الخميس، 28 مايو، 2009

شخصية العربي المسلم في أوروبا

شخصية العربي المسلم في أوروبا

عبدالهادي سعدون

هل أصبحت صورة العربي ـ المسلم النمطية في الغرب الأوروبي حقيقة غير قابلة للنقاش أو التغيير؟
إن صورتنا النمطية المعروفة تحمل كل توصيفات الآخر المرفوضة سلفاً، بحيث لو شئت أن تناقش أية حالة تطرأ في الوضع العالمي وتحاول بيان أوجه الاختلاف، ستتقابل بما يشبه إجماعا تاما من قبل وسائل الإعلام بصورة خاصة والمجتمع بصورة عامة بما يتناقلونه عن تلك الصورة النمطية التي في رأيهم غير قابلة للتحوير أو التبديل، أو حتى مجرد محاولة فهم جديدة للحالة بحيث تؤدي لتصور معين مختلف عن التصور الذي يحملونه.
ولكي نحاول أن نصور المسألة من وجهة قابلة للنظر بالنسبة للقارئ العربي البعيد عن مؤثرات الغرب بحكم عدم وجوده في بلد غربي، ولا يعرف عن الغرب سوى الأخبار الواردة عبر وسائل الإعلام، لا بد من التأكيد على أن مجرى التصور ليس له قاعدة واحدة ثابتة، بل هناك وجهات مختلفة، ولكن على الرغم من اختلافها، إلا أنها لا تحيد بالضرورة عن صورتنا النمطية في الأذهان. إن هذه الصورة النمطية بما تحمل من رواسب الخيال المتكرر عبر قرون متعددة، قد تلقى تحوراً طفيفاً، مناقشة متجددة، وسطوع ضوء يحاول أن لا يكرر نفسه، لكنها للأسف ـ إن لم أقل متشابهة ـ فإنها في الواقع تتبنى المصدر نفسه المتجذر منذ قرون، وكأن صورتنا ووضعنا الفكري والاجتماعي والسياسي هو نفسه في زمن مواجهة الحروب الصليبية، بل وحتى زمن التدخل الاستعماري القريب.
إن المجتمع الغربي مع كل حالة وحادثة تطول مجتمعاتنا العربية الإسلامية (وهي عندهم سواء متداخلة ولا أعني المفردتين فحسب، بل المنحى العقائدي والذهني) لا يبحث عن مسببات الوضع الجديد، لأنه ببساطة ساذجة يحيلها إلى جملة المعتقدات المترسخة في ذهنيته المبنية على أسس لا تتغير، حتى لو كانت مجحفة وغير واقعية بالمرة سواء بإدراك أو غيره. فكما يقول المفكر والروائي خوان غويتسولو في معرض حديثه في كتبه المختلفة عن المشرق وعلاقته بالغرب:" إن تصور الغرب لا يخرج مطلقاً عن كل تلك التصورات والكليشهات النمطية التي لا يختلف فيها فكر ابن القرن الحادي والعشرين عن الغربي في القرون الوسطى زمن المواجهات السياسية الدينية، وكأن الحال هو نفسه بصورة مستنسخة لا تختلف سوى زيادة التهويل والتوابل المضافة بقصدية أو دونها".
قبل أيام وفي ضوء ندوات دعيت لها كانت في مسألة النقاش عن الحريات والصحافة وتأثير المعتقدات والبنى الدينية الجديدة في أوروبا، وهو نقاش دائم منذ عقود نتيجة لتزايد التأكيد على خطر الهجرة والإسلام والمعتقدات العربية على أوروبا، سمعت من الآراء لمفكرين ومثقفين غربيين ما يمكن أن تقرأها في أية رسالة لمتدين من محاكم التفتيش المسيحية في القرون الوسطى، مع اختلاف بسيط ولكنه أمر خطير ، وهو أن المفكر المعني في هذه النقاشات له من الوسائل ما يدعم آراءه المجحفة بشكل مخلوط فيه الواقع الحقيقي لعالمنا العربي ـ الإسلامي وما يجري فيه من أحداث و وقائع خارجة عن مغزى العالم نفسه. ولكن المفكر نفسه ببساطة تامة لا يفرق بين حالة وأخرى، فالكل برأيه يدخل في بوتقة الانصهار ذاتها، لدرجة أن تصورات الأغلبية منهم تتخيل الأمر بصورة كاريكاتورية حقاً، ولشرحها بصورة أكثر وضوحاً، يمكن للقارئ تخيل هذا المفكر وهو يتحدث عن ضرورات التغيير في مجتمعاتنا بحيث تقضي بالمرة على فكرنا الرجعي المتقوقع في سباته والذي لم يخرج بعد من حالة مجتمع القرون الوسطى. أتصور الحالة وأنا بينهم, أن المفكر نفسه وهو يتحدث عن وضعنا بجهل تام ليس أمامه من صورة سوى ما درجنا على رؤيته في الرسوم المبتكرة عن وضعنا في الصحف والتلفزيون والسينما وهو: "رجل معمم تجري وراءه نساء عديدات، يقود جمله، وهو حائر في كيفية الوصول لخيمته". لنكن على علم بالواقع فحالتنا وتصورنا من قبلهم لا تخرج عن نمطية الجاهل، المتخلف، المنقطع الصلة عن الحضارة، وهي صور تتلون وتتغير ولكن فحواها واحد.
قلت في الأول إن الحالة بالطبع لا تجمع كل فئات الغرب، وتصورهم يختلف بدرجات.
فاليميني المتطرف الذي يتخذ هذه الوسائل لتأكيد آرائه ونظرياته عن مجتمعات مثل مجتمعاتنا لا يعرف بالضرورة عنا أي شيء سوى من خلال آراء وقراءات هي في الوقت نفسه القراءات المتكررة ذاتها منذ قرون، وغايته واضحة في زيادة التشاحن والتصادم والنفور. بينما الجانب الآخر من المفكرين المعتدلين وهم وإن اختلفوا في تصوراتنا وتقاطعوا مع وجهات نظرنا وتصوراتنا للوضع، فهم على بينة حقيقية من الوضع وينشدون من خلال كتاباتهم تبيان تصور مغاير عن التصور اليميني المضطرب. من هنا يصبح تصور الآخر المعتدل، الإيجابي نوعاً بتصوره وتفكيره، يحتاج بالضرورة نوعاً من المصالحة الواعية معنا، أي علينا أن نبحث عن الطريق الأمثل لمساندة فهمه لطبيعة ومتغيرات مجتمعاتنا، وأعتقد أن تصور التحاور ونقل الفكر العربي ـ الإسلامي المتنور بشكل وبآخر أفضل وسيلة للمناقشة والوصول والتحاور من محاولات التشكيك والتناحر والتهديد والمطالبات العسيرة التي يتبناها الجانب المتشدد فينا، وهو الذي علينا مراقبته كذلك والحد من خطورته المتزايدة كل يوم، مثلما علينا الانتباه بالدرجة نفسها للآخر الغربي المتطرف.
من بين ندوات التحاور بين الغرب والإسلام التي أحضرها بين فترة وأخرى، أذكر هنا جملة قالها أحد المستشرقين في بيان الحال الواقع في درجة التحاور من الاختلاف، وهي تصور بصورة واعية الشرخ الحقيقي للعلاقة بين العالمين، يقول المستشرق:"إن علة الغربي (الأوروبي) ليس في أنه لا يفهم طبيعة ومعتقدات الإسلام والمجتمعات الشرقية، بالطبع هذا حقيقي، ولكن العلة الكبرى هي في أن الغربي لا يريد بطبيعته أن يفهم أو يسعى لفهم هذه الطبيعة ومحاولة الوصول لإدراكها، وهنا مكمن الحالة".
إن جملة المستشرق ضرورية وحاسمة في هذه الحالة وتصوِّر الوضع الحقيقي، ولكن مع بعض الإضافة التي أشير إليها هنا؛ وهي أن جزءا من مجتمعاتنا لا يزال يعتقد ويحارب في الاتجاه نفسه الذي يتخندق خلفه المتشدد الغربي، أي أن جزءاً كبيراً من مجتمعاتنا لا يزال تقف بدرجة المتفرج نفسها ولا يسعى حقيقة لفهم الغرب ومعتقداته، لذا يقع في الخلل والسلبية نفسها التي ننتقدها لدى الغربي المتطرف.
إن طبيعة الفكر اليوم، كما يقول أحد المفكرين، لا تكمن في نظرية فكرية جديدة أو استنطاق لمفهوم مغاير، بل في درجة الوعي بطبيعتنا المتناقضة والوصول بها إلى نقطة التفاهم بعيداً عن حساسية التصور الخاص والتشدد المبني على الأنا دون الآخر.
الخميس 16 مارس 2006 العدد 4539

ليست هناك تعليقات: