يعيد للذاكرة عناوين الخمسينيات القصصية والشعرية (...وقصص أخرى ) وسنفترض الموقع الخاص لقصيدة (عصفور الفم) من هذا التقديم والهيمنة.
لكن القراءة التأويلية استنادا إلى تلفظات القصيدة ستدخلنا في اتساعات جنسية ، لأن ثمة امرأة صامتة كالعصفور نفسه مكتفية بابتسامة ثم ضحكة
ولا عصفور يأتي في النهاية ، بل هو( تذكار قديم لليلة مرت) كما يقول البيت الأخير القادم بعد فاصل من البياض، لعله الزمن المستغرق في معاشرة تنتهي بمحاولة تقبيل شراشف السرير، فيحال كل شئ إلى الاستيهام والتوهم ، فكما سنعلم أنه لا عصفور يأتي سنقيس مخمنين أن ليس ثمة امرأة ، بل ليس سوى ريح كما ينقل النص عن جلجامش الذي لا يحضر هو أيضا باسمه بل بوصفه الكنائي:

(ليس سوى ريح )سأقول
مكررا كلمات صاحب عشبة الخلود
وأنطرح بثقلي محاولا تقبيل شراشف ا لسرير!

العصفور تذكار قديم لليلةٍ مرت
قصائد الديوان بقسميها الزمنيين بحسب أعوام كتابتها تعتني خاصة بالنهايات ، ترميزا لبكائيات على أشياء ناقصة : وطن مهجور منذ عقود ، وعائلة انفرط زمنها، ونساء يسبحن في ظلمة بلا وجوه –كما في اللوحات القاتمة - ، وطيور وحيوانات تستقدمها الذاكرة من الطفولة والأحلام: نسر ونمر وحمامة –كحمامة بيكاسو المستنسخة عن أسطورة الكون بعد الطوفان: في فمها غصن أخضر صار رمزا لسلام فكاهي لا يأتي إلا في الأحلام والاستيهامات ، فتستقر في عنف الغرنيكا وخرائبها ( جافة لا تطير/ كجثة فرعونية / ريشها الذي يلون الحزن) ..
التداعيات التي تمثل الترابط الوحيد بين بنيات النصوص تهب القارئ شعورا بأن كل شيء منقطع هنا ، في دورة حياة غريبة تسجلها قصيدة أشبه بسيرة ذاتية ناقصة ، ذات عنوان غريب في تفككه اللغوي والدلالي(إحصاء التحول فالميتات بينة)؟:
منذ العام ألف وتسعمائة وثمانية وستين
وأنا أمارس التحول
أعني أداور الجهات في غرفتي
قالوا إن الوالدة أنجبتني مقلوبا
فأبادرهم بالتحول من جهة إلى أخرى
خيط آخر يربط النصوص بالوجود التذكاري هو استعادة المكان( الأول= العراق) بأشكال متعددة : بالمقتبس الافتتاحي الذي يسبق القصائد والمأخوذ من قصيدة شعبية مغناة لمظفر النواب ( جفنك جفن فراشة غض، وحجارة جفني وما غمض) والإشارة في الهامش إلى أن قصائد القسم الثاني (تتخذ من العامية العراقية والألفاظ الأسبانية مرتكزا لها ) فالذكرى تهيمن عبر اختزال الماضي إلى هذه المرائي اللغوية المترسبة في قاع الذاكرة. وحضورها بلا تفسيرات أو شروح -كما جرت العادة- تأكيد على هذا الحضور الرمزي ، فهي أشبه بحروف في لوحة تشكيلية لا تؤدي معنى ، بل تكتفي بأن تزين السطح وتسمه بالروح التفشفية للحرف ذاته..
ولعل أبرز ما يلفت في قصائد عبدالهادي سعدون اتساقها الإيقاعي، فهي فضلا عن انتمائها كلها لشكل واحد هو قصيدة النثر، فإن لغتها تتميز بالمحافظة على انسياب وهدوء ظاهري ، فيما تحتدم داخلها صور شتى للانفعالات ..كما يشجع تباعد مقاطعها القصيرة على البحث عما يربطها عضويا، ولكن أبرز المظاهر الجمالية في الديوان هي النهايات التي تأتي منقطعة لغويا أو دلاليا عن المتون :
الخيميائيون
يالهيئتهم كالمعلم

الثقوب
لماذا يا إلهي؟

النهر
هذه المفردة الجامدة

العائلة
شص سمكة هذه القصيدة

المرأة
هذا الحضور المربك
لا تستجيب هذه النهايات المنتقاة من قصائد شتى لإنتاج دلالات معتادة في النصوص ذات الهيئات المترابطة ، أعني تلك التي تتسلسل سرديا ،فقصيدة عبدالهادي سعدون تنبني على تداعيات يعوزها الارتباط الحدثي الذي تتميز به قصيدة السرد.
هنا تعريفات وخلاصات لأشياء: تقف منفردة في سطر شعري ليتبعها ما يفسرها أو يعرفها..وهي محاولة تثبيت الاستعادات وتعيينها بالأمكنة والأزمنة والشخوص ، لكن ذلك يخدم اتجاه القصيدة صوب بناء عالم متخيل وحلمي(كابوسي؟) عن زمن مضى ، وكأن كائنا آخر يقيم في ذاكرته كما يقيم عصفور التذكار المجتلب من ليلة مرت ..وانقضت يؤطرها العجز عن الإمساك بالزمن أو استرجاع المكان..والذي توجزه هذه الأمنية المستحيلة:

لماذا يا إلهي
لا تخلق عالما خاليا من المطارات
والطائرات
والسفر
والمسافرين
فنجلس عند عتبات دورنا
ولا نتحسر ونحن نرقب الطيور

ليست هناك تعليقات: